أرى أنه ينبغي لكل من تناول كتابًا ما أو جزءًا بالتحقيق والدراسة - سيما لواحد من العلماء المتقدمين - أن يوقف قارئ هذا الكتاب أو الجزء على عقيدة مصنف الكتاب: هل هو على منهج أهل السنة والجماعة، أم ممن يحيدون عن إثبات صفات الله ﷿ له كما يليق به سبحانه كالأشاعرة المؤولة مثلًا؛ وذلك ليكون القارئ على بينة من عقيدة المصنف - قبل الخوض في قراءة الكتاب أو مذاكرته، خاصة وأن بعض هذِه التأويلات ممن عقيدته أو منهجه مخالفًا لمنهج أهل السنة، تكون غامضة لا يعرفها كل أحد ولا يدركها كل مطلع، فكثيرًا من هؤلاء العلماء كان يخفي عقيدته المخالفة ويدسُّها بين السطور، ومن المشهور في ذلك مثلًا الإِمام الزمخشري وهو معروف بالاعتزال - نسأل الله السلامة والهداية - سيما كتابه "الكشاف" في تفسير القرآن، فقد قال السيوطي في "الإتقان في علوم القرآن" ٢/ ٥٠١: قال البلقيني: استخرجت من "الكشاف" اعتزالًا بالمناقيش. فرأيت أن أذكر في هذا المبحث طرفًا من ذلك؛ ليكون مُطَالِع "المطالع" على بصيرة من عقيدة المصنف، بل ومن عقيدة القاضي عياض صاحب
[ ١ / ٦١ ]
الكتاب الأصل "مشارق الأنوار" فأقول: لقد نقل ابن قرقول في هذا الكتاب عقيدة الأشاعرة، إذ هي عقيدة حكام البلاد وملوكها وغالب العلماء في ذلك الوقت، هذا سبب، والسبب الآخر أنه في المسائل التي نحا فيها منحى الأشاعرة من تأويل صفة أو نحو ذلك، إنما اتبع فيها القاضي عياض في كتابه "مشارق الأنوار" الذي هو أصل كتابنا هذا، والقاضي عياض من الأشاعرة المعروفين في ذاك الوقت، يتجلى ذلك لمن يطالع "مشارق الأنوار"، وغيره من كتب القاضي عياض ككتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" وغيره.
وتتضح أشعرية ابن قرقول في تأويله كثيرًا من الصفات التي يؤولها الأشاعرة، فهم لا يثبون إلا سبع صفات فقط ويؤولون الباقي، هذِه السبع هي: الحياة والسمع والبصر والعلم والقدرة والكلام والإرادة، وقد نظمها بعضهم فقال:
له الحياة والكلام والبصر سمع إرادة وعلم واقتدار
ويسمونها الصفات المعنوية، ويقولون: إن نصوص السمع والعقل تضافرت عليها! ويتفقون مع المعتزلة في نفي ما عدا هذِه السبع من الصفات الخبرية التي صح بها الخبر.
ونذكر هنا بعض الأمثلة التفصيلية على ذلك: فمن ذلك ما ذكره ابن قرقول ١/ ٢٧٢ في حرف الهمزة مع النون في الكلام على قوله - ﷺ - عن رب العزة ﷾: "نور أني أراه" قال: (لا يكون النور ها هنا راجعًا إلى الذات ولا إلى صفات الذات، ولا يكون بمعنى
[ ١ / ٦٢ ]
هو نور، ولا يفهم منه ما يفهم من الأجسام اللطيفة المنيرة، هذا كله في وصف الباري محال يتنزه عن ذلك، وكذلك لا يجوز أن يعتقد أنه ينفصل منه نور، فكل ذلك من صفات المحدثين، بل هو خالق كل نور ومنور كل ذي نور). اهـ.
هذا كلامه، جليٌّ فيه تأويلات الأشاعرة وتحميلهم الألفاظ والعبارات ما لا تحتمله، وما لا داعي له أو حاجة، والمقرر عند أهل السنة والجماعة، أن النور المضاف إليه جل وعلا نوعان: الأول: نور هو صفته سبحانه، فهو جل وعلا نور، ومن أسمائه النور جل وعلا، وهذا النور من صفاته غير مخلوق.
الثاني: نور مخلوق، وهذا النور المخلوق يبتدئ من الحجاب، قال - ﷺ -: "حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أنتهى إليه بصره من خلقه" [رواه مسلم (١٧٩)] فالحجاب نوره هذا مخلوق فيه، وتعالى الله جل وعلا وتقدس، وكذلك نور السموات والأرض ما فيها من نور هو مخلوق.
وللاستزادة انظر: "مجموع الفتاوى" ٦/ ٣٧٤ - ٣٩٦.
وكذلك قوله في ١/ ٢٩٦ في حرف الهمزة مع الصاد في الكلام على قوله - ﷺ -: "قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن" قال: (الإِصبع هنا صفة سمعية لا يزاد على ذلك، وإليه ذهب أبو الحسن -[أي الأشعري]- وجماعة من أصحاب الحديث، وقيل: إصبع من أصابع ملائكته، أو تكون خلقًا من خلقه سماه إصبعًا! وقيل: هي كناية عن القدرة أو النعمة!! وقيل: هو مثل في أنه لا تعب عليه في الأفعال وإظهار المخلوقات ..).
قلت: تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
وغير ذلك مما رُدّ عليه وعُلِّق في موضعه من الكتاب، والله أعلم.
هذا وننبه أنه سيأتي إشارة عند الكلام والتوصيف للنسخ الخطية المعتمدة
[ ١ / ٦٣ ]
في الكتاب، إلى اختلاف النسخ الخطية في إيرادها لتأويل بعض الصفات وذكرها، ما بين مثبت للكلام كما هو في "المشارق" مؤولًا، وما بين مسقط لهذِه التأويلات، مكتفيًا بذلك، أو مستبدلًا لهذِه التأويلات بذكر الصحيح من اعتقاد أهل السنة والجماعة، فلا يعلم أهذا من صنع النساخ أم ممن؟ فانظره هناك مفصلًا.