قوله - ﷺ -:"أَرِبَ مَالَهُ" (١)، ويروى: "أَرِبٌ مَالَهُ" اسم فاعلٍ مثل حَذِر، ورواه بعضهم: "أَرَبٌ مَالَهُ" (٢)، ورواه أبو ذرٍّ: "أَرَبَ مَالَهُ" بفتح الهمزة والراء والباء (٣)، فمن كسر الراء جعله فعلًا (٤) معناه: احتاج فسأل عن حاجته، قاله ابن الأعرابي (٥).
وقد تكون بمعنى: تفطن لما سأل عنه وعقل، يقال: أَرِبَ - إذا عقل - إربًا وإربةً فهو أريبٌ.
وقيل: هو تعجب من حرصه، ومعناه: لله دره، قاله ابن الأنباري، أي: فعل فِعل العقلاء في سؤاله عما جهله.
وقيل: هو دعاءٌ عليه، أي: سقطت آرابه، وهي أعضاؤه، واحدها:
_________________
(١) اليونينية ٨/ ٥، وفيها أنها من رواية أبي ذر الهروي عن الحموي والمستملي.
(٢) البخاري (١٣٩٦، ٥٩٨٣) عن أبي أيوب الأنصاري.
(٣) وكذا قال القاضي عياض عن رواية أبي ذر في "المشارق" ١/ ٧٩، وقد تُعِقِّبَ قولُ القاضي هذا كما في هامش اليونينية ٨/ ٥ بعد أن ذُكِرَ فيها - كما تقدم - أن رواية أبي ذر: (أَرِبَ)؛ فليعلم هذا.
(٤) في (س): (فعلك).
(٥) محمَّد بن زياد بن الأعرابي، الأحول أبو عبد الله، الهاشمي مولاهم، النسابة، إمام اللغة، يروي عن: أبي معاوية الضرير والقاسم بن معن وأبي الحسن الكسائي. وعنه: إبراهيم الحربي وعثمان الدارمي وثعلب وشمر بن حمدويه وآخرون. ولم يكن في الكوفيين أشبه برواية البصريين منه، وكان يزعم أن أبا عبيدة. والأصمعي لا يعرفان شيئًا. قال الذهبي: له مصنفات كثيرة أدبية، وتاريخ القبائل، وكان صاحب سنة واتباع. مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" ٥/ ٢٨٢، "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ٦٧٨.
[ ١ / ٢٣٤ ]
إرب، كما قال: "تَرِبَتْ يَمِينُهُ" (١) و"عَقْرَى حَلْقَى" (٢) وليس المراد وقوع هذا الدعاء، لكن من عادة العرب استعمال هذِه الألفاظ في دعم كلامها، وإلى هذا المعنى ذهب الْقُتَبِيُّ (٣)، قال (٤): وإنما دعا عليه بهذا؛ لما رآه يزاحم ويدافع غيره.
وقد جاء في حديث عمر: "أَرِبْتَ عَنْ يَدَيْكَ" (٥) أي: تقطعت آرابك، أو سقطت. فهذا يدل على (٦) أنه لفظ مستعمل عندهم بمعنى الدعاء الذي لا يراد وقوعه، ومن قال: "أَرَبٌ مَالَهُ" فمعناه: حاجة جاءت به، قاله الأزهري (٧)، وتكون "مَا" زائدة، وفي سائر الوجوه استفهامية، ومن قال: "أَرِبٌ مَالَهُ" فمعناه: رجل حاذقٌ فطنٌ سأل عما يعنيه، والْأَرَبُ والْإِرْبَةُ والْإِرْبُ والْمَأربة: الحاجة. ولا وجه لقول أبي ذرّ: "أَرَبَ".
_________________
(١) "الموطأ" ١/ ٥١، البخاري (١٣٠)، مسلم (٣١٠) في قصة أم سليم. والبخاري (٤٧٩٦، ٦١٥٦)، مسلم (١٤٤٥/ ٦، ٨) من حديث عائشة، ولفظه عند الجميع: "تَرِبَتْ يَمِينُكَ".
