لإثبات نسبة مصنَّف ما إلى مصنِّف ما طرق منها:
١ - وهي أقواها أن يذكر مصنف الكتاب أو يشير إلى مصنفه في مصنف آخر له تصريحًا أو تلميحًا، كأن يقول: وقد بسطت هذِه المسألة في كتابي ..، أو نحو هذا، وقد ذكرت - فيما تقدم - أنه بعد البحث والتنقيب، ليس لابن قرقول مصنف آخر، وإنما صرح باسم كتابه هذا في مقدمته ١/ ١٢٩، فقال: وقد سميته بـ "مطالع الأنوار على صحاح الآثار".
٢ - أن ينسبه له غيره من أصحاب كتب التراجم في ترجمته، وكذلك أصحاب كتب الفهارس، وقد نسب المطالع لابن قرقول جل من ترجم له على خلافٍ ما سيأتي ذكره، فنسبه له ابن خلكان في "وفيات الأعيان" (١)، والذهبي في "سير الأعلام" (٢)، والصفدي (٣)، واليافعي في "المرآة" (٤)، وابن العماد الحنبلي في "الشذرات" (٥)، وابن الغزي في "الديوان" (٦)،
_________________
(١) ١/ ٦٢.
(٢) ٢٠/ ٥٢٠.
(٣) "الوافي بالوفيات" ٦/ ١٧١.
(٤) "مرآة الجنان" ٤/ ١٧٠.
(٥) ٤/ ٢٣١.
(٦) "ديوان الإِسلام" ص ٧٥.
[ ١ / ٦٧ ]
وحاجي خليفة في "كشف الظنون" (١)، وإسماعيل باشا البغدادي (٢)، والزركلي (٣)، وكحالة (٤)، والكتاني (٥)، وغيرهم.
٣ - أن ينقل عنه من صنف بعده في مصنفاتهم، وابن قرقول قد نقل عنه جملة من شرَّاح الحديث، سيما أحاديث الصحيحين و"الموطأ"، وأصحاب كتب الغريب واللغة وغيرهم، وسيأتي ذكر من نقل عنه مع زيادة بيان وتفصيل، إن شاء الله.
فصل:
هذا الفصل أراه تتمة وتكميلًا لا بد منه، من باب الأمانة العلمية التي لا بد أن يتخلق بها الباحث الشرعي ويتحلى بها المحقق لتراث هذِه الأمة، بل وكل من له أشتغال بأمر من أمور الدين، ألا هو النقد العلمي البنَّاء الصادق، وذلك أننا لاحظنا من خلال عملنا في الكتاب تخريجًا وتحقيقًا ومقابلة على النسخ الخطية الست - التي سيأتي ذكرها والكلام عليها بالتفصيل - مع النظر الدائم والمطالعة المستمرة لكتاب "مشارق الأنوار" الذي هو بمثابة الأصل لهذا الكتاب، وذلك كنسخة سابعة، لاحظنا بل تيقنا أنه لا ثمة فرق كبير بين الكتابين "مشارق القاضي" و"مطالع ابن قرقول"، مما جعلنا نجنح ونقول: ما "المطالع" إلا نسخة من "المشارق" لكن كتبها أو انتزعها عالم بصير كان له عليها بصمات، عبارة عن تعقبات واستدراكات وإضافات طفيفة
_________________
(١) ٢/ ١٦٨٧، ١٧١٥.
(٢) "هدية العارفين" ١/ ٩.
(٣) "الأعلام" ١/ ٨١.
(٤) "معجم المؤلفين" ١/ ٨٣.
(٥) "الرسالة المستطرفة" ص ١١٨.
[ ١ / ٦٨ ]
على الكتاب الأصلي ألا وهو"المشارق"، على اختلاف هل تعمد ابن قرقول ذلك أم لا -كما سيأتي - وهاك جملة من الأدلة على ما ذكرت:
١ - أن مقدمة الكتابين في الجملة هي مقدمة واحدة، فليس هناك إلا فروق طفيفة؛ ففي "المشارق" ١/ ٢ قال القاضي: (الحمد لله مظهر دينه المبين وحائطه من شبه المبطلين وتحريف الجاهلين ).
