قوله - ﷺ -: "أُزْرَةُ المُوْمِنِ إلى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ" (١) بضم الهمزة ضبطه أكثر الشيوخ، قالوا: والصواب كسرها؛ لأن المراد به الهيئة، والحالة كالقِعدة والرِّكبة.
وقول ورقة بن نوفل: "وَإِنْ يُدْرِكنِي يَوْمُكَ (٢) أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُوَزَّرًا" (٣) يروى مهموزًا وغير مهموز، أي: نصرًا بالغًا قويًّا. قلت: ومنه الإزار؛ لأن المُؤْتَزِرَ يشد به وسطه، فكان المُؤَزَّرُ مستعار من هذا، ومعناه: المُشَدَّد المُقَوَّى، ومنه قوله سبحانه: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: ٣١]، أي: قوني به، والأَزْر: القوة. وقال بعضهم: أصله موازرًا، من: وازرت. ويقال فيه أيضًا: آزرت، أي: عاونت.
وقولها: "شَدَّ مِئْزَرَهُ" (٤) المئزر والإزار: ما ائتزر به الإنسان من أسفله،
وفيه تأويلان:
أحدهما: أنه كنايةَ عن البعد عن النساء، كما قال الشَّاعِر (٥):
قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُم
دُونَ النِّسَاءِ ولَوْ بَاتَتْ بِأَطْهَارِ (٦)
_________________
(١) "الموطأ" ٢/ ٩١٤ - ٩١٥ من حديث أبي سعيد الخدري.
(٢) في (س): (يومئذ).
(٣) البخاري (٣، ٣٣٩٢، ٤٩٥٣، ٦٩٨٢)، مسلم (١٦٠) عن عائشة.
(٤) البخاري (٢٠٢٤) عن عائشة، ورواه مسلم أيضًا (١١٧٤) ولفظه: "وَشَدَّ المِئْزَرَ".
(٥) من (د، أ).
(٦) في (س): (بأطمار). وهو من شعر الأخطل، انظره في "ديوانه" ص ١١٠.
[ ١ / ٢٤٧ ]
ويدل على صحة هذا التأويل ما وقع لبعض الرواة في كتاب ليلة القدر: "اعْتَزَلَ فِرَاشَهُ وَشَدَّ مِئْزَرَهُ". قال القابسي: كذا في كتب بعض أصحابنا. قال ابن قتيبة: وهذا من لطيف الكناية عن اعتزال النساء.
والتأويل الثاني: أنه كناية عن الجدِّ في العمل، والعبادة والتشمير لذلك، والتأهب له.
قول أنس: "أَزَّرَتْنِي بِبَعْضِهِ، وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ" (١) أي: جعلت من بعضه إزارًا لأسفلي، ومن بعضه رداءً لأعلى بدني، وهو موضع الرداء. وتأول بعض الناس قوله: "وَرَدَّتْنِي بِبَعْضَهِ" أنه من الردّ، أي: ردتني ببعض ذلك الخبز، يعني: ردت جوعه وحاجته إليه، وتعلق نفسه به، وليس هذا التأويل بشيء.
قوله سبحانه: "الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي" (٢) هو مثل قوله: "إِلَّا رِدَاءُ الكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ" (٣) وهو من مجاز لسان العرب، وبديع استعاراتها، يكنّون عن الصفة اللازمة بالثوب، يقولون: شعار فلان الزهد، ولباسه التقوى. فالمراد ها هنا - والله أعلم - أنها صفاته اللازمة له،
_________________
(١) مسلم (٢٤٨١) ولفظه: "أَزَّرَتْنِي بِنِصْفِ خِمَارِهَا وَرَدَّتْنِي بِنِصْفِهِ".
(٢) في (س، د): "الكبرياء إزاري"، والمثبت من (أ)، وبهذا اللفظ رواه أبو داود (٤٠٩٠)، وابن ماجه (٤١٧٤)، وأحمد ٢/ ٢٤٨ و٣٧٦ و٤١٤ و٤٢٧ و٤٤٢ عن أبي هريرة، ورواه ابن ماجه (٤١٧٥) عن ابن عباس. والحديث رواه مسلم (٢٦٢٠) لكن بلفظ: "الْعِزُّ إِزَارُهُ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤه" عن أبي هريرة وأبي سعيد، وهو اللفظ الذي ذكره القاضي في "المشارق" ١/ ٨٧.