(٢) البخاري (١٥٦١، ١٧٦٢، ١٧٧١ - ١٧٧٢، ٦١٧٥)، مسلم (١٢١١/ ١٢٨) عن عائشة.
(٣) في (د): (القتيبي).
(٤) هكذا في النسخ الخطية، وإنما هي مقحمة في السياق؛ فما بعدها ليس من كلام القتبي، كما يشير المعنى، لكنه استئناف من القاضي عياض لشرحه كما في "المشارق" ١/ ٧٩، وانظر كلام ابن قتيبة في "غريبه" ١/ ٤٥٧.
(٥) رواه أبو داود (٢٠٠٤)، وأحمد ٣/ ٤١٦. وحسن إسناده المنذري في "المختصر" ٢/ ٤٣٠، وصحح إسناده الألباني في "صحيح أبي داود" (١٧٤٩).
(٦) من (د).
(٧) "تهذيب اللغة" ١/ ١٤٣.
[ ١ / ٢٣٥ ]
وفي الحديث: "لَا أَرَبَ لِي فِيهِ" (١) أي: لا حاجة لي فيه، حكى كراع (٢): أرب الرجل: فاز بالقمر، وفي حديث عائشة - ﵂ -: "وأَيُّكُمْ أَمْلكُ لإِرْبِهِ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - " (٣) بكسر الهمزة رويناه، وفسروه: لحاجته،- وقيل: لعقله. وقيل: لعضوه - قال أبو عبيد (٤) والخطابي (٥): كذا يقوله أكثر الرواة، والإرب: العضو، وإنما هو لأَرَبه أو لأربته، أي: لحاجته، قالوا: الأَرَب: الحاجة أيضًا. قال الخطابي: والأول أظهر. وقد جاء في "الموطأ" من رواية يحيى: "أَيكُّمْ أَمْلَكُ لِنَفْسِهِ" (٦)، وأصلحه ابن وضاح: "لِإِرْبِهِ" وفي الحديث: "أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ إِرْبٍ مِنْه إِرْبًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ" (٧)، أي: بكل عضو عضوًا.
"الْأُرْجُوَانُ" (٨) بضم الهمزة وضم الجيم: الصوف الأحمر، وقال الفراء: هو الحمرة. وقال أبو عبيد: هو الشديد الحمرة، ولا يقال لكلِّ أحمر: أرجوان؛ حتى يكون شديد الحمرة (٩).
_________________
(١) البخاري (١٤١٢، ٧١٢١)، مسلم (١٥٧) عن أبي هريرة.
(٢) هو أبو الحسن علي بن الحسن بن الحسين الهُنائي الأزدي الدوسي الملقب بكراع النمل، قيل: الدمامة خلقته، وقيل: لقصره، له من التصانيف: "المنتخب"، و"المنجد"، و"المجرد" وغيرها، توفي سنة ست عشرة وثلاثمائة. انظر ترجمته في: "معجم الأدباء" ٤/ ٦ (٥٥٣)، "إنباه الرواة" ٢/ ٢٤٠.
(٣) البخاري (٣٠٢، ١٩٢٧)، مسلم (٢٩٣، ١١٠٦).
(٤) "غريب الحديث" ٢/ ٣٦٤.
(٥) "أعلام الحديث" ١/ ٣١٢، ٣/ ١٨٧٣، وانظر كذلك "معالم السنن" ٢/ ٩٨.
(٦) "الموطأ" ١/ ٢٩٣.
(٧) مسلم (١٥٠٩/ ٢١) عن أبي هريرة.
(٨) "الموطأ" ١/ ٣٥٤، مسلم (٢٠٦٩/ ١٠، ٢٠٧٨) من حديث ابن عمر.
(٩) "غريب الحديث" ٢/ ١٢٢.
[ ١ / ٢٣٦ ]
في الحديث: "مَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا" (١) بكسر الهمزة وإسكان الراء وفتح الدال وشد الباء، وهو ثلاثة أمداء، و"المُدْيُ" (٢) ساكن الدال، وسيأتي تفسيره في باب الميم.