وفي "المطالع" ١/ ٢١٥: (بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله مظهر دينه على كل دين وحائطه من شبه المبطلين ).
ثم قال القاضي ١/ ٦: (ولما أجمع عزمي على أن أفرغ له وقتًا من نهاري وليلي، وأقسم له حظًا من تكاليفي وشغلي، رأيت ترتيب الكلمات على حروف المعجم ).
وفي "المطالع" ١/ ١٢٦: (ثم لما أجمع عزمي على النظر في ذلك والتفرغ له وقتًا من نهاري وليلي، قسمت له حظًا من تكاليفي وشغلي بالجلوس للعامة للتذكير والتعليم، ثم للخاصة للرواية والتسميع، رأيت ترتيب هذا الغريب على حروف المعجم ).
ثم قال القاضي ١/ ٧: (فإني نحلت فيه معلومي، وبثثته مكتومي وسميته بـ "مشارق الأنوار على صحاح الآثار" ).
وفي المطالع ١/ ١٢٨: (فإني نخلت فيه معلومي، وبثثته مكتومي وسميته بـ "مشارق الأنوار على صحاح الآثار".
ثم ختم ابن قرقول كلامه بالثناء على الله والدعاء.
أما القاضي فتابع كلامه بذكر أسانيده إلى الصحيحين و"الموطأ".
ومن أعجب ما رأيته في هذِه المقدمة، ولفت انتباهي أن القاضي قال في
[ ١ / ٦٩ ]
١/ ٥: (ولم يؤلف في هذا الشأن كتاب مفرد تقلد عهدة ما ذكرناه ..).
وعبارة ابن قرقول ١/ ١٢٦: (ولا أعلم أن أحدًا قبلي ألف على مجموع هذِه المصنفات كتابًا مفردًا تقلد عهدة ما تقلدته ..).
فخلاصة الأمر أن ابن قرقول أعاد صياغة مقدمة "المشارق" مع تقديم وتأخير لبعض الألفاظ، وحذف وإضافة لبعض الألفاظ، ليس أكثر، والله أعلم.
لكن نذكر هنا أيضًا من باب الحيادية والإنصاف وإعطاء كل ذي حق حقه أن ابن قرقول انفرد في هذِه المقدمة دون القاضي عياض برواية حديثين بإسناده هو عن ثلاثة شيوخ من مشائخه، الحديث الأول رواه في ١/ ١١٧ - ١١٨ فقال: (كما حدثنا الشيخ الفقيه الحافظ أبو بكر محمَّد بن عبد الله بن محمَّد المعافري قراءة عليه، قال: أنا المبارك بن عبد الجبار الصيرفي، قال: ثنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمَّد، قال: حدثنا أبو علي الحسن بن محمَّد بن شعبة المروزي، قال: ثنا أبو العباس محمَّد بن أحمد بن محبوب، قال: ثنا محمَّد بن عيسى السلمي الحافظ، قال: ثنا محمود بن غيلان، قال: ثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة قال: أخبرني عمر بن سليمان - من ولد عمر بن الخطاب - قال: سمعت عبد الرحمن بن أبان بن عثمان يحدث عن أبيه، عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ").
والحديث الثاني رواه في ١/ ١٢٠ - ١٢١ فقال: (كما حدثنا الشيخ الفقيه أبو القاسم أحمد بن محمَّد بن بقي، والشيخ أبو الحسن علي بن عبد الله بن
[ ١ / ٧٠ ]
موهب الجذامي، قالا: ثنا الشيخ أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري، قال: ثنا أبو بكر أحمد بن محمَّد بن أحمد البزاز المكي، قال: حدثنا أبو بكر محمَّد بن الحسن قال: ثنا أبو بكر جعفر بن محمَّد الفريابي، قال: ثنا قتيبة، ثنا سعيد بن عبد الجبار الحمصي، حدثنا مُعان بن رفاعة السلامي، حدثنا إبراهيم بن عبد الرحمن العذري أن النبي - ﷺ - قال: "يَحْمِلُ هذا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الغَالِينَ، وَانْتِحَالَ المُبْطِلِينَ، وَتَأوِيلَ الجَاهِلِينَ").
