أثناء اشتغالنا بالكتاب لاحظنا أمورًا أحببت أن أذكر شيئًا منها:
١ - المواضع التي كان المصنف يستشهد بها من الأحاديث كان يذكرها تبعًا للقاضي بالمعنى، وكان جلها كذلك، فقلما بل نادرًا ما يذكر قطعة من حديث بنصه، خاصة إذا أطال القطعة المستشهد بها، وهذا كان يترتب عليه صعوبة ومجهود في التخريج والإحالة والتشكيل.
٢ - من المعلوم ضرورة عن هذا الكتاب أنه يتناول تفسير وشرح غريب "الموطأ" والصحيحين لا غير، لكن وجدنا المصنف وتبعًا أيضًا للقاضي يذكر مواضع من أحاديث ليست في الكتب الثلاث، وهذا تكرر كثيرًا، فكنا نجد بعضها في كتب السنن والمسانيد المعروفة، وبعضها ما كنا نجده إلا في كتب الغريب واللغة غير مسند، بل وبعضها لم نكن نجده في الكتب المطبوعة!
٣ - لما كان ابن قرقول ينقل من "المشارق" - الأم - وهو الأصل فكان كثيرًا ما يحكي عبارة القاضي أو ينقلها بالمعنى أو يتصرف فيها فيزيد فيها وينقص، مما أوقعه في بعض الأوهام والأغلاط، فما كان غالبًا يحيد عن القاضي في العبارة ويخرج شيئًا من جعبته إلا يهم ويزل، فمن ذلك - وهو أعجبه - أن القاضي ذكر في فصل مشكل الأسماء في حرف الهمزة ١/ ١٨٤ قال: (في الغيلة عن جدامة ) كذا عبارة القاضي، فلما أتى عليها ابن قرقول ١/ ٤٠٦ - ٤٠٧ نقلها متصرفًا فقال: (وفي باب القبلة للصائم عن جدامة )! كذا جاء في جميع النسخ الخطية: (القبلة للصائم)، فقرأ ابن قرقول: (الغيلة): (القبلة) وهو تصحيف عجيب، تبعه زيادة بيان أرادها ابن قرقول فأخطأ؛ ففي الأصل ألا وهو "المشارق" ١/ ١٨٤: (الغيلة). بالغين المعجمة والياء آخر الحروف، فتصحفت على المصنف
[ ١ / ١١٩ ]
إلى: (القبلة). بالقاف المنقوطة باثنتين والباء ثانية الحروف، ثم زاد من عنده: (للصائم) كأنها زيادة بيان منه! والحديث ليس له صلة بقبلة الصائم، فنص الحديث: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الغِيلَةِ، فَنَظَرْتُ في الرُّومِ وَفَارِسَ، فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلاَدَهُمْ فَلاَ يَضُرُّ أَوْلاَدَهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا". ثمَّ سَأَلُوهُ عَنِ العَزْلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "ذَلِكَ الوَأْدُ الخَفِيُّ".
ومن ذلك أيضًا قوله في حرف الجيم، في الجيم مع الميم ٢/ ١٣٦: (قوله: "يَرْمِي الجَمْرَتَيْنِ" هي ها هنا اسم لموضع الرمي) كذا عبارته - ﵀ - وهو عجيب؛ فالمتن الذي ذكره: "يَرْمِي الجَمْرَتَينِ" ورواه البخاري قبل حديث (١٧٥١): "باب إِذَا رَمَى الجَمْرَتَينِ يَقُومُ " إنما المعني به الجمرات نفسها قطع الحجارة هذِه، فلا يفهم منه أبدًا أنه موضع الرمي كما ذكر المصنف، وأوقعه في ذلك تصرفه في نقل عبارة القاضي في "المشارق" ١/ ٤١١ قال: (وذكر الجمرتين موضع الرمي) فهذِه عبارته، مستقيمة لا شيء فيها، فلعل القاضي قصد ما ذكره البخاري قبل حديث (١٧٥٣): "باب الدُّعَاءِ عِنْدَ الجَمْرَتَينِ" وهذا النص لا شك أن المفهوم منه إنما هو موضع الرمي، والله أعلم.
ووقع نحو هذا عديدًا مما لا يتسع المقام لذكره جميعًا وحصره. فهذِه الملاحظة وسابقتاها أُراها أنها من المؤاخذات والانتقدات التي تؤخذ على الكتاب.
٤ - وجدنا أن المصنف عندما يعزو موضعًا ما لـ "موطأ يحيى" ثم يذكر إصلاحًا ما لابن وضاح - ومن المعروف أن لابن وضاح إصلاحات في "موطأ يحيى" - فنذهب لنخرج هذا الموضع من "الموطأ" فنجده على الوجه الذي هو من إصلاح ابن وضاح، وهذا تكرر كثيرًا جدًّا، بل هو هكذا في جل
[ ١ / ١٢٠ ]
المواضع التي عزا فيها المصنف للموطأ، لذا اعتقدنا أن نسخة "موطأ يحيى" التي هي بين أيدينا اليوم، لعلها هي النسخة التي أصلح فيها ابن وضاح، أو على الأقل التي أُدخل فيها بعض هذِه الإصلاحات، والله أعلم.