قد تم إخراج هذا السفر العظيم والكتاب الحفيل وتحقيقه على ست نسخ خطية، وهاك الحديث مفصلًا عن كل واحدة منهن: النسخة الأولى (س): وهي النسخة المصورة عن مكتبة جامعة الإِمام محمَّد بن سعود الإِسلامية بالرياض، والمرموز لها بـ (س) وأصلها في تونس.
وتتألف هذِه النسخة من ٢٩١ لوحة، أي حوالي ٥٨٠ صفحة من الحجم المتوسط، تبلغ عدد الأسطر في الصفحة الواحدة حوالي ٢٧ سطرًا تقريبًا.
وهذِه النسخة تشمل الكتاب كله من أوله إلى آخره، في مجلد واحد ضخم مرتب على حروف المعجم حسب ترتيب المغاربة لحروف الهجاء في الحرف الأول مع الثاني، واللذين رتبت عليهما الأبواب والفصول.
وهي نسخة مشكولة شكلًا جيدًا، سالمة من التحريف والتصحيف في نصفها الأول؛ لذلك اعتبرناها في هذا الجزء من الكتاب في النص المحقق هي النسخة الأصل، وأخواتها (د، أ، ظ) كنسخ مساعدة، ثم تغيرت بعدُ تدريجيًّا فقل الشكل إلى أن انعدم، وذهب يعتريها بعض سقوطات وتحريفات وتصحيفات، ثم كثر بعد ذلك، ولكن بقيت على عمومها من أولها إلى آخرها واضحة الخط وليس بها طمس أو بياض أو نحو ذلك، إلا شذرًا.
وقد اشتملت في نصفها الأول على زيادات وتعليقات وحواشٍ نافعة رغم قلتها، نسب الناسخ بعضها إلى نفسه بقوله: (قلت)، أو: (ومن زياداتي)، أو: (من زياداتي عليهما رحمهما الله) أو نسبها إلى مؤلف
[ ١ / ٨٣ ]
الكتاب، أو إلى الزمخشري حيث كان ينسبها له ويرمز له بـ (ز) وهذا كثير، وعلمنا أنه يقصد الزمخشري أننا كنا نجد ما نقله أو حكاه غالبًا في "الفائق في غريب الحديث" للزمخشري بحروفه ونصه، وترك الناسخ بعض هذِه التعليقات دون نسبة.
وجاء على طرة هذِه النسخة بخط كبير: (كتاب مطالع الأنوار على صحيح الآثار في فتح ما استغلق من كتاب الموطأ وكتاب مسلم وكتاب البخاري تأليف الشيخ الإِمام العلامة الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف بن أحمد، عرف بابن قرقول رحمه الله تعالى).
وقد أحيط هذا العنوان في هذِه الصفحة الثانية من اللوحة الأولى بذكر بعض أسماء البلدان مع تقييدها وضبطها.
ثم كُتب اسم الكتاب ثانية على الجانب الأيمن للصفحة بخط ضئيل، وزاد على اسم الكتاب: (وإيضاح مبهم لغاتها إلخ في غريب الحديث لابن قرقول إبراهيم بن يوسف المتوفى سنة ٥٦٩ هـ)، وفي أعلى يسار هذِه الصفحة بخط متوسط كُتب: (وكتب محمَّد الكوموسي عفا الله عنه).
وجاء في نهاية الكتاب: (آخر كتاب المطالع والحمد لله رب العالمين وصلواته على محمَّد وآله أجمعين).
هذا وقد جاءت النسخة كلها - كما قلنا - في مجلد واحد خالٍ من البلاغات أو السماعات إلا من هوامش جيدة ونافعة على قلتها كما سبق.
وقد زاد بعد ختم الكتاب فصلًا فصَّل فيه إجمالات سبقت في أول الكتاب، قال في أوله: (بسم الله الرحمن الرحيم وهذِه كلمات أسقطت من أول الكتاب ).
ثم ختم بعد ذلك فقال: (تم الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه في
[ ١ / ٨٤ ]
شهر الله المحرم سنة ٨٤٥ هـ غفر الله لكاتبه وقارئه وللناظر فيه وجميع المسلمين آمين والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمَّد خير خلقه وآله وصحبه أجمعين حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).
- ملاحظات على هذِه النسخة.
١ - النسخة أحدث نسخًا من أخواتها (د، أ، م) -دون ذكرنا هنا لـ (ظ، ش) لأنهما غير تامتين، إحداهما ناقصة من أولها والثانية من آخرها، فلا يعرف لهما تاريخ نسخ - حيث نسخت في شهر المحرم سنة ٨٤٥ هـ، كتب ذلك في خاتمتها.
٢ - أسقط من هذِه النسخة بعض عناوين الكتاب أو أدمجت في بعضها كأن يقول: (حرف اللام مع الهمزة) فيدرج عنوان الباب في عنوان الفصل، ونسقها: (حرف اللام، اللام مع الهمزة) فكنا نضيف من النسخ الأخرى ما يقيم نسق الكلام.
٣ - النسخة مقابلة ومصححة على نسخ أخرى، يعرف ذلك من خلال الاستدراكات واللإلحاقات التي تظهر في أثناء النسخة.
٤ - كانت كثيرًا ما تقارن أختها النسخة (ش) -الآتي توصيفها- في سقوط بعض الألفاظ منهما، وتشابههما في بعض التحريفات والتصحيفات.
٥ - هذِه النسخة من أولها إلى آخرها منضبطة في ترتيب الحروف حسب الترتيب المغربي، دونما خلل أو اضطراب في ذلك.
ففي الجملة هي نسخة جيدة متوسطة الضبط في مجملها، جيدة الشكل في ثلثها الأول، واضحة الخط، كانت العمدة والأصل في ثلث الكتاب الأول أو أكثر، كما ذكرنا.
[ ١ / ٨٥ ]
النسخة الثانية (د): وهي المصورة عن النسخة المحفوظة بدار الكتب المصرية، تحت رقم (٨٦ لغة تيمور)، وهي النسخة المرموز لها بـ (د).
وتقع في مجلد واحد كبير يحوي الكتاب كله من أوله إلى آخره يتألف من ٢٩١ لوحة أي حوالي ٥٧٢ صفحة، حيث جاء في أول النسخة من اللوحة الأولى وحتى الثامنة اللوحة في صفحة واحدة طولية، ثم من التاسعة وحتى نهاية النسخة في كل لوحة صفحتان، وتبلغ عدد الأسطر في الصفحة الواحدة نحو ٢٩ سطرًا تقريبًا.
وهي رديئة الخط غير واضحة في مواضع كثيرة منها، رديئة الصورة، فهي بحق قد أجهدت كل من نظر فيها وقابل، مع أنها دقيقة جدًّا مضبوطة في نقلها ورسمها، وقد ظهرت قيمتها في النصف الثاني من الكتاب، لما ابتدأت أختها (س) تضطرب وتختل وذهب يعتريها التصحيف والتحريف، وهي أيضًا قليلة أو نادرة التحريف والتصحيف، والنسخة هذِه جلها مشكول شكْلًا جيدًا خاصة فيما يشكل ويلتبس، أو ظن ناسخها أنه يحتاج إلى ضبط وتقييد، فكانت سمة ظاهرة على النسخة زاد ذلك في نفاستها وأهميتها.
وقد جاء على طرة هذِه النسخة: (بسم الله الرحمن الرحيم كتاب مطالع الأنوار)، وأسفل هذا العنوان: ( محمود في سنة ١٣٧٤هـ)، وبجوار هذا العنوان أعلى الصفحة إلى اليمين: (بسم الله الرحمن الرحيم قال في "كشف الظنون": كتاب "مطالع الأنوار على صحاح الآثار في فتح ما استغلق من كتاب الموطأ ومسلم والبخاري وإيضاح مبهم لغاتها" في غريب الحديث لابن قرقول إبراهيم بن يوسف المتوفى سنة ٥٦٩، وضعه على منوال "مشارق الأنوار" للقاضي عياض، ونظمه شمس الدين محمَّد
[ ١ / ٨٦ ]
بن محمَّد الموصلي المتوفى سنة ٧٤٧، أوله: (الحمد لله مظهر دينه على كل دين الخ) وهو مأخوذ مما شرحه وأوضحه وبينه وأتقنه وضبطه وقيده الفقيه أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض السبتي في كتابه المسمى "بمشارق الأنوار" لكن اختصره واستدرك عليه وأصلح فيه أوهامًا الفقيه أبو إسحاق ابن قرقول) اهـ.