فهذان الحديثان من بصمات المؤلف ابن قرقول الخاصة في الكتاب، والتي تشعر بجهده فيه وعمله؛ فهؤلاء المشائخ الثلاثة من مشائخه الذين أخذ عنهم كما تقدم في مبحث: شيوخه.
٢ - في الجملة نجد أن "المطالع" هو"المشارق" مع اختلاف في ترتيب الفصول، مع تقديم وتأخير، مع حذف واختصار وفي بعض الأحيان القليلة زيادة بيان وتفصيل من ابن قرقول، وسيأتي بأشبع من هذا إن شاء الله.
٣ - وهذِه من الكبوات والعثرات التي قابلتني، بل هي محل إشكال، وهي أني وجدت مواضع عدة، يكون فيها في "المشارق": (قال القاضي)، ونفس الموضع والعبارة في "المطالع" مصدرة بـ: (قال ابن قرقول).
من ذلك: في "المشارق" ١/ ١٣ في الكلام على حديث أم عطية: "فقالت بأبي ":) قال القاضي ﵀: وعلى هذا تخرج رواية من روى: "بابا" بفتحهما لما جعله اسمًا واحدًا ).
وفي "المطالع" ١/ ١٣٩: (قال ابن قرقول: وعلى هذا تخرج رواية من روى: "بابا" لما جعله اسمًا واحدًا)!!
[ ١ / ٧١ ]
أيضًا في "المشارق" ١/ ١٦ في الهمزة مع التاء، في الكلام على: "الأترجة": (قال القاضي - ﵀: ولا يبعد قول مالك -﵀ - فقد تباع في كثير من البلاد ).
وفي "المطالع" ١/ ١٥٦: (قال ابن قرقول: ولا يبعد قول مالك إلخ)!! وفي موضع بعدها بقليل في "المشارق" ١/ ١٦: (قال القاضي ﵀: وقد يكون عندي علي بدل البعض من الكل .. قال القاضي ﵀: وكذا وجدته مضبوطًا في بعض الأصول المسموعة على أبي ذر).
وفي "المطالع" ١/ ١٥٧: (قال ابن قرقول: وقد يكون بدل بعض من كل قال ابن قرقول: وكذا وجدته مضبوطًا ).
هكذا في مواضع عدة -كما ذكرت - يضيق الوقت والمقام عن حصرها وسردها كلها، وهذِه من المواضع المشكلة والمحيرة، فمن القائل: (قال ابن قرقول)؟ ومن القائل ابتداءً؟! ومن هذا الضرب أني وجدت مواضع فيها: (قال ابن قرقول)، وهي بعينها في "المشارق" ضمن كلام القاضي وغير مصدرة بـ: (قال القاضي).
فمن ذلك: في "المشارق" ١/ ١٤: ( وعندي أن الصواب الرواية الثانية؛ بدليل ).
وفي "المطالع" ١/ ١٤٨: ( قال ابن قرقول: قلت: وعندي أن الصواب هي الثانية؛ لما )!! وهكذا في مواضع عدة كثيرة، مع العلم بأن هناك مواضع فيها: (قال ابن قرقول) أو: (قلت) وليست في "المشارق"، وهي من المواضع التي استدرك أو أصلح فيها ابن قرقول على القاضي، لكنها قليلة.
٣ - وهو من المواضع المشكلة العصيبة، فقال القاضي في "المشارق"
[ ١ / ٧٢ ]
١/ ٦١: ( وضبطه غيره بفتح الفاء، وكذا كان يضبطه علينا أبو بحر، وقال لي ابن سراج ).