قوله - ﷺ -:"إِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ" (٣) أصلُ هذِه الهمزة (واو) قلبت (ألفًا)؛ لمكان الكسرة، أي: إنكم على بقيةٍ من شِرْعَةِ إبراهيم، وأمره القديم.
قوله - ﷺ -:"إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى المَدِينَةِ" (٤) كذا لأكثرهم - بكسر الراء - في هذِه الأصول وغيرها، وكذا قيده الأصيلي بخطه، وزادني أبو الحسين بن سراج (٥): "لَيَأرُزُ" بضم الراء، وقيده بعضهم عن كتاب القابسي بفتح الراء، وحُكي عنه أنه هكذا سمعه من المروزي، ومعناه: ينضم ويجتمع، وقيل: يرجع، كما جاء في الحديث: "ليَعُودَنَّ كُلُّ إِيمَانٍ إلى الْمَدِينَةِ" (٦)
_________________
(١) مسلم (٢٨٩٦) من حديث أبي هريرة.
(٢) مسلم (٢٩١٣) من حديث جابر.
(٣) رواه أبو داود (١٩١٩)، والترمذي (٨٨٣)، والنسائي ٥/ ٢٥٥، وفي "الكبرى" ٢/ ٤٢٤ (٤٠١٠)، وابن ماجه (٣٠١١)، وأحمد ٤/ ١٣٧ من حديث ابن مِرْبَعٍ الأنصاري، ولفظه: "كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكمْ فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ إِبْرَاهِيمَ". والحديث صححه ابن خزيمة ٤/ ٢٥٥ (٢٨١٩)، والحاكم ١/ ٤٦٢، والألباني في "صحيح أبي داود" (١٦٧٥).
(٤) البخاري (١٨٧٦)، مسلم (١٤٧) من حديث أبي هريرة.
(٥) ابن سراج بن عبد الله، الإِمام أبو الحسين ابن العلامة اللغوي أبي مروان، النحوي اللغوي الأخباري الأديب الشاعر، كان عالم الأندلس في وقته، روى عنه القاضي عياض وغيره، توفي سنة ثمان وخمسمائة. انظر ترجمته في: "الصلة" ١/ ٢٢٧ (٥١٩)، "معجم الأدباء" ٣/ ٣٥٩ (٤٣٧)، "سير أعلام النبلاء" ٣٥/ ١٥٩، "الوافي بالوفيات" ١٥/ ١٢٨.
(٦) رواه الحاكم ٤/ ٤٥١، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذِه السياقة.
[ ١ / ٢٣٧ ]
وفي كتاب "الدلائل": أَرَزَتِ الحية: إذا رجعت على ذنبها القهقرى في جحرها.
وقوله: "كَمَثَلِ الأَرْزَةِ" (١) بفتح الهمزة وسكون الراء (٢) - كذا الرواية - وهو شجر الأرز، وهو شجر الصنوبر، ويقال له: الأرزن، أيضًا.
وقال أبو عبيدة (٣): إنما هو الآرِزة على وزن فاعلة، ومعناها: الثابتة في الأرض. وأنكر هذا أبو عبيد، وصحح ما تقدم (٤)، وقد جاء مفسرًا في حديث قيل فيه: "كَمَثَلِ شَجَرَةِ الْأَرْزِ (٥) " (٦) وجاء في الزكاة ذكر: "الْأُرْزُ" (٧)، وفي حديث الثلاثة أصحاب الغار: "فَرَقٍ مِنْ أَرُزٍّ" (٨)، وفيه ست لغات: أَرُزٌّ وأُرُزٌّ وأُرُزٌ ورُزٌ ورُنْزٌ وأُرْزٌ.
_________________
(١) البخاري (٥٦٤٤، ٧٤٦٦) عن أبي هريرة، ومسلم (٢٨١٠) عن كعب بن مالك.
(٢) ورد بهامش (د): حاشية: ونَصَّ على تحريكها غير واحدٍ، منهم: ابن الأثير في "نهايته"، والجوهري في "صحاحه". اهـ. قلت: انظر "النهاية" ١/ ٣٨، "الصحاح" ٣/ ٨٦٣.