وبعده كُتب: (تمت في سنة (١٣٢٨ هـ) ٢ محرم حرره حسن الشيخ فضل الحجامي النجفي).
ثم ابتدأ الكتاب قائلًا: (بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين وعليه أتوكل وإياه أسأله التوفيق والمعونة ).
وقد تقدم قبل صفحة العنوان لوحتان فيهما فهرسة لمواضع الأبواب والفصول بأرقامهما، ولا أدري هل هو من صنع الناسخ أو من صنع غيره، والله أعلم.
ملاحظات على هذِه النسخة:
١ - من أهم ما يلاحظ على هذِه النسخة كثرة التعليقات والحواشي التي كتبها الناسخ في الحاشية يمينًا وشمارًا وأعلى وأسفل، فلا تكاد تخلو صفحة أو لوحة تقريبًا من تعليق أو حاشية، ويبدو أن ناسخها كان ذا أطلاع واسع وجيد أو من طلبة العلم، فهي لا تخلو غالبًا من فائدة علمية، ينقل فيها من واحد من كتب الشروح أو الغريب، فكثيرًا ما كان ينقل من "شرح صحيح مسلم" للنووي، مصدرًا ذلك بقوله: (قال النووي)، وأحيانًا ينقل عن القاضي عياض، وغيرهما، وكان يصدر ذلك النقل أو التعليق بـ (حش) أي حاشية، لكن أعرضنا عن نقل كثير من هذِه التعليقات والحواشي، وذلك لعدم وضوحها.
٢ - كتب الناسخ عناوين الأبواب والفصول ومواضع الاستشهاد - فيما
[ ١ / ٨٧ ]
يبدو - بمداد أحمر أو نحوه؛ لذا فهي غير واضحة في المصورة، وكتب ناسخها بعض العناوين بخط عريض كبير واضح، من ذلك: (وفي الحديث) هكذا، و(وذكر مسلم)، (وفي النكاح)، (وفي باب)، (وفي أول ) و(وفي الجنائز)، و(وفي البخاري)، (وفي الموطأ)، (وفي الشهادات) إلى آخر ذلك، كذلك فعل في قوله: (وقوله).
٣ - وقع في أولها خلل في ترتيب الحروف بما يوافق ترتيب الحروف عند المشارقة، ويخالف ترتيب المغاربة، ثم انضبط هذا الأمر بعد ذلك وإلى نهاية الكتاب.
٤ - اعترى هذِه النسخة في أولها الكثير من السقط وذلك في حرف الألف وحتى آخره، وكانت سقوطًا كثيرة بلغت صفحات، كانت تصل إلى ثلاث وأربع صفحات متتالية في النص المحقق، متوافقة في ذلك مع (أ، ظ) وتم استدراك وإثبات تلك السقوط في محالِّها من النسخة (س) معية الكتاب الأم "مشارق الأنوار".
٥ - النسخة مقابلة ومصححة على نسخ أخرى، يبدو ذلك من خلال الاستدراكات واللإلحاقات التي تظهر في حواشي صفحاتها.
٦ - هذِه النسخة هي - والله أعلم - آخر هذِه النسخ الست نسخًا؛ فكما تقدم أنها نسخت وتمت في الثاني من محرم من سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة وألف، أي من حوالي مائة سنة، والله أعلم.
النسخة الثالثة (أ): وهي المصورة عن النسخة الخطية المحفوظة بدار الكتب المصرية، تحت رقم (٤٧٤ حديث)، والمرموز لها بـ (أ).
[ ١ / ٨٨ ]
وتقع هذِه النسخة في مجلدين كبيرين من الحجم المتوسط، يشتمل المجلد الأول منها على ٢٤٦ لوحة، أي حوالي ٤٩٢ صفحة، تحتوي الصفحة على حوالي ٢٥ سطرًا على التقريب.
جاء في الصفحة الأولى اليمنى من اللوحة الأولى من المجلد الأول بخط مغاير لخط النسخة ما نصه: (فائدة: قال الشيخ ﵀: للقاضي عياض ﵀ كتاب "مشارق الأنوار" اشتمل على شرح ما أشكل من الموطأ والبخاري ومسلم ومات قبل تبييضه [فأخذه] من ولده الإمامُ أبو إسحاق ابن قرقول وهو رفيق أبي القاسم السهيلي صاحب "الروض"، وكلاهما ممن أخذ عن القاضي عياض، وجزَّأَ منه ما أمكنه نقله لصعوبة النسخة، ثم نقل الناسخ من كتابه ذلك وسمي "مطالع الأنوار" وتكلم فيه بسبب ذلك، لكن قال الإِمام أبو جعفر ابن الزبير: إنه لم يصل إلينا أنه نسبه لنفسه من وجه يعتمد فالله أعلم كيف طرأ عليه ذلك. وتعقب ابن الزبير في كونه لم ينسب الكتاب لنفسه بما لبسطه غير هذا المحل، والظاهر صحة ما قاله ابن الزبير في طروء النسبة؛ لكون أبي إسحاق كان مع حفظه وتقدمه في الفنون محمود السيرة بكل مكان متين الدين معروفًا بإجابة الدعوة، حتى أنه دعا على شخص آذاه فتجذم، ومن يكون بهذِه الأوصاف يبعد أن يرتكب مثل هذا، وبالجملة فقد كانت وفاته في شعبان سنة ٥٦٩ بعد شيخه القاضي عياض بأكثر من خمس وعشرين عامًا؛ فإن القاضي مات في جمادى الآخرة سنة ٥٤٤. انتهى والله أعلم.
وكتبه أفقر عباد الله وأحقرهم حزبا وأعظمهم جرمًا، وأقلهم حزمًا: محمَّد بن أبي بكر السخاوي الشافعي خطيب المدرسة الباسطية بالقاهرة، عفا الله عنهم برحمته آمين).
[ ١ / ٨٩ ]
قلت: هذِه الفائدة أعتقد أنها بخط الحافظ السخاوي وهو كلام عزيز نفيس، نقلناه بأكمله في فصل تلى المبحث الثاني، مبحث: إثبات نسبة الكتاب للمصنف، من الفصل الثاني، ألا وهو: دراسة كتاب "مطالع الأنوار" لابن قرقول.
مع زيادة بيان وتفصيل عن هذا الكلام.
ثم تلى هذِه الفقرة: ( الآثار الموطأ والبخاري ومسلم، وهو كتاب عظيم نفيس عم الانتفاع به للمشارقة والمغاربة على مواضع الأوهام والتصحيفات وضبط أسماء الرجال، ولو كتب بالذهب أو وزن بالجوهر كان قليلًا في حقه، إلى آخر كلامه).
وقد جاء بمحاذاة هذا الكلام أيمن هذِه الصفحة تعليق أو فائدة أخرى، لكنها جاءت غير واضحة إطلاقًا إلا قليلًا بما استحال معه نقله كاملًا أو الاستفادة منه.
ثم كتب في الصفحة الثانية المقابلة من هذِه اللوحة الأولى اسم الكتاب قائلًا: (هذا الجزء الأول من كتاب مطالع الأنوار على تصحيح الآثار في فتح ما استغلق من كتاب الموطأ وكتاب مسلم وكتاب البخاري وإيضاح مبهم لغاتها وبيان المختلف من أسماء رواتها وتمييز مشكلها وتقييد مهملها مما شرح وأوضح وبين وأتقن وضبط وقيّدَ المحدث الحافظ المتقين أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض السبتي في كتابه المسمى بـ "مشارق الأنوار" فاختصره واستدرك عليه وأصلح فيه أوهامًا الفقيه المحدث العلامة الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم الحمزي، عرف بابن قرقول.