وفي "المطالع" ١/ ٣٥٤: ( وضبطه غيره بفتحها، وكذلك ضبطه علينا أبو بحر، قال لي ابن سراج )!! ومعلوم أن أبا بحر بن العاص هذا وابن سراج هما من شيوخ القاضي عياض، لا ابن قرقول، هذا معروف مشهور، فكيف يصح هذا ويسوغ؟! وقد تكرر مثل هذا الموضع وما هو على شاكلته كثيرًا في الكتاب، أعني أن يذكر القاضي عياض أخذًا عن شيخ أو تحديثًا، أو يذكر قولًا أو ضبطًا على شيخ، فيذكره ابن قرقول في "المطالع" بما يوهم أنه شيخه، ويكون هو من مشائخ القاضي، ويكون القول قوله في "المشارق"، ونحو هذا.
٤ - ذكر ابن قرقول هنا في "المطالع" ٥/ ٤٤٨ - ٤٤٩ في حرف السين مع الباء في الكلام على قوله: "مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ": ( حدثنا الغساني، حدثنا حاكم بن محمَّد، سمعت أبا الطيب ابن غلبون، سمعت أبا بكر بن جابر الرملي، سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي، سمعت علي بن المديني، سمعت معمر بن المثنى يقول في حديث النبي - ﷺ -: هذا ليس هو السبع الذي يسبع الناس ) إلى آخر الحديث.
هكذا ساق ابن قرقول هذا الإسناد بصيغة التحديث مباشرة عن الغساني، ومن طريقة صيغة هذا الإسناد وذكره لا يجد قارئ الكتاب ولا مطالعه أدنى شك أن الغساني - وهو أبو علي الجياني - هو شيخ ابن قرقول في هذا الأثر، لكن هذا غير ممكن بل من المستحيل؛ فأبو علي الجياني الغساني هذا صاحب كتاب "تقييد المهمل" توفي في سنة تسع وثمانين وأربعمائة، ومولد ابن قرقول - كما تقدم - في سنة خمس وخمسمائة، فبين وفاة
[ ١ / ٧٣ ]
الجياني ومولد ابن قرقول حوالي خمس عشرة سنة، فمن المحال أن يكون شيخه أو يروي عنه، في المقابل نجد أن الغساني هذا هو من مشائخ القاضي عياض، روى عنه القاضي، بل أكثر من الرواية عنه وكتب له الجياني وأجاز له كما في الباب الأول من هذِه المقدمة في المبحث الثالث، وهو مبحث الروايات التي أعتمد عليها القاضي عياض في كتاب "المشارق".
وسؤالي: من أين أتى المصنف ابن قرقول بهذا الإسناد؟ لا سيما أني لم أجد هذا الأثر وهذا الإسناد في "مشارق الأنوار" الكتاب الأصل، بل ولم أجده في مصنفات القاضي الأخرى المطبوعة كـ "إكمال المعلم"، أو"الشفا بتعريف حقوق المصطفى".
وكيف يروق له أن يروي أثرًا بإسنادِ غيره موهمًا القارئ أنه إسناده وأن الغساني الجياني شيخه؟!
أما الإسناد فلا شك إنه إسناد القاضي، فلعل ابن قرقول خلص إليه أو وقع عليه في مصنف آخر للقاضي لم نعرفه، أو كان هذا الأثر في نسخة ابن قرقول من "المشارق" ولم تصل إلينا هذِه النسخة، أو يكون سمعه منه في إحدى المجالس أو الإملاءات إمالك تاب "المشارق" إن كان القاضي أملاه عدة مرات ولم تصل إلينا هذِه الإملاءة التي فيها هذا الإسناد، وإما لكتاب آخر فأدخله ابن قرقول في هذا الكتاب، والله أعلم.
وعلى كل حال فإيراد هذا الأثر بهذا الإسناد بهذِه الصورة أُراه غير لائق أو جائز؛ لما فيه من الإيهام والتدليس، هذا مع إحساننا الظن بالرجل.