(٣) هو معمر بن المثنى التيمي، مولاهم البصري، النحوي، الإِمام العلامة البحر، صاحب التصانيف، حدَّث عنه ابن المديني، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وعمر بن شبَّة، وعدة، من مصنفاته: "مجاز القرآن"، "غريب الحديث"، "مقتل عثمان"، وقيل: إن مصنفاته تقارب مئتي مصنف، مات سنة تسع ومائتين، وقيل: سنة عشر. انظر "وفيات الأعيان" ٥/ ٢٣٥، "مرآة الجنان" ٢/ ٤٤ - ٤٦، "سير أعلام النبلاء" ٩/ ٤٤٥ - ٤٤٧، وغيرها.
(٤) "غريب الحديث" ١/ ٧٧.
(٥) في (س): (الأَرَزَةِ)، وهي ساقطة من (د، أ)، والمثبت كما في "المشارق" ١/ ٨١، و"صحيح مسلم".
(٦) مسلم (٢٨٠٩) من حديث أبي هريرة.
(٧) "الموطأ" ١/ ٢٧٢.
(٨) البخاري (٢٣٣٣، ٣٤٦٥، ٥٩٧٤)، مسلم (٢٧٤٣) من حديث ابن عمر.
[ ١ / ٢٣٨ ]
في حديث ابن الأكوع: "جَعَلْتُ عَلَيْهِ آرَامًا" (١) يعني: حجارة مجتمعة توضع علمًا يهتدى به، واحدها: إرَمٌ. وقال بعضهم: "أَمَارًا" أو: "أَمَارَةٌ"، أي: علامة.
قال ابن قرقول: وهذا لا يحتاج إليه مع صحة الرواية، ولأن تلك الحجارة علامة.
قوله: "فَأَرَمَّ القَوْمُ" (٢) يذكر في حرف الراء.
قوله: "وعَلَى أَرْنبَتِهِ أَثَرَ الطِّينِ" (٣) أرنبة الأنف: طرفه المحدد، وَحَدُّهَا من عظم المارن.
قوله في الجنازة: "مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ" (٤) يعني: من أهل الذمة الذين أُقروا بأرضهم.
قوله: "أَرِقَ النَّبِيُّ - ﷺ -" (٥) أي: سَهِر فلم يقدر على أن ينام، وفيه لغتان: فتح الراء وكسرها، والمصدر منه: الأرق، ومنه: بات أَرِقًا، بالكسر اسم الفاعل، مثل: حَذِر.
وقوله: "أَرَاقَ المَاءَ" (٦) كناية عن البول، وهذا هو الأصل، ثم تبدل الهمزة هاءً فيقال: هَرَاق الماءَ يُهَرِيقُه، وأَهْرَقْتُ الماءَ فأنا أُهْرِيقُه، بسكون الهاء فيهما.
_________________
(١) مسلم (١٨٠٧).
(٢) مسلم (٤٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري، (٦٠٠) من حديث أنس.
(٣) البخاري (٨١٣، ٢٠٣٦، ٢٠٤٠)، مسلم (١١٦٧/ ٢١٦) عن أبي سعيد الخدري.
(٤) البخاري (١٣١٢)، مسلم (٩٦١) من حديث قيس بن سعد وسهل بن حنيف.
(٥) البخاري (٧٢٣١)، مسلم (٢٤١٠) عن عائشة.
(٦) مسلم (١٢٨٠) عن ابن عباس.
[ ١ / ٢٣٩ ]
وقولها: "كَانَتْ تُهَرَاقُ الدّمَاءَ" (١)، "الدّمَاء" نصب على التشبيه بالمفعول به، أو على التمييز عند الكوفيين، وفيه وجه آخر، وذكرته في هذا الكتاب، وهو أن يكون: "الدِّمَاءَ" مفعولةً بـ "تُهَرَاقُ"؛ لأن معناه: تُهَرِيق الدماء، لكنهم عدلوا بالكلمة إلى وزن ما في معناها، وهي في معنى تستحاض، ولهذا بيان لا يحتمله هذا الموضع.