(٣) مسلم (١٨٠) عن عبد الله بن قيس، ورواه البخاري أيضا (٤٨٧٨، ٧٤٤٤) بلفظ: "رِدَاءُ الكِبْرِ".
[ ١ / ٢٤٨ ]
المختصة به، التي لا تليق بغيره، اختصاص الرداء والإزار باللابسين من الملوك (١)؛ ولهذا قال: "مَنْ نَازَعَنِي فِيهِمَا قَصَمْتُهُ" (٢).
وقوله في الثوب: "وَإِنْ كانَ الثَّوْبُ قِصِيرًا فَلْيَتَّزِرْ بِهِ" كذا لجميع رواة "الموطأ" (٣)، وأصله: فليأتَزِر، فسُهِّل وأُدِغم، كقوله: ﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]، أصله: ائتخذ.
قوله: "فَوَازَيْنَا العَدُوَّ" (٤) أي: نزلنا قريبًا منه، وأصله الهمز، يقال: أزيت إلى الشيء (٥) الألف، آزي (٦) أزيًا، إذا انضممت إليه، وقعدت إزاءه، أي: قبالته.
قوله - ﷺ -:"إِزَارِي إِزَارِي" (٧) في حديث بناء الكعبة، كذا جاء في غير موضع مكررًا، وذكره البخاري في فضل مكة: "أَرِني إِزَارِي" (٨) قال القابسي: معناه: أعطني، بكسر الراء وسكونها، والأول أشبه بالكلام.
_________________
(١) ادعاء أن الرداء استعارة يخالف اعتقاد أهل السنة؛ والواجب إثبات رداء الكبرياء وإزار العظمة على حقيقته اللائقة بالله عظمة وإجلالًا وتنزيهًا، من غير تعطيل ولا تحريف ولا تمثيل ولا تكييف، وهذه قاعدة مسددة ومطردة في باب الأسماء والصفات مَنِ التزمها وفق لحقيقة الإيمان بهذا التوحيد. وانظر فصل في عقيدة المصنف في مقدمة الكتاب.
(٢) رواه الحاكم في "المسندرك" ١/ ٦١ أو فيه: "فمن نازعني ردائي قصمته" وهو عند مسلم (٢٦٢٠) بلفظ: "فَمَنْ يُنَازِعُني عَذَّبْتُهُ".
(٣) "الموطأ" ١/ ١٤١ بلاغًا عن جابر.
(٤) البخاري (٩٤٢، ٤١٣٢) عن ابن عمر.
(٥) كلمة غير مقروءة بـ (س)، ولعل المثبت المراد.
(٦) تحرفت في (س) إلى: (آزني)، والمثبت من "المشارق" ١/ ٨٧.
(٧) البخاري (٣٨٢٩)، مسلم (٣٤٠) عن جابر بن عبد الله.
(٨) البخاري (١٥٨٢).
[ ١ / ٢٤٩ ]
في الحديث في كتاب اللباس: "وكَانَتْ هِنْدٌ لَهَا أَزْرَارٌ في كُمَّيْهَا" (١) كذا لهم، وهو الصواب؛ تدخل فيها أصابع يديها؛ لئلا ينكشف معصماها، وكان عند الجُرْجَانِي: "إِزَار" وهو خطأ، والأزرار جمع زِرٍّ، يقال منه: زَرَرْتُ القميص: شددت أزراره. وأزررت القميص: إذا جعلت له أزرارًا، وقد يكون في الطَوْق، لئلا ينكشف الصدر. وفي الكمين؛ لئلا يبرز المعصم، وهي عُرىً في مقابلتها ما يدخل فيها، فيجمع الكم على الزِّند ويضيقه؛ حتى لا يَبْرُز.
****
_________________
(١) البخاري (٥٨٤٤) من حديث أم سلمة.
[ ١ / ٢٥٠ ]