٥ - ولا أعتبر هذا الدليل دليلًا قطعيًّا، إنما هو استئناس، ألا وهو أني وجدت - على قدر بحثي واطلاعي - أنَّ أقْدَمَ ترجمة موسعة إلى حد ما لابن
[ ١ / ٧٤ ]
قرقول، هي ترجمة تلميذه ابن دحية الكلبي، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، في كتابه "المطرب من أشعار أهل المغرب" ص ٢٢٤ - ٢٢٦ - فليس أحد ذكر ابن قرقول ولا ترجم له قبل ابن دحية، إلا ما كان من ابن نقطة، المتوفى سنة تسع وعشرين وستمائة، حيث ذكره في "تكملة الإكمال" بإيجاز دون تفصيل وبسط - فذكر ابن دحية من سيرته ومآثره ما لا بأس به، غير أنه لم يذكر أن له "مطالع الأنوار"، وكتاب كهذا ذاع صيته وعرفه القاصي والداني، حتى أنه اشتهر بين العلماء وطلبة العلم أكثر من "مشارق الأنوار" نفسه، لا يعرفه تلميذه الذي لازمه ولا يذكره! وكان لو كان جديرًا بالذكر والإشادة بمثل هذا الكتاب العظيم النادر في بابه، والله أعلم.
٦ - وجدت في أثناء بحثي وتنقيبي عن حقيقة هذا الأمر، ما يوافق إلى حد كبير ما اعتقدته عن الكتاب وجنحت إليه، فمن ذلك: قال الحافظ السخاوي - وهو من أعلم الناس بشيخه الحافظ ابن حجر العسقلاني وبمؤلفاته، ومن المؤكد أنه رأى وعلم وطالع المواضع التي عزا فيها الحافظ في "فتح الباري" لابن قرقول في "المطالع" - قال في "فتح المغيث" ٣/ ٥٠: ومنها -أي من كتب الغريب - كتاب "المشارق" للقاضي عياض، وهو أجل كتاب جمع فيه بين ضبط الألفاظ واختلاف الروايات، وينسب لأبي إسحاق ابن قرقول تلميذ القاضي عياض، كتاب "المطالع"، والظاهر أنه منتزع من "المشارق" لشيخه، مع التوقف في كونه نسبه لنفسه، وقد نظمه الإِمام شمس الدين محمَّد بن عبد الكريم الموصلي، فأحسن ما شاء. اهـ بتصرف.
قلت: أعتقد أن الضمير في قوله (نظمه) يعود على المشارق لا
[ ١ / ٧٥ ]
"المطالع" - بالرغم من أن الأكثرين على أن النظم إنما هو للمطالع - بدليل ما سيأتي.
وقال أيضًا في كتابه "الغاية في شرح الهداية" ٢/ ٥٠٩ - ٥١٠: وأما "مشارف الأنوار" للقاضي عياض وقد نظمه شمس الدين محمَّد الموصلي فأحسن ما شاء. اهـ بتصرف.
فجزم هنا بأنه نظم "للمشارق"، والله أعلم.
ونظرت في "لوامع الأنوار" نظم الموصلي فرأيته قال في حديثه عن الغريب وكتبه:
مثلُ المشارقِ أبي المطالعِ لكنه يضجر للمطالع
وكلمة (أبي) هنا لها دلالة واضحة مهمة، ولما بدأ في نظم متن الكتاب نفسه بدأ بحرف الهمزة فقال:
أَتَسْخَرُ اسْتَفْهِم أَوْ لا تَفْعَلُ أَهَجَرَ أَي هَذَى وَذَا لا يَحْصُلُ
وَيأْبُرونَ النَّخْلَ ضُمَّ واكسَرِ أَيْ يُلْقِحُونَ شُدِّدَتْ للطَّبَرِي
لَمْ يَبْتَئِرْ لَمْ يَأْتَبِرْ يدَّخِر أَبْزَنُ وَزْنُ أَحْمَر وَمِنْسَرِ
بالفَارِسيِّ مثلُ حَوْضٍ صُغِّرا عِرْقٌ يَلي الصُّلْبَ يُسَمَّى الأبْهَرا
فالناظر في الأبيات يجد الناظم ذكر: (أتسخر) يشير إلى ما بدأ به
[ ١ / ٧٦ ]
القاضي في "المشارق" ١/ ١١ فقال: (قوله: "أتسخر بي وأنت الملك" ).