قوله "تَحْتَ الأرَاكِ مُعَرِّسِينَ" (٢)، "الأرَاكُ": شجر معلوم بمكة، يريد فيستترون به.
قوله (٣): "الْأَرِيسِيِّينَ" (٤) هكذا لجُلِّ الرواة، وروى المَرْوزِي: "الْيَرِيسِيِّينَ" (٥) وكذلك لِلنَسفي، ورواه الجُرْجَاني: "الأرْيَسِيِّينَ"، ورواه بعضهم في غير الصحيحين: "الْأَرِيسِيْنَ" (٦). قال أبو عبيد: هذا هو المحفوظ (٧)، فمن قال: "الأَرِيسِيينَ" فتفسيره عندهم: أتباع عبد الله بن أريس، رجل في الزمان الأول، بعث الله نبيًّا فخالفه هو وأتباعه، وأنكر
_________________
(١) "الموطأ" ١/ ٦٢ عن أم سلمة.
(٢) مسلم (١٢٢٢) عن عمر، وفيه: "وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا مُعرسينَ بِهِنَّ في الْأرَاكِ".
(٣) ساقطة من (س).
(٤) البخاري (٧، ٢٩٣٦، ٢٩٤١، ٤٥٥٣)، مسلم (١٧٧٣).
(٥) اليونينية ١/ ٩، وفيها أنها صحَّت عند أبي ذرٍّ والأصيلي، وكذا ابن عساكر وأبي الوقت، وهي عند مسلم أيضًا (١٧٧٣).
(٦) رواه ابن حبان في "الثقات" ٢/ ٥ من حديث أبي سفيان، وانظر حاشية المحقق هناك مع "شرح البخاري" للكرماني.
(٧) "الأموال" ص ٢٨، إلا أنه تحرَّف في المطبوع: "الأرسيين"، وقول أبي عبيد هذا ردَّه الطحاوي عليه كما في "تحفة الأخيار بترتيب شرح مشكل الآثار" ١/ ٩٤ بتحقيقنا.
[ ١ / ٢٤٠ ]
ابن القزاز (١) هذا التفسير. ورواية من قال: "الأرْيَسيِّينَ"، وقيل: هم الأَرُوسِيُّون، وهم نصارى أتباع عبد الله بن أروس، وهم الأروسية، متمسكون بدين عيسى، لا يقولون: هو ابن.
قال الهروي (٢) عن ثعلب: يقال: أَرِسَ يَأرَسُ، وأَرَسَ يَأرِسُ: صار أريسًا، وأَرَّسَ يُؤَرِّسُ مثله، والجمع: أريسون (بالفتح والتخفيف، وإذا شددت الراء من أرَّس فمعناه (٣) صار إرِّيسًا - بالكسر، والشدِّ في الراء- والجمع أُرِّيسون) (٤) بضم الهمزة (وهم الْأَكَرَةُ) (٥)، وقيل: هم الملوك الذين يخالفون أنبياءهم. وقيل: الخدمة والأعوان. وقيل: المتبخترون.
وفي مصنف ابن السكن: يعني: اليهود والنصارى - فسره في الحديث - ومعناه: أن عليك إثم رعاياك وأتباعك ممن صددته عن الإِسلام؛ فاتبعك على كفرك، كما قال الذين استضعفوا للذين استكبروا: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١]، وقالوا: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]، وكما في بعض طرق هذا الحديث: "وإِلَا فَلَا تَحُلْ بَيْنَ الفَلَّاحِينَ وبَيْنَ
_________________
(١) إبراهيم بن محمَّد بن بازي أبو إسحاق، ابن القزاز القرطبي. فقيه عالم ورع زاهد فاضل حافظ للفقه بصير بالحديث مقرئ للقرآن رأس فيه، توفي سنة أربع وتسعين ومائتين. انظر ترجمته في: "تاريخ العلماء" ١/ ١٨، "الإكمال" ٧/ ٥٣.