ثم كتب تحت العنوان: (وقف وحبس وسبل هذا الجزء وما بعده من تجزئة جزئي على طلبة
[ ١ / ٩٠ ]
العلم الشريف ينتفعون بذلك على الوجه الشرعي العبد الفقير إلى الله تعالى الراجي عفو ربه الجليل عبد الباسط بن خليل الشافعي أدام الله عزه ولطف به وتقبل منه وجعل مقره بالخزانة السعيدة بالخانقاه التي الكافوري بالقرب من حمام تنكز، وشرط الواقف له بالجميع، ذلك وبها شيء من غير الخانقاه ) وكتب بخط غير واضح أعلى الصفحة: عبد الباسط.
وينتهي هذا المجلد بنهاية حرف اللام وآخر ما فيه: الأختلاف في الأسماء والكنى من حرف اللام، وجاء في آخر صفحة من المجلد هذا: ( وعند الأصيلي: لعتبة ابن أبي وهب، وهو وهم)، ثم قال: (والله تعالى أعلم، والحمد لله وحده، تم الجزء الأول يتلوه إن شاء الله تعالى في الجزء الثاني حرف الميم مع الهمزة متنه قد تقدم على يد العبد الفقير إلى الله تعالى محمَّد بن علي الدموشي غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين بتاريخ الثامن والعشرين من شهر شعبان المكرم سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، والله الموفق) وأما المجلد الثاني فيشتمل على ١٨١ لوحة، أي حوالي ٣٦١ صفحة تقريبًا؛ حيث احتوت اللوحة الأخيرة على صفحة واحدة، وبذلك تكون النسخة بجزأيها قد أحتوت على ٤٢٧ لوحة تقريبًا.
وقد جاءت الصفحة اليمنى الأولى من اللوحة الأولى من هذا المجلد
الثاني بيضاء لا شيء فيها، ثم ابتدأت الصفحة الثانية المجاورة لها يقول المصنف: (في البخاري في حديث مدعم ) وهذِه العبارة إنما هي في الكتاب المطبوع وباقي النسخ الخطية في آخر حرف الضاد، فبعد ثمانية أسطر تقريبًا من هذِه العبارة جاء حرف العين، مما يفيد أنه قد سقط من هذا المجلد من أول حرف الميم وحتى الموضع المذكور، فبذلك يكون
[ ١ / ٩١ ]
قد سقطت حروف: الميم والنون والصاد والضاد، وهذا السقط قد بدأ مع بداية المجلد الرابع وحتى صفحة ثلاث وستين وثلاثمائة تقريبًا، أي ما يزيد عن مائتي صفحة في النص المحقق، وهو جزء من الكتاب ليس بقليل.
وقد ختم هذا الجزء بقوله: (انتهى الجزء الثاني بحمد الله وعونه، وبكماله وتمامه كمل الكتاب، والحمد لله على نعمه السابغة علينا، وكان الفراغ من نسخه في اليوم الثالث عشر من شهر شوال المبارك سنة ثمان وسبعين وسبعمائة على يد أقل عبيد الله تعالى وأحوجهم إليه محمَّد بن علي الدموشي غفر الله له ولوالديه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم). ثم كُتب تحته؛ عبد الباسط وقف.
ملاحظات على هذِه النسخة:
١ - كثرة التحريفات والتصحيفات فيها، خاصة المجلد الأول من أوله وحتى انصرام ثلاثة أرباعه، ومن أطرف ما فيها من هذِه التحريفات أنه كان يكتب (ابن ماهان) أحد رواة "صحيح مسلم" المعروفين، كان يكتبها: (ابن هامان)!!
ولذلك لم يكن اعتمادنا عليها في أول الأمر كنسخة مستقلة، بل إن الاعتماد عليها في المقابلات كاد في أول الكتاب أن يكون معدومًا، إلا في مواضع قليلة ربما كانت في بعض الأحيان مهمة، ومن أهم ما استفيد منها أنه اعتمد عليها في نسخ الكتاب أول أمر إخراج الكتاب.
٢ - تتفق هذِه النسخة في الغالب مع "مشارق الأنوار" الكتاب الأم في المواضع التي فيها تأويل لصفات الله - ﷺ - على عكس النسختين (س، د)، وسيأتي مزيد تفصيل عن هذِه المسألة.
٣ - اعترى هذِه النسخة - ما اعترى أختيها (د، ظ) - في أولها الكثير من
[ ١ / ٩٢ ]
السقط، وذلك في حرف الألف وحتى آخره، وكانت سقوطًا كثيرة بلغت صفحات، كانت تصل أحيانًا إلى ثلاث وأربع صفحات متتالية في النص المحقق، وقد تم استدراك وإثبات هذِه السقوط في محالِّها من النسخة (س) معية الكتاب الأم "مشارق الأنوار".
٤ - هي أقدم النسخ الخطية للكتاب، بعد النسخة (م) - الآتي توصيفها - وذلك مقارنة بالنسختين (س، د)، دون (ظ، ش) فلم نعرف تاريخ نسخهما، لأنهما ناقصتان، فكان نسخها سنة ٧٧٨ هـ.
٥ - ليست هناك في هذِه النسخة حواش أو تعليقات مطلقًا، ويبدو أيضًا أنها غير مقابلة على نسخ أخرى أو مصححة، فليس بها أية استدراكات أو إلحاقات.
٦ - اتفقت هذِه النسخة في جلها مع الجزء الذي تحصلنا عليه من النسخة (م) - الآتي توصيفها - والذي يبدأ من أول حرف اللام وحتى نهاية الكتاب، اتفقت معها نصًّا وعرضًا، وكانت تتفق معها في السقوطات والزيادات وما إلى ذلك، حتى أني أتوقع إن لم أجزم أن النسخة (أ) هذِه قد نسخت من النسخة (م)، ويصح هذا فالنسخة (م) أقدم نسخًا منها، فالنسخة (م) - كما جاء في آخرها - نسخت سنة ٦٣٣ هـ، والنسخة (أ) - كما تقدم - نسخت سنة ٧٧٨ هـ، أي بعدها بأزيد من قرن، والله أعلم.
النسخة الرابعة (ظ): وهي النسخة المصورة عن مكتبة الأسد الوطنية بدمشق/ سوريا، المكتبة الظاهرية سابقًا، وقد كتب عليها: (الظاهرية مما لم يفهرس) ودوِّن عليها أيضًا تاريخ تصويرها: (١ ربيع الأول ١٤٠٧ هـ، ٣/ ١١/ ١٩٨٦ م) وهي
[ ١ / ٩٣ ]
النسخة المرموز لها بـ (ظ)، ولم تقع لنا هذِه النسخة كاملة، إنما وقع لنا نصفها تقريبًا.
يتألف هذا الجزء من النسخة من ١٧١ لوحة تقريبًا، أي حوالي ٣٤٢ صفحة من الحجم المتوسط، وتبلغ عدد الأسطر في الصفحة الواحدة حوالي ٢٥ سطرًا تقريبًا.
وهذِه النسخة -كما قلنا - جاءت ناقصة من آخرها، فلم تشتمل الكتاب كله، إنما انتهت في حرف الميم، وكان آخر ما فيها في حرف الميم مع الثاء: (قوله: لاَ تَمْثُلُوا. بكسر الثاء وشدها، والمصدر: المثل. قوله: مَنْ مَثَّلَ بِعَبْدِهِ. أي: نكل به بعقوبة يقصد بها التشويه به. وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا.) وانقطعت دون هذا الموضع وإلى آخر الكتاب، وكان هذا في آخر الصفحة اليمنى من هذِه اللوحة، حيث جاء بعدها الصفحة اليسرى بيضاء لا شيء فيها - وليتها اكتملت؛ لما سنذكره - فبذلك تكون هذِه النسخة قد صاحبتنا في أزيد من نصف الكتاب تقريبًا، وقد أشرنا في النص المحقق إلى انقطاع هذِه النسخة دون أخواتها من النسخ، وذلك في صدر المجلد الرابع، في الصفحة الحادية عشرة منه تقريبًا.