وليس هذا الموضع في هذا الموضع في "المطالع"، إنما هو مؤخر، حيث بدأ كتابه ١/ ١٣١ بقوله - ﷺ -: "إن لهذِه البهائم أوابد" في الهمزة مع الباء، ثم قال الناظم: (ويأبرون النخل) وهو في الكتابين، ثم ذكر: (لم يبتئر) وبعدها: (الأبزن) وكلاهما في الكتابين، على تقديم وتأخير، ثم ذكر: (الأبهر) وها هنا وقفة؛ حيث أن هذا الموضع ليس في "المشارق"، فأخره القاضي فجعله في حرف الباء، مادة: (بهر)، إنما ذكره هنا وقدمه ابن قرقول في "المطالع" ١/ ١٣٥ ثم قال: (وإنما ذكرنا الأبهر ها هنا؛ للزوم الهمزة له بكل حال، وإن كانت مزيدة في أوله).
قلت: فيتجلى من ذلك، وجمعًا بين قول من قال - وهم الأكثرون - أن "لوامع الأنوار" نظم الموصلي إنما هو نظم لي "مطالع الأنوار"، وقال السخاوي أنه نظم "للمشارق"، يظهر ويتجلى من ذكر الأبيات والعرض السابق أنه جمع بين الكتابين ونظمهما، أو هو نظم للكتابين معًا جامعًا بين زيادات وفوائد كل كتاب على الآخر، حيث بدأ نظمه بـ (أتسخر) وهي في "المشارق" دون المطالع، وذكر (الأبهر) وهو في هذا الموضع في "المطالع" دون "المشارق"، والله أعلم.
ثم أضيف إلى ما نقلته عن السخاوي، قول المكناسي في "جذوة الاقتباس" ص ٨٦ عن ابن قرقول: وقد تكلم بعضهم فيه من جهة كتاب "المطالع"، وهو ولابد كتاب "مشارق القاضي عياض" كان القاضي قد تركه في مبيضته، فاستعارها وجرد منها ما أمكن نقله، ثم نقل الناس من كتابه، قال ابن خاتمة: ولم يتصل بنا أنه نسب الكتاب إلى نفسه.
قلت: وهذا كلام عزيز نفيس، لو قطع بصحته لكان فيصلًا في هذِه
[ ١ / ٧٧ ]
المسألة، والله أعلم.
وبعد عرض هذِه الأدلة والاستشهاد والاستدلال لها، أجد أنه يمتنع القطع أو الجزم بما جنحنا إليه وملنا، من نفي نسبة الكتاب لابن قرقول، بل نتوقف في ذلك ونكتفي بأنه مجرد ظن، وذلك لأمور منها:
١ - أن جل من ترجم لابن قرقول نسب له "مطالع الأنوار"، وكذا أصحاب كتب الفهارس، على اختلاف في ذكر علاقته بكتاب "المشارق"، وسيأتي -إن شاء الله ذكر هذا بالتفصيل.
٢ - تواتر أهل العلم وشرَّاح الحديث، وأصحاب كتب الغريب، والمتكلمين في اختلاف نسخ وروايات "الموطأ" وصحيحي البخاري ومسلم، تواترهم وكثرة نقلهم عن كتاب "المطالع" هذا، بقولهم: قال ابن قرقول، أو: قال ابن قرقول في "المطالع"، وما أشبه ذلك.
فنقل النووي في "شرح مسلم" في ثمانين موضعًا لكن ليس في واحد منها التصريح باسمه، إنما يقول: قال صاحب "المطالع"، أو: في "المطالع"، فلم ينسبه قط لابن قرقول، وهذا أيضًا من دواعي الشك عندي في نسبة الكتاب، فينضاف هذا إلى ما ذكرت من أدلة آنفًا، مع العلم بأن العلامة النووي - قدس الله روحه - من أقرب، إن لم يكن أقرب - الناس عصرًا بابن قرقول ممن نقلوا عنه؛ فابن قرقول توفي سنة تسع وستين وخمسمائة، والنووي سنة ست وسبعين وستمائة، مع جلالة قدره ومكانته، فلماذا لم يصرح في نسبة الكتاب له؟!