(٢) "الغريبين" ١/ ٦٥ - ٦٦، وفيه: عن ثعلب عن ابن الأعرابي.
(٣) ساقطة من (د).
(٤) العبارة فيما بين القوسين ساقطة من (س).
(٥) ما بين القوسين ساقط من (د، أ، ظ).
[ ١ / ٢٤١ ]
الإِسْلَامِ" (١). قال أبو عبيد: ليس الفلاحون ها هنا الزرَّاعين (٢) خاصَةً، لكن جميع أهل المملكة؛ لأن كل من زرع أو زارع فهو عند العرب فلاحٌ، تولى ذلك بنفسه أو تُولي له (٣)؛ فيدل على ما قلناه قوله في حديثٍ آخر: "فَإِنْ أَبَيْتَ فَإنَّا (٤) نَهْدِمُ الكُفُورَ، وأَقْتُلُ الأرِيسِيِّينَ، وإِنِّي أَجْعَلُ إِثْمَ ذَلِكَ في رَقَبَتِكَ" الكُفُور: القرى، الواحدة: كَفْر.
في الحديث: "ارْكُوا هَذَيْنِ" (٥) يعني: أخروهما وألزموهما حالهما، يقال: أركيتُ الأمر: أخَّرْتُه، وأركيت في الأمر: تأخَّرْتُ، وأركيتُ على فلان قولًا أو فعلًا إذا ضاعفته عليه وأثقلته، وأركيت الشيء في عنقه ألزمته إياه.
قوله: "دَخَلَ أَرِيكَةً" (٦) الأريكة: السرير في الحَجَلة، ولا يقال للسرير منفردًا: أريكةٌ؛ حتى يكون في حجلة. وقال الأزهري: كل ما اتكئ عليه فهو أريكة، وجمعها: أرائك (٧). وكأنه أخذه من ظاهر قوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦]، والأول ها هنا أشبه، والدخول لا يكون إلاَّ في حجاب يتوارى فيه.
_________________
(١) رواه أبو عبيد في "الأموال" ص ٢٧ (٥٥)، والحارث بن أبي أسامة في "مسنده" كما في "بغية الباحث" (٦٣٩)، وكما في "إتحاف الخيرة المهرة" ٥/ ٢٧٣ (٤٦٥٢) من حديث عبد الله بن شداد.
(٢) في (أ): (الزارعون).
(٣) "الأموال" ص ٢٨.
(٤) في النسخ الخطية: (فإنه)، والمثبت من "المشارق" ١/ ٨٤.
(٥) "الموطأ" ٢/ ٩٠٩، مسلم (٢٥٦٥) عن أبي هريرة. وورد بها مش (س): (أركوا): لغة في: أرجوا، قاله ابن السيد.
(٦) مسلم (٣٠١٤) من حديث عبادة بن الصامت.
(٧) "تهذيب اللغة" ١/ ١٤٩.
[ ١ / ٢٤٢ ]
قوله - ﷺ - وقد قيل له: "إِنَّا لَاقُو العَدُوِّ غَدًا، ولَيْسَ مَعَنَا مُدّى"؛ فقال: "اعْجَلْ - أَوْ أَرِنْ - مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسْمُ اللهِ عليه، فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ والظُّفُرَ" (١) الحديث كذا وقع لِلنَّسفي من رواة البخاري: "أَرِنْ" على وزن أقم، وضبطه الأصيلي: "أَرِني" بكسر الراء بعدها نون بعدها ياء (٢)، وكذا في كتاب مسلم (٣)، إلاَّ أن الراء ساكنة: "أَرْني" (٤) وفي كتاب أبي داود: "أَرْنِ" (٥) بسكون الراء، بعدها نون مكسورة لا غير، واختلف في توجيه هذا الحرف، فقالَ الخطابي: صوابه: "أَوِ ائرَنْ" على وزن: اعْجَلْ، ومعناه من النشاط، أي: اعجل أو أسرع؛ لئلا تموت الذبيحة خنقًا؛ لأن
_________________
(١) البخاري (٥٥٠٩، ٥٥٤٤) عن رافع بن خديج.