وهي نسخة جيدة ذات خط واضح جميل مقروء جدًّا كتبت بقلم معتاد قديم، وقد كتبت عنوانين الأبواب والفصول من الحروف بخط كبير جدًّا واضح أكبر من خط باقي النص، وقد ضبط ناسخها بعض الكلمات بالشكل في بعض الأحيان شكلًا جيدًا فيما يخاف التباسه أو عدم ضبطه وجل كلماتها منقوط، حتى أنه يستطيع القراءة فيها كثير ممن ليس لهم اشتغال بهذا الشأن بسهولة ويسر، وهي سالمة من التحريف والتصحيف في الجملة وليس بها سقوط إلا نادرًا، هكذا من أولها وحتى آخرها.
[ ١ / ٩٤ ]
وقد كتب على طرة هذِه النسخة: (الأول من مطالع الأنوار على صحائح الآثار في فتح ما استغلق من الصحيحين والموطأ ) ثم الصفحة بعدُ مملوءة، ففيها اسم المصنف ونسبته وكلام عنه وذكر طريقة تحمُّل الكتاب وتناوله، لكن مع شديد الأسف والتحسر لم نستطع قراءة هذا الكلام فمعظمه غير واضح ولا مقروء، فتبدو كلمة أو ثنتان وتخفى ثلاث أو أربع، بما لا يستطاع معه نقله كقطعة واحدة يعرف ما فيها ويستفاد منه، وما يظهر منه ويبدو يدل على أنه كلام عزيز نفيس، قد يتضمن اسم الناسخ وتاريخ النسخ وعمن نسخت، فكم تمنيت وحاولت قراءته، لكن لم أجد إلى ذلك سبيلًا، والله أعلم.
- ملاحظات على هذِه النسخة:
١ - يلاحظ المطالع لهذِه النسخ والقارئ لها للوهلة الأولى أنه يغلب عليها الاختصار في عباراتها، فعمد ناسخها إلى عبارات ابن قرقول في النسخة التي نقل منها وأخذ يتصرف في عباراتها بالاختصار والاقتصار، هذا إن كانت هذِه النسخة متأخرة النسخ، فيحتمل أن تكون هذِه هي نسخة ابن قرقول اختصر فيها ابن قرقول عبارات القاضي عياض، لكن استبعد هذا؛ لأن النسخ الخطية الخمسة الباقية متوافقة إلى حد كبير في العبارة ونظمها، فيبدو أن هذا الاختصار من صنع الناسخ، والله أعلم.
وكان هذا الاختصار والتصرف في عبارات الكتاب على أوجه منها:
-أن الناسخ عمد إلى بعض الكلمات والتي هي في بنيتها كبيرة فاستبدلها بكلمات أخرى أقل بنية، من ذلك أستبداله كل: (تقدم) بـ (مرَّ)، استبداله: (كذلك) و(هكذا) بـ (كذا)، استبداله: (قال ابن قرقول) بـ (قلت)، استبداله: (من غير) بـ (بلا)، استبداله: كلمة كذا (على وزن) كذا،
[ ١ / ٩٥ ]
فيقول: (زنة)، استبداله: (قال القاضي أبو الفضل) بـ (قال عياض) إلى غير ذلك.
- نهج الناسخ في الكتاب جله، وذلك قياسًا على القطعة الكبيرة التي بحوزتنا، أن لا يكتب حرف الباب مع الحرف الثاني بعد ذكر حرف الباب في أول موضع، أي أنه يكتب مثلًا أولًا: (حرف التاء مع الهمزة)، وفي باقي النسخ يقولون بعدها: (التاء مع الباء) ثم: (التاء مع الجيم) وهكذا، أما في هذِه النسخة، فيقول: (مع الباء) هكذا دون ذكر اسم حرف الباب مرة أخرى، (مع الجيم) أو يضيف حرف الجر فيقول: (ومع الجيم)، أو يقول: (والجيم)، فيذكر مثلًا: (حرف الحاء)، ثم يقول: (والباء) أي (حرف الحاء مع الباء)، (والجيم)، و(القاف) وهكذا في جل الكتاب.
- استخدم الناسخ وطلبًا للاختصار الضمائر ليغنيه ذلك عن تكرار كثير من الكلمات، فاستعاض عن كثير من الألفاظ بذكر ما يقوم مقام هذِه اللفظة من ضمير أو نحوه، من ذلك مثلًا ما وقع في ١/ ٤٦٤ في حرف الباء مع الكاف: ( ورواه بعض رواة مسلم ) جاءت العبارة هذِه في (ظ): ( ورواه بعضهم في مسلم ).
ومن ذلك ما وقع في الهمزة مع اللام ١/ ٢٢٧: ( وهذا على مذهب العرب في أدعيتها ) هكذا في النسخ، وجاءت العبارة في (ظ): ( وهذا على مذهبهم في دعائهم ) ونحو هذا كثير جدًّا بما يتعسر حصره.
- أسقط كثيرًا من الألفاظ التي يصح ويجوز لغة إسقاطها، وذلك لأن باقي الكلام يدل عليها، من ذلك قوله في حرف الباء مع الراء ١/ ٤٣٦: ( قال ثابت: هذا على لغة أهل الحجاز، يقولون: برأت من المرض، وتميم يقولون ) هكذا العبارة في النسخ الخطية.
[ ١ / ٩٦ ]
وجاءت في النسخة (ظ): ( قال ثابت: هذا على لغة أهل الحجاز، يقولون: برأت، وتميم يقولون ) فأسقط قوله: (من المرض) لأنه مفهوم من الكلام.
ومن ذلك قوله في حرف التاء مع الهمزة ٢/ ٥: (قول عمر لعلي والعباس: تَيْدَكُمْ. كذا للقابسي وعُبْدُوس، وعن الأصيلي: تِئدَكُمْ. بكسر التاء، وقال: كذا لأبي زيد. وقال أبو زيد: وهي كلمة لهم، وعند بعض الرواة: تَيْدُكُمْ. برفع الدال، وعند أبي ذر: تَئِدْكُمْ) كذا العبارة في النسخ.
وجاءت العبارة في النسخة (ظ) هكذا: (قول عمر لعلي والعباس - ﵄ -: تَيْدَكُمْ. كذا للقابسي وعُبْدُوس، وعن الأصيلي: بكسر التاء، وقال: كذا لأبي زيد. وقال أبو زيد: وهي كلمة لهم، وعند بعض الرواة: برفع الدال، وعند أبي ذر: تَئِدْكُمْ). فقارِن بين العبارتين تجده أسقط بعض الألفاظ.
- أسقط بعض الألفاظ من النصوص المستشهد بها، مما إسقاطه لا يخل بموضع الاستشهاد، كقوله في حرف الهمزة مع الشين ١/ ٣٠٦: (قوله: اتخذها أشرًا وبطرًا ) كذا في النسخ، أما النسخة (ظ) فجاء فيها: (قوله: اتخذها أشرًا ) فموضع الاستشهاد قوله: (أشرًا)، فأسقط (بطرًا) وإسقاطها غير مخل؛ فليس فيها موضع شاهد.
وكقوله في حرف الهمزة في فصل الاشتباه بين (إِلَّا، وأَلَّا، وأَلَا، وإِلَى، وإِليَّ) ١/ ٢٤٨ قال: (قوله في حديث الصلاة قبل الخطبة: قال أَبُو سَعِيد: فَقُلْتُ أَيْنَ الابْتِدَاءُ بِالصَّلَاةِ، فقال: لا يا أبا سعيد) كذا في النسخ الخطية، وجاءت العبارة في (ظ): (قوله في حديث الصلاة قبل الخطبة: قال أَبُو سَعِيد: فَقُلْتُ أَيْنَ الابْتِدَاءُ بِالصَّلَاةِ) وحسب. وهذا وقع كثيرًا جدًّا في هذِه النسخة بما لا يحصى كثرة.
