" الإِذْخِرُ" (١): حشيشة معروفة، طيبة الريح تقع في الأودية (٢) المفردة، ويصنع منها شراب.
قوله: "مَا أَذِنَ اللهُ لِشَئءٍ كَأَذَنِهِ" (٣) بفتح الذال في المصدر، وكسرها في الماضي، ومعناه: استمع كاستماعه، وهو استعارة للرضا والقبول لقراءته وعمله والثواب عليه، وهو تعالى لا يشغله شأن عن شأن، ووقع في مسلم من رواية يحيى بن أيوب في هذا الحديث: "كَإذْنِهِ" (٤) من الإذن الذي هو الإباحة والإطلاق، والأول أولى بمعنى الحديث، وأشهر في الرواية.
وقد غلَّط الخطابي هذِه الرواية (٥)؛ لأن مقصد الحديث لا يقتضي أنه أراد الإذن، والفعل من هذا أيضًا (أذن) كالأول، وإذا كان بمعنى الإعلام، قيل فيه: آذَن إيذانًا، وفي (٦) خطبة عتبة بن غزوان: "إَنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِصُرْمٍ" (٧)
_________________
(١) البخاري (١١٢، ٢٤٣٤، ٦٨٨٠)، مسلم (١٣٥٥) عن أبي هريرة، والبخاري (١٢٧٦، ٤٠٤٧، ٤٠٨٢، ٦٤٤٨)، مسلم (٩٤٠) عن خباب بن الأرت، والبخاري (١٣٤٩، ١٨٣٣، ١٨٣٤، ٢٠٩٠، ٣١٨٩، ٤٣١٣)، مسلم (١٣٥٣) عن ابن عباس، والبخاري (٥٢١١)، مسلم (٢٤٤٥) عن عائشة.
(٢) في (س): (الأدوية)، والمثبت الصواب.
(٣) مسلم (٧٩٢/ ٢٣٤) عن أبي هريرة.
(٤) السابق.
(٥) "إصلاح غلط المحدثين" ص ٦٢ - ٦٣.
(٦) في (س): (وفي الحديث).
(٧) مسلم (٢٩٦٧).
[ ١ / ٢٢٨ ]
أي: أعلمت وأشعرت بانقطاع ومباينة، ومثله: "فَآَدِنُوني بِهَا" (١)، و"فآذَنَ النَّبِيّ - ﷺ - بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا" (٢) كله بمعنى: أَعْلَمَ، وكذلك بالصلاة: و"حَتَّى يُؤْذَنَ بِالصَّلَاةِ" (٣) في حديث الوتر، و"فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ" (٤). وإذا كان من الأذان والنداء قيل: أَذَّن. ومنه: "فَأذَّنَ بِالرَّحِيلِ" (٥)، و"أَذَّن بِالْحَجِّ" (٦)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وفي "الموطأ" في حديث ابن عمر: "فَأُوذِنَ بِالصَّلَاةِ في لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ" - كذا رواية أبي عيسى - من الإعلام، ورواه غيره: "فأُذِن" من الأذان، ورواه آخرون: "فأَذَّن" (٧) بفتح الهمزة، من الأذان أيضًا، وكذلك رواه البخاري (٨).
_________________
(١) في (س): (فآذنوا بها)، وهي ساقطة من (د، أ، ظ)، والمثبت من "المشارق" ١/ ٧٦. وهو ما في "الموطأ" ١/ ٢٢٧ من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف. فلعل ما في (س) تحريف.
(٢) البخاري (٤٤١٨، ٤٦٧٧، ٦٢٥٥، ٧٢٢٥)، مسلم (٢٧٦٩) من حديث كعب بن مالك.
(٣) البخاري (١١٦١) عن عائشة.
(٤) البخاري (١٣٨، ٦٣١٦)، مسلم (٧٦٣) عن ابن عباس، والبخاري (٦٣٣) عن أبي جحيفة.
(٥) البخاري (٢٦٦١،١٥٦٠، ٤١٤١، ٤٧٥٠)، مسلم (٢٧٧٠،١٢١١) عن عائشة، لكن فيها: "فَآذَنَ بِالرَّحِيلِ" ممدود. وقال الحافظ في "الفتح" ٨/ ٤٥٨: آذن بالمد والتخفيف، وبغير مد والتشديد كلاهما بمعنى: أعلم بالرحيل.
(٦) رواه ابن خزيمة ٤/ ١٣٨، ١٦٤ (٢٥٣٤، ٢٦٠٣) عن جابر.
(٧) "الموطأ" ١/ ٧٣.
