الكتاب يعد بحق من أهم ما ألف لبيان الاختلاف بين الروايات، والتمييز بينها مع بيان وجه الصواب فيها.
- وتبرز قيمته في ذكر اختلافات كثيرة، وخاصة إذا لاحظنا عدد الروايات التي اْعتمد عليها القاضي عِياض.
- يشتمل على الاختلافات التي وقعت من قبل الرُّواة في السند والمتن، حيث لم يقتصر على ألفاظ السند فقط كما فعل أبو علي الجَيّانيّ في "تقييد المهمل".
- أنه مرتب على حروف المعجم مما يسهل الوصول إلى الكلمة المراد الوصول إليها، حتى ولو كان الترتيب على طريقة المغاربة.
- أن مؤلفه لديه صناعة حديثية ودقة علمية ومنهج في الرواية فريد مما جعله يقارن بين هذِه الروايات مُنزلًا كل رواية منزلتها من حيث الصحة وعدمها ومبينًا ما كان سببه التصحيف أو غيره.
- أنه يحكي الاختلاف في أصح ثلاثة كتب، وأكثر الكتب خدمة من العلماء المسلمين، وهي "موطأ مالك" والصحيحان.
- أن مؤلفه يأتي بما يعضد رواية الحديث بالروايات الأخرى له، أو
صحيح لغة العرب أو غير ذلك.
- أن صنيعه هذا يكاد يكون بطريقة الحصر، بحيث يستطيع الباحث
[ ١ / ٣١ ]
الوقوف على جل الاختلافات في الكتب الثلاثة، مما يعطي تصورًا جزئيًّا للروايات، وخاصة تلك الروايات التي لا توجد لها نصوص كاملة.
كل ذلك وغيره جعل كثيرًا من الشراح أمثال ابن الملقن في "التوضيح"، وابن حجر في "فتح الباري" (١) والقَسْطَلّانِيّ في "إرشاد الساري"، وغيرهم ينقلون من أقوال القاضي في "المشارق" فيما يتعلق بهذا الباب أو غيره.
وبالجملة فالكتاب له قيمة كبيرة لمن أراد أن يحرر رواية معينة من الروايات التي اعتمد عليها.
وأختم بهذِه الكلمات التي قالها مؤلف الكتاب، وهو يبين لنا منزلة الكتاب. يقول القاضي عِياض في المقدمة (٢):
رجوت ألا يبقى على طالب معرفة الأصول المذكورة إشكال، وأنه يستغني بما يجده في كتابنا هذا عن الرحلة لمتقني الرجال، بل يكتفي بالسماع على الشيوخ، إن كان من أهل السماع والرواية، أو يقتصر على درس أصل مشهور الصحة، أو يصحح به كتابه ويعتمد فيما أشكل عليه على ما هنا، إن كان من طالبي التفقه والدراية.
فهو كتاب يحتاج إليه الشيخ الراوي، كما يحتاج إليه الحافظ الواعي، ويتدرج به المبتدي كما يتذكر به المنتهي، ويضطر إليه طالب التفقه والاجتهاد، كما لا يستغني عنه راغب السماع والإسناد، ويحتج به الأديب في مذاكرته، كما يعتمد عليه المناظر في محاضرته.
_________________
(١) نقل منه ابن حجر في مواضع كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر: ١/ ٤٠٨، ٤١٤، ٤١٥، ٤/ ٨٢، ٥/ ٤١، ٣٣٤، ٣٤٠، ٨/ ٣٨، ٦٤، ٩/ ١٤٥، ٢٤١، ٣٧٣، ١٠/ ٢٨١، ١١/ ٢١١، ١٢/ ٣٠٦، ١٣/ ٤١٤.
(٢) ١/ ٣١ - ٣٢.
[ ١ / ٣٢ ]
وسيعلم من وقف عليه من أهل المعرفة والدراية قدره، ويوفيه أهل الإنصاف والديانة حقه، فإني نخلت فيه معلومي، وبثثته مكتومي، ورصعته بجواهر محفوظي ومفهومي، وأودعته مصونات الصنادق والصدور، وسمحت فيه بمضنونات المشائخ والصدور، مما لا يبيحون خفي ذكره لكل ناعق، ولا يبوحون بسره في متداولات المهارق، ولا يقلدون خطير دره إلا لبات أهل الحقائق، ولا يرفعون منها راية إلا لمن يتلقاها باليمين، ولا يودعون منها آية إلا عند ثقة أمين.
وقد ألفته بحكم الاضطرار والاختيار، وصنفته منتقى النكت من خيار الخيار، وأودعته غرائب الودائع والأسرار، وأطلعته شمسًا يشرق شعاعها في سائر الأقطار، وحررته تحريرًا تجار فيه العقول والأفكار، وقربته تقريبًا تتقلب فيه القلوب والأبصار، وسميته بـ "مشارق الأنوار على صحاح الآثار".