وكذا نقل عنه في "تهذيب الأسماء واللغات" فيما يزيد عن خمس وستين موضعًا، أحيانًا بقوله: قال صاحب "المطالع"، أو: قال صاحب "مطالع الأنوار"، أيضًا دون ذكر اسمه أو التصريح به أو بنسبته إليه، أستثني من
[ ١ / ٧٨ ]
ذلك موضعين، قال في الأول منهما في الكلام على المصادر التي استمد منها كتابه ١/ ٣٧: و"شرح مسلم" للقاضي عياض و"المشارق" له، و"مطالع الأنوار" لابن قرقول.
والموضع الثاني في الكلام على لفظة (آمين) ٣/ ١٢: وقال ابن قرقول بضم القافين وهو أبو إسحاق صاحب "مطالع الأنوار" وممن نقل عنه أيضًا مغلطاي في "شرح سنن ابن ماجه"، وابن الملقن في "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" - وهو ما شجعنا لتحقيق "المطالع" -، و"البدر المنير"، والإمام برهان الدين سبط ابن العجمي في شرحه على البخاري المسمى: "التلقيح لفهم قارئ الصحيح" فقد نقل عنه كثيرًا جدًّا (١)، والحافظ في "الفتح" في أزيد من ستين موضعًا، والعيني في "عمدة القاري" في حوالي مائة وأربعين موضعًا، وفي "شرح سنن أبي داود"، والسيوطي في "الديباج على مسلم"، و"شرح سنن النسائي"، و"تنوير الحوالك"، والزرقاني في "شرح الموطأ"، والعظيم أبادي في "عون المعبود"، والمباركفوري في "تحفة الأحوذي"، وغيرهم كثير، وهم في كثير من هذِه المواضع قد صرح وابن سبة الكتاب له، فكثرة هذِه النقول، مع جلالة ناقليها كالحافظ وابن الملقن وغيرهما، تعطي قوة لنسبة الكتاب له وتشعر بذلك، والله علم.
٣ - صرح جماعة ممن نسبوا الكتاب لابن قرقول بأنه وضع كتلخيص أو مستدرك لكتاب "المشارق" وأن "المشارق" هو الأصل أو العمدة؛ فقال ابن خلكان في "وفيات الأعيان" ١/ ٦٢: صاحب كتاب "مطالع الأنوار" الذي
_________________
(١) رأيت ذلك وخبرته في نسخة الكتاب التي بخطه.
[ ١ / ٧٩ ]
وضعه على مثال كتاب "مشارق الأنوار" للقاضي عياض.
وكذلك قال اليافعي في "المرآة" ٤/ ١٧١ أو عبارته: وصنفه على منوال كتاب "مشارق الأنوار" للقاضي عياض.
وقال الصفدي في "الوافي بالوفيات" ٦/ ١٧١، والحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" ١٢/ ٢٧٧: وضعه على كتاب "مشارق الأنوار" للقاضي عياض.
وقال حاجي خليفة في "كشف الظنون" ٢/ ١٦٨٧: مشارق الأنوار اختصره ابن قرقول الحافظ، سماه "المطالع"، وزاد عليه بعضا.
وقال أيضًا ٢/ ١٧١٥: "مطالع الأنوار"، وضعه على منوال "مشارق الأنوار" وهو مأخوذ مما شرح وأوضح وبين وأتقن، وضبط وقيد الفقيه أبو الفضل عياض في كتابه المسمى بـ "مشارق الأنوار"، ما اختصره، لكن اختصره واستدرك عليه وأصلح فيه أوهامًا الفقيه ابن قرقول. اهـ بتصرف. بل قد كتب على طرة النسخة (أ): فاختصره واستدرك عليه وأصلح فيه أوهامًا الفقيه المحدث العلامة الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم الحمزي، عرف بابن قرقول.