(٨) البخاري (٦٦٦)، ورواه أيضًا مسلم (٦٩٧).
[ ١ / ٢٢٩ ]
وقوله أيضًا [في] (١) ركعتي الفجر "والأذَانُ بِأُذُنَيْهِ" (٢) يريد تعجيله بهما، وقد فسره في الحديث بنحو هذا، فقال: أي: بسرعة (٣). والأذان ها هنا يراد به: إقامة صلاة الصبح.
قوله: "يَسْتَرْقُوا (٤) مِنَ الحُمَةِ والْأُذُنِ" (٥) يعني: وجع الأذن، وأما: "الْحُمَة" فستأتي في باب الحاء.
قوله: "وأَذَّنَ المُؤَذِّنُونَ" كذا في "الموطأ" ليحيى بن يحيى بالجمع (٦)، ولغيره بالإفراد، وكذا أصلحه ابن وضَّاح، والصواب الجمع؛ لأن ابن حبيب (٧) روى أن النبي - ﷺ - كان له ثلاثة مؤذنين بالمدينة (٨) يؤذنون واحدًا بعد واحد (٩). ويحتمل أن يريد من روى: "المُؤَذِّن" بالإفراد: الجنس لا الواحد.
_________________
(١) ما بين الحاصرتين ليس في نسخنا الخطية، وإنما أثبتناه؛ ليستقيم السياق.
(٢) البخاري (٩٩٥)، مسلم (٧٤٩) من حديث ابن عمر، وفيه: "وَيُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الغَدَاةِ، وَكأَنَّ الأذَانَ بِأُذُنَيْهِ".
(٣) هو قول حماد بن زيد راوي الحديث في البخاري.
(٤) في (ظ): (يسترقون).
(٥) البخاري (٥٧٢١) من حديث أنس.
(٦) "الموطأ" ١/ ١٠٣ عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي.
(٧) محمَّد بن حبيب - وقيل: هي أمه - أبو جعفر، - صاحب كتاب "المحبر". كان عالمًا بالنسب وأخبار العرب موثقًا في روايته. مات سنة خمس وأربعين ومائتين. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" ٢/ ٢٧٧، "الأنساب" ١٢/ ١١١.
(٨) الحديث رواه إسحاق بن راهويه في "مسنده" ٣/ ٨٥٨ - ٨٥٩ (١٥٢٢ - ١٥٢٣)، وابن خزيمة في "صحيحه" ١/ ٢١٢ (٤٠٨)، والبيهقي ١/ ٤٢٩ أو صححه من حديث عائشة، وصححه أيضًا الألباني في "صحيح أبي داود" ٣/ ٤٧ - ٤٨. وهو عند مسلم (٣٨٠) لكن فيه: "مُؤَذِّنَانِ".
(٩) انظر قوله في: "النوادر والزيادات" ١/ ٤٦٧، "الفواكه الدواني" ٢/ ٦٢١.
[ ١ / ٢٣٠ ]
قوله في حديث إيراد المُمْرِض على المُصِحِّ: "فَإِنَّهُ أَذًى" (١) يعني: مكروهًا، وظاهره أن المصحَّ يتأذى بذلك؛ إما لكراهية النفوس ذلك، أو من أجل العدوى، وكراهية التعرض لذلك.
وقيل: معناه أنه يأثم فيحتمل أن يعود على فاعل ذلك؛ لما يدخل على المصح من كراهية جواره وتأذيه به، ويحتمل أن يعود على المصح؛ لأنه ربما عرضه لاعتقاد التطير والعدوى إن جربت إبله، فهو يأثم بهذا الاعتقاد.
وفي أيام الجاهلية: "إِذْ أَقْبَلَتِ الْحُدَيَّةُ" (٢) كذلك لهم إلاَّ الأصيلي فإن عنده: "إِذَا أَقْبَلَتِ" وهو وهم.
في باب الرجز في الحرب: "وَثبِّتِ الأَقْدَامَ إِذا لَاقَيْنَا" كذا للمروزي، وعند الحموي والمستملي والجرجاني: "إِنْ لَاقَيْنَا" (٣) وهو الصواب والوزن، وكذا في غير هذا الموضع حيث تكرر من الكتابين.
وفي التفسير في آخر آل عمران: "وأَخَذَ بِأُذُنِي اليُمْنَى يَفْتِلُهَا" (٤)، وقع في كتاب الأصيلي: "وأَخَذَ بِيَدِي اليُمْنَى"، وهو تصحيفٌ من الأُذِن.