(٢) البخاري (٢٥٠٧) وفيه: " أَرْني" بسكون الراء.
(٣) مسلم (١٩٦٨).
(٤) في هامش (س) ورمز له بـ (حشـ): قال الشيخ مؤلف الكتاب: هو من زياداتي نفعنا الله، الذي قيدناه (أرن) وكل من عداك فقد ران بك وران عليك، ورين بفلان إذا ذهب له الموت، وأران القوم إذا رين بمواشيهم، أي: هلكت، ومعناه: صاروا ذوي رين في مالهم، ومنه قوله: ارن، أي: صر ذا رين في ذبيحتك. ويجوز أن يكون (أران) تعدية لـ (ران) بالهمز، كما عديت بالباء في: ران به، والمراد: أزهق نفسها بكل ما أنهر الدم، أي: أساله، غير السنن والظفر، وقيل: أرِن أمر من أرِنَ إذا نشط وخف، أي: خف في الذبح، وقيل: أُرْن من الرُّنا، وهو إدامة النظر، أي: راعه ببصرك لا يزل عن المذبح، وقيل: أرِز، أي: سد يدك على المحز، واعتمد بها عليه، من أرز الرجل أصبعه إذا أثبتها في الشيء، وأرزت الجرادة: غرزت ذنبها في الأرض لتبيض، ولو قيل: أرن، أي: اذبحنَّ بالإرار، وهو ظُرَرة، أي: حجر محددة يَؤُرُّ بها الراعي ثَفْرَ الناقة إذا انقطع لبنها، أي: يدميه، كان أيضا وجهًا، قاله الزمخشري. قلت [المحقق]: انظر: "الفائق في غريب الحديث" للزمخشري ٢/ ٩٦ - ٩٧.
(٥) "سنن أبي داود" (٢٨٢١).
[ ١ / ٢٤٣ ]
الذبح إذا كان بغير شفرةٍ حديد محتز خيف عليه ذلك.
قال: وقد يكون: "أو أَرِنْ" على مثال: أَطِعْ، أي: أهلكها ذبحًا، من قولهم: أران القوم: إذا هلكت مواشيهم.
قال: ويكون: "ارْن" على وزن: ارْمِ، بمعنى: أدم الحزَّ ولا تفتر، من رَنَوْتُ (١) إذا أدمت النظر (٢). وتكون: "أَرْني" بمعنى: هات. قال بعضهم: ويكون: "أَرِني": سيلان الدم، ثم اختلس حركة الراء فجاء منه: "أَرْني".
قُلْتُ: وقد أفادني بعض من لقيته من أهل الاعتناء بهذا الباب، أنه وقع على أصل اللفظة وصحيحها في كتاب "مسند علي بن عبد العزيز" (٣) وفيه: "فقال: أَرْنَى (٤) - أَوْ أَعْجَل - بمَا أَنْهَرَ الدَّمَ" - وهما أفعل التي للمفاضلة - كأن الراوي شك في أيّ اللفظين قالَ - ﵇ - منهما، وأن مقصده
_________________
(١) في (س): (دنوت) بالدال.
(٢) انظر كلام الخطابي في "غريب الحديث" ١/ ٣٨٦، "معالم السنن" ٤/ ٢٥٨، "أعلام الحديث" ٢/ ١٢٥٥ - ١٢٥٦.
(٣) هو الإِمام، الحافظ، أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن المرزبان بن سابور، البغوي، نزيل مكة، سمع أبا نعيم وأحمد بن يونس والقعنبي وطبقتهم. جمع وصنف "المسند الكبير"، وأخذ القراءات عن أبي عبيد وغيره، وحدث عنه خلق كثير، وكان حسن الحديث، قال الدارقطني: ثقة مأمون. وقال ابن أبي حاتم: كان صدوقًا. مات سنة ست وثمانين ومائتين. وقيل: سنة سبع. انظر: "الجرح والتعديل" ٦/ ١٩٦، "سير أعلام النبلاء" ١٣/ ٣٤٨، "شذرات الذهب" ٢/ ١٩٣.