وأخيرًا بعد هذا المطاف نستطيع أن نخلص إلى أن كتاب "المطالع" ثمرة أو نتاج "المشارق" فهو الأصل، فقد قام ابن قرقول بتحقيق أو تنقيح كتاب القاضي - ﵀ - مع إضافات وزيادات وضعها، قال من أبرزها ما في صدر الكتاب، حيث قدم ابن قرقول كلمة (أكبر) بالرغم من أن القاضي أوردها في حرف الباء، في الباء مع الهاء، فأتى بها ابن قرقول في الهمزة، قال: (وإنما ذكرنا الأبهر ها هنا؛ للزوم الهمزة له بكل حال، وإن كانت مزيدة في أوله).
[ ١ / ٨٠ ]
وفي الكتاب تقديم وتأخير من هذا الضرب، وبعض الاستدراكات والتعقبات أحيانًا على القاضي، مع اختلاف في الترتيب، فستجد أحيانًا مواضع ذكرها ابن قرقول في صلب الحرف، مع أنها في "المشارق" وضعها القاضي في فصل الاختلاف والوهم من الحرف، وعكس هذا، مع اختلاف في الترتيب والتنسيق بين أجزاء ومواد الكتاب.
وأختم هذا الفصل بنقل قد يحسم هذا النزاع إلى حد كبير ويخلصه؛ فقد ورد في الصفحة الأولى من النسخة (أ) كلام عزيز نفيس نصه: فائدة: قال الشيخ ﵀: للقاضي عياض ﵀ كتاب "مشارق الأنوار" اشتمل على شرح (١) ما أشكل من "الموطأ" والبخاري ومسلم، ومات قبل تبييضه، استعاره من ولده الإمامُ أبو إسحاق ابن قرقول، وهو رفيق أبي القاسم السهيلي صاحب "الروض" وكلاهما ممن أخذ عن القاضي عياض، وجرَّد منه ما أمكنه نقله لصعوبة النسخة، ثم نقل الناس من كتابه ذلك، وسمي "مطالع الأنوار" وتكلم فيه بسبب ذلك، لكن قال الإِمام أبو جعفر ابن الزبير: إن آخر شأنه لم يتصل إلينا أنه نسبه لنفسه من وجه يعتمد؛ فالله أعلم كيف طرأ عليه، وتعقب ابن الزبير في كونه لم ينسب الكتاب لنفسه بما لبسطه غيرُ هذا المحل، والظاهر صحة ما قاله ابن الزبير في طرأ النسبة لكون أبي إسحاق كان مع حفظه وتقدمه في الفنون محمود السيرة بكل مكان متين الدين معروفًا بإجابة الدعوة حتى إنه دعا على شخص آذاه فتجذم، ومن يكون بهذِه الأوصاف يبعد أن يرتكب مثل هذا، وبالجملة فقد كانت وفاته في شعبان سنة ٥٦٩ هـ بعد شيخه
_________________
(١) فوقها كلمة: لعله.
[ ١ / ٨١ ]
القاضي عياض بأكثر من خمسة وعشرين عامًا؛ فإن القاضي مات في جمادى الآخرة سنة ٥٤٤ ص والله أعلم.
وكتبه أفقر عباد الله وأحقرهم حزبًا وأعظمهم جرمًا، وأقلهم حزمًا محمَّد بن أبي بكر السخاوي الشافعي خطيب المدرسة الباسطية بالقاهرة، عفا الله عنهم برحمته.
قلت: وهذِه الأسطر التي هي للحافظ السخاوي أُراها وإلى حد كبير جدًا تحل وتفض النزاع الذي أسلفناه حول نسبة الكتاب لابن قرقول.
وعلى هذا فكان أجدر وأحرى أن يكون اسم كتاب ابن قرقول: "مطالع الأنوار تنقيح - أو تحقيق - مشارق الأنوار".
لكن نعلق هذا على أمر واحد، وهو: إن كان ابن قرقول تعمد نسبة الكتاب إلى نفسه، هذا والله تعالى أعلم.