[ ١ / ٩٧ ]
وكذا اعتاد اختصار عبارة المؤلف المستشهد بها في حرفها عند تكرارها لذكر اختلاف في روايتها، من ذلك قوله في حرف الباء مع الراء ١/ ٤٥٠: (في فضائل أهل البيت: كِتَابُ اللهِ فِيهِ الهُدى وَالْبِرُّ. كذا لابن الحذاء، ولسائر الرواة: فِيهِ الهُدى وَالنُّورُ). كذا العبارة في النسخ، وفي (ظ): (في فضائل أهل البيت: كِتَابُ اللهِ فِيهِ الهُدى وَالْبِرُّ. كذا لابن الحذاء، ولسائر الرواة: وَالنُّورُ) فأسقط قوله: (فِيهِ الهُدى) وهذا أيضًا وقع كثيرًا جدًّا، فكانت سمة عامة طغت على هذِه النسخة، وهو الاختصار ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، حتى أني أستطيع أن أقول: لو لم يسلك ناسخ هذِه النسخة سبيل الاختصار والتصرف في عبارات المصنف على نحو ما ذكرنا ونسَخَهَا على حالها كما فعل ناسخوا (س، د، أ، م، ش) لزادت القطعة التي لدينا من هذِه النسخة والتي تنتهي بحرف الميم مع الثاء، فلربما زادت ما لا يقل عن خمسين لوحة على عدد لوحاتها، والله أعلم.
٢ - هذِه النسخة مقابلة ومصححة، يظهر ذلك من خلال السقط المستدرك في يمين ويسار صفحاتها وفي أعلى وأسفل، بحيث لا تكاد تخلو صفحة من استدراك أو لحق.
٣ - اتفقت هذِه النسخة مع أختيها (د، أ) فيما اعتراهما في أولهما من كثير من السقط وذلك في حرف الألف وحتى آخره، فكانت سقوطًا كثيرة بلغت صفحات، كانت تصل إلى أربع وخمس صفحات متتالية في مطبوع الكتاب، وقد تم استدراك ووضع هذِه السقوط - كما ذكرنا - في محالِّها من النسخة (س) معية الكتاب الأم "مشارق الأنوار".
٤ - اشتملت هذِه النسخة على حواشٍ وهي نادرة جدًّا.
٥ - لم أستطع معرفة تاريخ نسخ هذِه النسخة؛ وذلك لأن آخرها ناقص
[ ١ / ٩٨ ]
مبتور، بل ولا يظن أنها منسوخة من إحدى النسخ الثلاث (س، د، أ) وذلك لعد موافقتها لإحداها موافقة تامة، بل كانت أحيانًا تتفق مع (س) دون (د، أ)، وأحيانًا مع (د) دون (س، أ)، وأحيانًا تتفق مع (أ) دون (س، د)، وأحيانًا تتفق مع ثنتين منهن دون الثالثة وهكذا.
النسخة الخامسة (م):
وهي المصورة عن نسخة مكتبة أحمد الثالث بتركيا برقم (٢٧٣١)، والمرموز لها بـ (م)، ولم يقع لنا منها إلا السفر الثاني وحتى آخر الكتاب، والذي يبتدأ بحرف اللام مع الهمزة، بعد: (بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمَّد وآله وسلم).
يتألف هذا السفر الثاني من النسخة من ٢٨٥ لوحة تقريبًا، أي حوالي ٥٧٠ صفحة من الحجم المتوسط، تبلغ عدد الأسطر في الصفحة الواحدة حوالي ٢١ أو ٢٢ سطرًا تقريبًا.
وقد جاء في خاتمتها: (آخره والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله وصحبه وسلم تسليمًا وكان الفراغ منه مساء يوم الجمعة خامس عشر من جمادى الآخرة سنة ثلاثين وثلاث وستمائة بدار الحديث الأشرفية بدمشق حرسها الله تعالى بيد العبد الفقير إلى رحمة ربه أحمد بن عمر بن رشيد الصواف وهو شاكر لله تعالى على نعمه ومصليًا على رسوله) وهي نسخة جيدة ذات خط واضح جميل مقروء إلى حد كبير كتبت بقلم معتاد، وقد كتبت عنوانين الأبواب والفصول من الحروف بخط كبير جدًّا واضح أكبر من خط باقي النص، وكذا كل لفظة (قوله)، وقد ضبط ناسخها بعض الكلمات بالشكل في بعض الأحيان شكلًا جيدًا فيما يخاف التباسه أو عدم ضبطه وجل كلماتها منقوط، وهي سالمة من التحريف
[ ١ / ٩٩ ]
والتصحيف في الجملة وليس بها سقوط إلا قليلًا، ومن أهمية هذِه النسخة أنها أثرتنا في مواضع عدة بزيادات سقطت من أخواتها (س، د، أ، ش)، وافقت في أغلبها - إن لم يكن كلها - الكتاب الأم "مشارق الأنوار".
ولكن من عيوب تلك النسخة التي قابلتنا أنه وقع في أول مصورتنا منها سواد في يمين ويسار اللوحة بما استحال معه غالبًا قراءة كلمة أو كلمتين في كل جانب من جانبي اللوحة، ثم ما لبثت أن اتضحت المصورة وذهب السواد، لكن أحيانًا ما كان يتكرر هذا الأمر في مواضع أخرى عدة في أثناء النسخة، كما وقع فيها أيضًا بعض صفحات غير واضحة ولا مقروءة تمامًا لاهتزاز حصل في الصورة أو نتيجة سوء التصوير، وأحيانًا بياض، وفي الجملة هي نسخة جيدة لو اكتملت لدينا وتحصلنا على السفر الأول منها لانتفعنا به كثيرًا.
ملاحظات على هذِه النسخة:
١ - هذِه النسخة هي أقدم النسخ الستة نسخًا؛ فقد نسخت - كما في خاتمتها - سنة ٦٣٣ هـ، فهي أقدم من (س، د، أ) فالثلاثة تاريخ نسخهم معروف، دون (ظ، ش) فليس لدينا شيء عن تاريخ نسخهما.
٢ - بالنسخة بعض استدراكات أو لحوقات، ولكنها نادرة جدًّا.
٣ - خلت هذِه النسخة من الحواشي والتعليقات، هذا بالنظر إلى السفر الثاني الذي وقع لنا منها، فالله أعلم بما في أولها.
٤ - هذِه النسخة كانت من أقرب النسخ - إن لم تكن أقربها مطلقًا - من الكتاب الأصل "مشارق الأنوار" نصًّا ومتنًا.
٥ - تفردت هذِه النسخة بمفردات وألفاظ زائدة على النسخ الأخرى، وافقت فيها الكتاب الأصل "مشارق الأنوار"، وأحيانًا كان يحصل
[ ١ / ١٠٠ ]
اختلاف في لفظة ما أو عبارة مع باقي النسخ، فكانت في معظمها هي الصواب أو موافقة لما في "المشارق" دون النسخ الأخرى.
٦ - اتفقت هذِه النسخة غالبًا مع النسخة (أ) - كما ذكرنا - في بعض الزيادات والسقط وكثيرًا من الاختلافات مع النسخ الأخرى، بما يشكك أن النسخة (أ) قد نسخت من هذِه فهي الأقدم نسخًا، والله أعلم.
النسخة السادسة (ش):
وهي المصورة عن نسخة مكتبة شسشربتي بإيرلندا تحت رقم (٣٥٦١) - ظنًّا لا جزمًا - والمرموز لها بـ (ش)، ولم تقع لنا هذِه النسخة كاملة، إنما ابتدأت بعد انصرام نصف الكتاب الأول بقليل، فابتدأت معنا من حرف الميم في الميم مع السين بعد حوالي ما يقارب عشرة أسطر من ابتداء فصل الميم مع السين، في الكلام على لفظة: (المسيح)، فكانت بدايتها: (معلونًا. وقال الأمير ابن ماكولا: رده عليَّ شيخي الصوري بخاء معجمة.