(٤) كذا في نسخنا الخطية، لكن وقع في "المشارق" ١/ ٨٥: "أدنى". بينما نقله الحافظ في "الفتح" ٩٠/ ٦٣٩ عن القاضي عياض بما يوافق ما في نسخنا.
[ ١ / ٢٤٤ ]
الذبح بما يسرع (١) القطع، وأجرى (٢) الدم، وأراح (٣) الذبيحة مما لا يثرد ولا يخنق.
وقع في كتاب البخاري قول النَّخَّاسِين: "آرِيَّ (٤): خُرَاسَانَ" (٥) وكذا قيده جلُّ الرواة: "آريَّ (٦): خُرَاسَانَ"، ووقع للمروزي: "أَرى" بفتح الهمزة والراء، على مثال: دَعا، وليس بشيءٍ.
قلت: وقد وقع لأبي زيد وأبي ذرٍّ: "أُرى" بضم الهمزة والراء، على مثال: دُعا، وهو تصحيفٌ أيضًا.
والآري (٧): مربط الدابة. ويقال: معلفها، قاله الخليل (٨) (٩).
وقال الأَصْمَعيُّ: هو حبل يدفن في الأرض. ويبرز منه طرفه تربط به الدابة، وأصله من الحبس والإقامة، من قولهم: تَأَرى بالمكان: أقام به.
_________________
(١) في (س): (سرع).
(٢) في (س): (أجرأ).
(٣) في (س): (إراحة).
(٤) في (س): (أرني).
(٥) البخاري بعد حديث (٢٠٧٨) عن العداء بن خالد، معلقًا.
(٦) في (س): (أرني).
(٧) في (س): (الأرني).
(٨) الخليل بن أحمد البصري الفراهيدي، ويقال: الفرهودي، أبو عبد الرحمن، الإِمام في علوم العربية صاحبُ "العين" وواضعُ علم العروض، كان من خيار عباد الله من المتقشفين في العبادة، وهو أول من هذب النحو وبسط الكلام فيه، توفي سنة خمس وسبعين ومائة. انظر ترجمته في: "الثقات" لابن حبان ٨/ ٢٢٩، "تهذيب الكمال" ٨/ ٣٢٦.
(٩) "العين" ٨/ ٣٠٣.
[ ١ / ٢٤٥ ]
وقال ابن السكيت: مما تضعه العامة غير موضعه قولهم للمعلف: آري، وإنما هو محبس الدابة، وهي الأواري والأواخي، واحدها: (آري وآخية) (١) على مثال: فاعول (٢).
ومعنى ما أراد البخاري: أن النخاسين كانوا يسمُّون مرابط دوابهم بهذِه الأسماء؛ ليدلسوا على المشتري؛ لقولهم: كما جاء من خراسان أو سجستان، - يعنون: مرابطها - فيحرص عليها المشتري، ويظن أنها طرية الجلْب، وأرى أنه نقص من الأصل بعد لفظة: "آرِيَّ (٣) " لفظة: "دوابهم" والله أعلم.
وقع في كتاب البخاري في كتاب الاعتصام: "يَا مَعْشَرَ اليَهُودَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، قَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا القَاسِمِ. فَقال: ذَلِكَ أُرِيدُ، أسْلِموا تسْلَموا" (٤) يعني: ذلك أريد منكم أن تعترفوا أني قد بلغت إليكم، وخرجت عن العهدة بأداء ما ألزمني الله من الإبلاغ. ووقع للمروزي: "فقال أَزِيدُ" بإسقاط: "ذَلِكَ" وبالزاي من الزيادة، وهو تصحيف.
_________________
(١) في (س): (تاري وآخي)! والمثبت من "إصلاح المنطق" ص ٣١٣، و(د، ظ) إلَّا أنه فيها: (آخي).
(٢) انتهى من "إصلاح المنطق" ص ٣١٣.
(٣) في (س): (أرني).
(٤) البخاري (٧٣٤٨)، ورواه أيضًا مسلم (١٧٦٥) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ٢٤٦ ]