وفي حديث: مَثَلُ المُؤْمِنِ مَثَلُ النَّخْلَةِ قول ابن عمر: "فأرى أَسْنَانَ القَوْمِ" كذا لابن ماهان، ولغيره: "فَإِذَا أَسْنَانُ القَوْمِ" (٥) والأول أصوب، وللثاني وجه.
_________________
(١) "الموطأ" ٢/ ٩٤٦ من حديث ابن عطية مرسلًا.
(٢) البخاري (٣٨٣٥) عن عائشة، إلا أن فيه: "الحُدَيَّا".
(٣) البخاري (٢٨٣٧، ٣٠٣٤، ٤١٠٤، ٤١٠٦، ٦٦٢٠) من حديث البراء بن عازب، والبخاري (٤١٩٦، ٦١٤٨)، مسلم (١٨٠٢) من حديث سلمة بن الأكوع.
(٤) البخاري (٤٥٧٠ - ٤٥٧٢) من حديث ابن عباس، وكذا في "الموطأ" ١/ ١٢١، والبخاري أيضًا (٩٩٢،١٨٣، ١١٩٨)، مسلم (٧٦٣/ ١٨٢).
(٥) مسلم (٢٨١١).
[ ١ / ٢٣١ ]
وفي حديث مرض النبي - ﷺ - الذي مات فيه: "أَتَاهُ يُوْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ" (١) كذا لهم، وله وجه على الحذف، أي: أتاه بلال، أو أتاه مُؤذنه يُؤذِنه، وعند ابن السكن: "مُؤذنُهُ" وهو أبين.
وفي حديث الرؤية وتقرير الله - ﷿ - نعمه على عبيده، في آخر "صحيح مسلم": "ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ" إلى قوله: "فَيَقُولُ (٢): هَا هُنَا إِذن (٣) " (٤) كذا هو عند أبي بحر وغيره، ومعناه: اثبت مكانك إذًا حتى تفتضح في دعواك. وفي بعض الروايات مكان "إِذن": "ادْن" من الدنو، والرواية الأولى أصح في المراد بالحديث ومفهومه، وسقطت الكلمة عند القاضي أبي علي للعذري، فيما ذكر لنا ابن معدان (٥).
قول عمر في حديث تخيير النبي -ﷺ- نساءه: "فَجَلَسْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَيْهِ إِزَارُهُ" كذا لابن ماهان، وكذا رويناه من طريق أبي بحر (٦)،
_________________
(١) البخاري (٧١٢) هكذا هو في صلب اليونينية ١/ ١٤٣، وأشار في الهامش أنه وقع في نسخة للأصيلي بزيادة (بلال) أي: "أَتَاهُ بِلَالٌ يُوْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ"، وهو ما في النسخ المطبوعة.
(٢) تحرفت في نسخنا الخطية إلى: (تنزل)، والمثبت كما عند مسلم، وفي "المشارق" ١/ ٧٨.
(٣) في (س، د): (إذن)، والمثبت كما عند مسلم، و"المشارق" ١/ ٧٨.
(٤) مسلم (٢٩٦٨) عن أبي هريرة.
(٥) هو علي بن إبراهيم بن علي بن أحمد بن عمر معدان الأنصاري أبو الحسن المعروف بابن اللوان شيخ المصنف. تقدمت ترجمته في مقدمة الكتاب.
(٦) سفيان بن العاص بن أحمد بن العاص بن سفيان بن عيسى، أبو بحر الأسدي المُرْبَيْطَرِي، الإمام، المتقين، النحوي، نزيل قرطبة، توفي سنة عشرين وخمسمائة. انظر ترجمته في: "الصلة" ١/ ٢٣٠، "سير أعلام النبلاء" ١٩/ ٥١٥، "شذرات الذهب" ٤/ ٦١.
[ ١ / ٢٣٢ ]
ورويناه من طريق القاضي أبي علي والخشني (١): "فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ" (٢) وهي رواية الجلودي، والأول الصواب؛ لأن مقصد الحديث أن عمر أراد أن يصف الهيئة التي وجده عليها.
_________________
(١) عبد الله بن أبي جعفر: محمَّد بن عبد الله بن أحمد، أبو محمَّد الخشني المُرْسِيُّ، العلامة الفقيه، يعرف بابن أبي جعفر، الإِمام العلامة، فقيه المغرب، شيخ المالكية، انتهت إليه الإمامة في معرفة المذهب، وكان رأسا في التفسير، له معرفة بالحديث. مات سنة ست وعشرين وخمسمائة. انظر ترجمته في: "الصلة" ١/ ٢٩٤، "سير أعلام النبلاء" ١٩/ ٦٠٢.
(٢) مسلم (١٤٧٩) من حديث عمر.
[ ١ / ٢٣٣ ]