وقال أبو بكر الصوفي: أهل الحديث وبعض أهل اللغة يفرقون بينهما، فيكسرون الميم ويشدون السين. قال أبو عبيد: المسيح الممسوح العين وبه سمي الدجال، وقال غيره: لمسحه الأرض، فهو بمعنى فاعل. وقيل: المسيح: الأعور، وبه سمي. وقيل أصله: مشيحًا فعُرّب، وعلى هذا اللفظ ينطق العبرانيون به. وقيل: التمسح والممسح: الكذاب، قاله ثعلب، ولعله بهذا سمي، ومنه: التمسح والتمساح: المارد الخبيث، فلعله فعيل من هذا ) من هذا الموضع وحتى نهاية الكتاب، بالرغم من أن أول لوحة في هذِه القطعة - والتي دوَّن عليها بيانات النسخة حتى أنها غطت جل الصفحة وأخفتها فيما يشبه الخاتم - وقع فيها أول حرف الفاء، وقد تكررت نفس اللوحة في موضعها من
[ ١ / ١٠١ ]
حرف الفاء، والذي يأتي في ترتيب المغاربة بعد حرف الميم.
تتألف هذِه القطعة من النسخة (ش) من حولي ٢٠٠ لوحة تقريبًا بناء على ترقيمنا نحن لما وقع لنا منها، أي حوالي ٤٠٠ صفحة من الحجم المتوسط، تبلغ عدد الأسطر في الصفحة الواحدة حوالي ٢٣ سطرًا تقريبًا، ويبدو أن هذِه النسخة كانت تامة وما سقط منها سقط من المصورة؛ فقد وجدت لوحة في مستهلها كتب فيها بيانات النسخة من اسم الكتاب واسم مؤلفه وتاريخ وفاته هجريًّا وميلاديًّا باللغة اللاتينية، ومن هذِه البيانات - أظن ذلك غير جازم ولا قاطع - أن عدد لوحات هذِه النسخة ٣٢٩ لوحة، والله أعلم.
وهذِه القطعة التي وصلتنا من هذِه النسخة سقط من أثنائها جزء يبدأ في أثناء حرف السين مع الباء وينتهي في أثناء حرف الشين مع الراء، أي جزء من حرف السين مع الباء، والسين مع التاء ومع الجيم ومع الحاء ومع الخاء ومع الدال ومع الراء ومع الطاء ومع الكاف ومع اللام ومع الميم ومع النون ومع العين ومع الفاء ومع القاف ومع الهاء ومع الواو ومع الياء، مع فصول الاختلافات في هذِه الحروف جميعًا، وفصل الأسماء والكنى والاختلاف فيه، والإنساب، وأسماء المواضع، ثم حرف الشين، مع الألف ومع الباء ومع التاء ومع الجيم ومع الحاء ومع الخاء ومع الدال ومع الذال، مع فصول الاختلافات في هذِه الحروف، وجزء من الشين مع الراء، كان هذا الجزء في النص المحقق من صفحة ٤٤٣ من المجلد الخامس وحتى آخره صفحة ٥٩٠، ومن أول المجلد السادس وحتى صفحة ٣٩، أي ما يقارب ١٩٠ صفحة.
وقد جاء في خاتمة هذِه النسخة: (آخر كتاب "مطالع الأنوار" مؤلفه ابن قرقول).
[ ١ / ١٠٢ ]
وهي نسخة جيدة الخط جدًّا واضحته يقرأه كل أحد بسهولة ويسر، فهي أوضح وأجمل النسخ الخطية الست وأجلاها على الإطلاق، وجاءت مصورتها واضحة جدًّا نقية لم يتخللها سواد أو غير ذلك مما يعكر صفو صورة الورقة إلا في القليل النادر، حتى أنه يستطيع أن يقرأها كثير ممن ليس لهم اشتغال بهذا الشأن، وقد كتبت النسخة بقلم معتاد، وكتبت عنوانين الأبواب والفصول من الحروف بخط كبير جدًّا أوضح وأكبر من خط باقي النص، وقد ضبط ناسخها كثيرًا من الكلمات بالشكل جيدًا فيما يخاف التباسه أو عدم ضبطه وجل كلماتها منقوط، وهي سالمة من التحريف والتصحيف في الجملة وليس بها سقوط إلا قليلًا.
- ملاحظات على هذِه النسخة:
١ - لم أعرف لهذِه النسخة تاريخ نسخ ولا اسم ناسخها؛ فلم يذكر شيء من ذلك في خاتمتها، وهي ناقصة لدينا من أولها مبتورة.
٢ - هذِه النسخة يبدو أنها مقابلة بنسخ أخرى ومصححة؛ يظهر ذلك من خلال استدراكات أو لحوقات في جوانب صفحاتها.
٣ - خلت هذِه النسخة من الحواشي والتعليقات.
٤ - النسخة قريبة الشبه إلى حد ما بالنسختين (د، س) نصًّا ومتنًا، فكانت تتفق معهن أو مع إحداهما في إثبات بعض الألفاظ أو سقوطها أو تحريف ما وقع فيهن أو تصحيف، بعيدة الشبه من (أ، م).
[ ١ / ١٠٣ ]
فرع:
مسألة عقائدية متعلقة بالنسخ الخطية:
لوحظ اختلاف واضطراب بيّنٌ بين النسخ الخطية في إيراد المسائل العقائدية وطريقة عرضها، سيما المواضع التي لجأ فيها المصنف ابن قرقول إلى تأويل صفة من الصفات الذاتية أو الصفات الفعلية لله رب العالمين، وقد تقدم ذكر هذا في عقيدة ابن قرقول، ونعرض هنا لبعض الأمثلة التي ظهر فيها اختلاف النسخ الخطية في إيراد المسائل العقدية: فمن ذلك ما ذكره المصنف - ﵀١/ ٣٠٣ في حرف الهمزة مع النون في آخره، في آخر فصل: (في بَيَانِ مُشْكِلِ إِنَّ وأَنَّ وإِنْ وأَنْ)، في قوله - ﷺ -: "نُورٌ أَنَّى أَرَاه" فقال: ( لا يكون النور ها هنا راجعًا إلى الذات ولا إلى صفات الذات، ولا يكون بمعنى هو نور، ولا يفهم منه ما يفهم من الأجسام اللطيفة المنيرة، هكذا كله في وصف الباري محال يتنزه عن ذلك، وكذلك لا يجوز أن يعتقد أنه ينفصل منه نور ).
هكذا جاء الكلام في النسخة (س)، عن "المشارق" - الأصل -١/ ٤٦، أما في (د، أ، ظ) فقد أُسقط هذا التأويل، والموضع ليس في (م، ش) فهما ناقصتان من أولهما، كما ذكرنا.
وعن نفس الموضع وفي حرف النون مع الواو ٤/ ٢٣٣ قال: ( وقد تقدم: "نُور أَنَّى أَرَاهُ" ولا يجوز أن يعتقد أن النور صفة ذات، ولا أنه نور بمعنى الجسم المشرق المنير فإن تلك صفات الحدوث) كذا العبارة في (أ، م) مؤولة مصروفة عن حقيقتها، فقط دون (س، د، ش) فقد أسقط منهن هذا التأويل، والموضع ليس في (ظ) فهي ناقصة من آخرها، كما تقدم.
[ ١ / ١٠٤ ]
وكذا قول المصنف في حرف الهمزة مع الصاد ١/ ٣٢٦ عن قوله - ﷺ -: "قَلْبُ ابن آدَمَ بَينَ إِصْبَعَينِ مِنْ أَصَابع الرَّحْمَنِ" قال: ( الإِصبع هنا صفة سمعية لا يزاد على ذلك وإليه ذهب أبو الحسن وجماعة من أصحاب الحديث) كذا العبارة في النسخ الخطية الأربعة (س، د، أ، ظ)، ثم زاد في (س): (وقيل: إصبع من أصابع ملائكته، أو تكون خلقًا من خلقه سماه إصبعًا، وقيل: هي كناية عن القدرة أو النعمة )، هكذا كما في "المشارق" ١/ ٤٧ مؤولًا مصروفًا عن ظاهره وحقيقته، دون (د، أ، ظ).
وكذا قوله في حرف الجيم مع الباء ٢/ ٨٤ عن قوله - ﷺ -: "حَتَّى يضَعَ الجَبارُ فِيهَا قَدَمَهُ": (أي: أحد الجبابرة الذين خلقهم الله لها، فكانت تنتظره، وقيل: الجبار هنا هو الله سبحانه، وقدمه: قوم قدمهم لها، أو تقدم في سابق حكمه أنه سيخلقهم لها؛ كما جاء في كتاب التوحيد من البخاري: وَأَنَّ الله ﵎ يُنْشِئُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ، فَيُلْقَوْنَ فِيهَا، قَالَ: وَأَمَّا الجَنَّةُ فَيُنْشِىء لَهَا خَلْقًا. وقيل: معناه: يقهرها بقدرته حتى تسكن، يقال: وطئنا بني فلان، أي: قهرناهم ذُلاٍّ).
هكذا جاء في النسخة (س) عن "المشارق" ١/ ١٣٨، وأُسقط هذا
التأويل من (د، أ).
بل وقع فيهما جميعًا مكان هذا التأويل ما نصه: ( والحزم في مثل هذِه الأحاديث الواردة في صفات الرب تعالى أن تمر كما جاءت ولا يتعرض لها بتأويل ولا تمثيل، كما بلغنا فيه عن السلف الصالح والصدر الأول).
قلت: ففيه رد على التأويل المذكور.
أما النسخة (ظ) فقد جاء فيها الوجهان، فذكر أولًا تأويل الصفة كما في (س)، لكن لم يأت في صلب النسخة، إنما جاء لحقًا واستدراكًا في الهامش
[ ١ / ١٠٥ ]
أعلى الصفحة، مصححًا عليه ثلاثًا!
ثم ما لبث أن ذكر ما في (د، أ) من رد واعتراض على هذا التأويل، والمنقول أعلاه.
فيلاحظ أن النسخة (س) تورد كلام المصنف على وجهه كما هو في "المشارق"، أما النسختان (د، أ) فيأتي الكلام فيهما خال من التأويل، ويذكر الصحيح من اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهذا كان في النصف أو الثلث الأول من الكتاب.
وفي أول حرف العين مع الجيم ٤/ ٣٨٠: قال المصنف رحمه الله تعالى: (قوله: "عَجِبَ رَبُّكُمْ" أي: عظم ذلك عنده. وقيل: عظم جزاء ذلك فسمي الجزاء عجبًا) كذا وقع في جميع النسخ الخطية صفة العجب مؤولة، والصواب على منهج أهل السنة والجماعة أن يوصف الله جل وعلا بالعجب كما وصف به نفسه، وليمس وصف الله جل وعلا بالعجب من الفعل، أو مما يعمله العبد، ليمس هذا ناتجا عن عدم العلم؛ بل هو من كماله جل وعلا، إذْ العجب تارة يكون عن عدم علم وتارة يكون عن علم، والعجب يقتضي رفع منزلة المُتعجّب منه، وهذا يثبت لله جل وعلا كما قال جل وعلا: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ (١) [الصافات: ١٢]، أو كما جاء في الأحاديث التي فيها إثبات صفة العجب لله ﷿ مما صح إسناده وعُدِّلت نقلته، نثبت ما جاء فيها على القاعدة المقررة من أنه إثبات بلا تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، والله أعلم.
_________________
(١) بضم التاء من (عجبتُ) وهي قراءة حمزة والكسائي، وقرأ الباقون: (بل عجبتَ) بنصب التاء. انظر: "الحجة للقراء السبعة" ٦/ ٥٣.
[ ١ / ١٠٦ ]
وفي حرف الصاد مع الياء ٤/ ٣١٠ في كلام المصنف على صفة الصوت عن قوله: "فَيُنَادِي بِصَوْتٍ" قال: (يعني: الرب سبحانه. وقوله في الحديث الآخر: "فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَسَكَنَ الصَّوْتُ" أي: صوت رب العزة أيضًا ﷻ، وكلام الله -﷿ - بحرف وصوت لا محالة، إلا أنه لا يشبه كلام المخلوقين كما نقول في سائر صفاته - تعالى وتقدس - من السمع والبصر والكلام والعلم والإرادة والإتيان والمجيء، لا يؤول ولا يكيف ولا يشبَّه، ظاهره قبول، وباطنه مسلم لله - ﷿ -، قال الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، والذي يؤيد هذا قوله في الحديث الآخر: "فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَسَكَنَ الصَّوْتُ عَرَفُوا أَنَّهُ الحَقُّ").
كذا جاء الكلام في (س، د، ش) موافقًا لمنهج أهل السنة والجماعة من غير تأويل أو تحريف، أما سياق الكلام في (أ، م): (يجعل ملكًا ينادي أو يخلق صوتًا يسمعه الناس، وأما كلام الله فبحرف وصوت والكلام الأول ليس بشيء، وَفِي رِوَايَة أبي ذر: "فينادى بصوت" لما لم يسم فاعله.
وقوله في الحديث الآخر: "فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق" أي: سكن صوت الملائكة بالتسبيح؛ لقوله أول الحديث: "سبح أهل السماوات").
وقد تقدم في الاختلاف من حرف النون مع الدال ٤/ ١٤٠ عن نفس الصفة قوله: (وفي حديث ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]: "يَقُولُ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيُنَادِي بِصوْتٍ" كذا لأكثرهم، وعند أبي ذر: "فَيُنَادى" بفتح الدال والأول أعرف وأشهر، فإنه أثبت لله سبحانه الكلام بالصوت خلافًا للمخالفين من الأشعرية، وقد سبقهم بهذا قوم من الزنادقة، تعالى الله عما يقول المبطلون الزائغون علوُّا كبيرًا).
[ ١ / ١٠٧ ]
كذا سياق الكلام في (س، د، ش)، أما في (أ، م) ففيهما تأويل للصفة على هذا النحو: (وهو أبين، وكيفما كان فالمنادي غير الله سبحانه أضيف النداء إليه؛ لأنه عن أمره) على نحو ما هو في "المشارق" الكتاب الأصل ٢/ ٨ هكذا: ( فينادي بصوت. كذا لأكثر الرواة بكسر الدال، وعند أبي ذر: فينادى. بفتحها على ما لم يسم فاعله، وهو أبين وأرفع للإشكال، وإن كانت الرواية الأولى إلى هذا تصرف، وأن المنادي بالصوت غير الله وأضيف إليه؛ إذ هو عن أمره؛ إذ كلام الله ليس يشبه كلام البشر ولا هو صوت ولا حرف).
وفي حرف الضاد مع الحاء ٤/ ٣٢٦ قال المصنف: (قوله - ﷺ -: "يَضْحَكُ اللهُ" هذا وأمثاله من الأحاديث طريقها الإيمان بها من غير كيف ولا تأويل، وتسليمها إلى عالمها - سبحانه وتعالي -).
كذا وردت العبارة في (س، د، ش) بما يوافق منهج أهل السنة والجماعة، أما (أ، م) فعبارتهما: (وما جاء من مثله يراد به إظهار الرضى والقبول وإجزال العطاء وإيتاء السؤال) هكذا مؤولة لصفة الضحك هذِه على نحو ما في "المشارق" ٢/ ٥٥: وعبارته: (ما جاء في الأحاديث من ضحك ويضحك في وجهة الله تعالى ووصفه تعالى به فهو بيان الثواب لعبده وإظهاره رضاه عنه).
وفي الغين مع الضاد في حديث المصنف عن صفة الغضب في قوله: "إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي" قال: (الغضب في حق الله راجع إلى إرادته العقاب أو فعله).
كذا العبارة في جميع النسخ بتأويل صفة الغضب لله، على نحو ما في "المشارق" ٢/ ١٣٧ فعبارته: (الغضب في غير حق الله حدة حفيظة
[ ١ / ١٠٨ ]
وهيجان حمية، وهي في حق الله تعالى إرادة عقاب العاصي وإظهار عقابه وفعله ذلك به).
قلت: والحق هو إثبات ما أثبته سبحانه لنفسه بلا تأويل أو تحريف.
وفي حرف الفاء مع الراء ٥/ ٢١٣، قال المصنف في الكلام على قوله - ﷺ -: "لله أَشدُ فَرَحا": (الفرح ها هنا وفي أمثاله: الرضا والسرعة إلى القبول وحسن الجزاء؛ لأن السرور الذي هو انبساط النفس في حقه محال، لكن في طي ذلك الرضا عما يسر به، فعبر عنه به مبالغة).
هكذا في جميع النسخ الخطية، وهذا تأويل لا محالة ولا مناص، اتفقت على نقله النسخ الخطية جمعاء.
وفي حرف الفاء مع الياء ٥/ ٢٨٥ - ٢٨٦، في الكلام على قوله - ﷺ -: "فَيَأتِيَهِمُ الله في أَدْنَى صُورَة": (ومعناه: يظهر لهم صورة من خلقه يمتحنهم [بها]).
هكذا الكلام في (أ، م) كما في "المشارق" الأصل ٢/ ٢٢٣، وأما في (س، د، ش) فزيد بعد هذِه العبارة: (وهذا بدعة وتكلف، والأولى في أمثال هذِه الأحاديث الإيمان بها وإمرارها على ظاهرها من غير تشبيه ولا تعطيل).
قلت: وهذا منهج أهل السنة والجماعة وكلامهم.
وهكذا جاء في موضع لاحق يأتي في حرف السين مع الواو ٥/ ٥٥٤، في الكلام على الاستواء، من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] فجاء في (أ، م) مؤولًا على غير وجهه عند أهل السنة، أما في (س، د، ش) فجاء موافقًا لمنهج أهل السنة دون تحريف أو تأويل، فانظر هذا الموضع في مكانه من النص المحقق هناك؛ لأنه كلام طويل أستصعب نقله هنا وأستطول ذلك.
[ ١ / ١٠٩ ]
وكذلك ما جاء في حرف الشين مع الخاء ٦/ ٢٠ - ٢١ في الكلام على قوله - ﷺ -: "لاَ شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ الله": ( والشخص: كل جسم له ارتفاع وظهور، والمراد في حق الله سبحانه إثبات الذات).
هكذا في (س، د، ش)، وأما في (أ، م) فجاء فيهما: (ووصف الله بذلك محال، فهو كالاستثناء المنقطع)، وهو بنحوه في "المشارق" ٢/ ٢٤٥. وغير ذلك من الأمثلة التي وردت في الكتابين "المشارق" و"المطالع"، فهما محشوان - سيما "المشارق" - بهذِه الصفات المؤولة، اكتفينا بما ذكرناه؛ فغرضنا التمثيل لا الحصر، من ثم أعرضنا عن ذكر مواضع أخرى كثيرة خشية التطويل والإملال.
والمراد هو الإشارة إلى اختلاف النسخ الخطية في ذكر هذِه التأويلات أو إسقاطها، فمن ذلك يلاحظ أنه في أول الكتاب كانت النسخة (س) تذكر كما في "المشارق" الصفات مؤولة، دون (د، أ، ظ)، فكانت إما تسقط هذِه التأويلات، وإما تورد بدلًا منها ما يوافق منهج أهل السنة والجماعة، وإما تورد التأويل للصفة كما هو في (س) ثم ترد عليه وتتعقبه بما يوافق أيضًا منهج أهل السنة والجماعة - مع العلم بأنه في هذِه المواضع التي هي في أول الكتاب لم تكن النسختان (م، ش) بدأتا بعد - ثم بعد ذلك صارت (س) تسقط هذِه التأويلات وتثبتها (د، أ)، وأحيانًا تسقطها (س، د) وتثبتها (أ) وحدها، هكذا دون انتظام أو منهج واحد في واحدة من هذِه النسخ، وأحيانًا كما في النسخة (ظ) - كما في موضع سلف ذكره قريبًا - أثبت أولًا تأويل الصفة كما في "المشارق"، ثم صوَّب ذلك وذكر منهج أهل السنة والجماعة في هذِه الصفة، وأحيانًا أخرى تتفق النسخ الست وتتوحد في طريقة إيراد الكلام على الصفة مؤولة كما في "المشارق".
[ ١ / ١١٠ ]
هذا تقريبًا في نصف الكتاب الأول، أما في نصفه الثاني عندما أنقطعت دونه النسخة (ظ)، وانضمت إلينا النسختان (م، ش) كان الغالب أن تتفق النسختان (أ، م) في إيراد الصفة على مذهب المؤولة من الأشاعرة، متفقتان في ذلك مع الكتاب الأصل "مشارق الأنوار"، ويقابلهما النسخ (س، د، ش) فتتفق على إسقاط هذا التأويل أو الرد عليه، على هذا النحو إلى نهاية الكتاب.
فيتلخص مما تقدم ما يلي:
ا- اختلاف منهج النسخ الخطية في الكلام على صفات الله -﷿-، بعضها تنقل الكلام مؤولًا، وبعضها لا.
٢ - اضطراب منهج النسخ (س، د، أ) على وجه التحديد في هذا أيضًا فتارة يذكر الكلام فيها أو إحداها مؤولًا، وتارة يذكر موافقًا لمنهج أهل السنة والجماعة.
٣ - كان هذا الأختلاف والاضطراب على أوجه:
- إما أن يرد الكلام على الصفة مؤولًا مصروفًا عن وجهه الحقيقي على منهج الأشاعرة.
- وإما أن يسقط هذا التأويل دونما تعليق.
- وإما أن يسقط التأويل ويذكر محله الكلام على الصفة بما يوافق منهج أهل السنة والجماعة من غير تحريف أو تأويل.
- وإما أن يرد الكلام على الصفة مؤولًا، ثم يذكر عقبه الرد عليه بما يوافق منهج أهل السنة والجماعة.
٤ - كانت النسخ الست تتفق أحيانًا - وذلك تكرر في غير موضع - على نقل الكلام على الصفة مؤولًا وحسب.
[ ١ / ١١١ ]
وهذا كله في منهج النسخ الخطية محيّر؛ فأي القولين من هذين قول ابن قرقول المصنف، القول المؤول، أم قول أهل السنة والجماعة، فهل كان ابن قرقول مخالفًا لمنهج شيخه منهج الأشاعرة؟ أستبعد هذا؛ لأسباب منها: أن ابن قرقول تلميذ القاضي عياض وهو أشعري كما قدمنا، وعنه أخذ الكتاب وهو محشو بتأويلات الأشاعرة، بالإضافة إلى أنه من المعلوم والمشهور أن كثيرًا من العلماء في تلك القرون والبقاع كانوا على منهج ومذهب الأشاعرة.
فأرجح والله أعلم أن المصنف ﵀ نقل في هذِه المواضع العقائدية ما تمليه عليه عقيدته الأشعرية، والمتابع فيها منهج شيخه القاضي عياض في الكتاب الأم "مشارق الأنوار"، وأن إسقاط هذِه التأويلات من النسخ الخطية أو الرد عليها إنما هو من صنع النساخ؛ لأنه يسهل عقلًا أن يسقط الناسخ شيئًا ما من نسخة خطية يقوم بنسخها، أو يسقطه ويحل محله بما يراه أصوب وأصح، أو يذكره ويتعقبه برد عليه، لكن يصعب أن يكون ابن قرقول هو الذي كان يذكر الكلام موافقًا لأهل السنة والجماعة، ويأتي الناسخ فيسقط هذا الكلام ويذكر ما يوافق منهج الأشاعرة من تأويل للصفة! خاصة وأنَّا قدَّمنا أن ابن قرقول لم يغير شيئًا كثيرًا في الكتاب، والله تعالى أعلم.
وعلى كلٍ فهذا خطأ كبير، فكيف يروق لناسخ أن يغير في كلام المصنف بما يخالف قصده، أو أن يسقطه أو أن يرد عليه في صلب الكتاب؟!. فالناسخ عليه أن ينقل ما كتبه المصنف صاحب الكتاب، وما كان من تعليق أو اعتراض أو تصويب فليكتبه في الهامش وليحرره، والله أعلم.
[ ١ / ١١٢ ]