قول هرقل: "قُلْتُ: يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ" (١) أي: يقتدي به من الإسوة والأسوة.
جاء في الحديث ذكر: "الإِسْتَبْرَق" (٢) وهو ما غلظ من الديباج وهو اسم عجمي عربته العرب، وقال الداودي: هو رقيق الديباج. والأول هو المعروف في اللغة والتفسير.
وفي حديث بناء الكعبة: "حَتَّى أَبْدى أُسًّا" (٣) الأُس: أصل تأسيس البناء، والجمع أُسُسٌ بضم الكل، وقيل: بفتح السين أيضًا، وجمعه: آساسٌ بالمد، وجاء في الحديث أيضًا (٤)، وأما الأَساس والإِساس فواحد مقصور مفتوح ومكسور.
قوله: "أَسِدَ" (٥) أي: صار كالأسد.
قوله: "إِذَا أُسِّدَ الأمْرُ إلى غَيْرِ أَهْلِهِ" أي: أُسْنِد إليهم وقُلِّدُوه، وأكثر الرواة يقولون: "وُسِّدَ" (٦) وعند القابسي: "أُوسِد" وفيه إشكال من: "أُسِد" أو: "وُسِّدَ" وهما بمعنًى، إلاَّ أن الذي أحفظه: "وُسِّد" وهما بمعنًى، من الوساد، يقال: وساد وإساد.
_________________
(١) البخاري (٧) من حديث ابن عباس.
(٢) البخاري (١٢٣٩، ٥١٧٥، ٥٦٣٥، ٥٦٥٠، ٥٨٤٩، ٥٨٦٣، ٦٢٣٥)، مسلم (٢٠٦٦) عن البراء بن عازب.
(٣) مسلم (١٣٣٣) من قول عطاء يعني ابن الزبير لما أعاد بناء البيت.
(٤) البخاري (١٥٨٥، ١٥٨٦)، مسلم (١٣٣٣) عن عائشة، وفيه: "أَسَاس".
(٥) البخاري (٥١٨٩) من حديث عائشة.
(٦) البخاري (٥٩) عن أبي هريرة.
[ ١ / ٣٣١ ]
في الحديث: "بِأَسْرِهِمْ" (١) بفتح الهمزة لا غير، أي: بِجَمْعِهم، وأصله من الضم والشد، ومنه: أَسَرْتُ الْقَتَبَ: إذا شددته، ومنه الأسير.
وقوله: "أَمْثَالَ الأُسْطُوَان" (٢) بضم الهمزة والطاء، أي: السواري، الواحدة: أُسطوانة، ومنه: "الصَّلَاةِ إِلَى الأُسْطُوَانَةِ" (٣) وبين الأساطين، وقال الداودي: الأُسطوان: الصف الذي فيه السواري، وبه فسر قوله: "بَيْنَ الأُسْطُوَانَتَيْنِ" (٤) ليس بين السواري. حكى ابن دريد: السَّطَنْ الطول، ومنه اشْتُقَّ: الجمل الأُسطوان، وهو المرتفع الطويل العنق، قال: ومنه اشتقت: الأُسطونة (٥)، يعني: السارية. وقال الخليل: الأُسطوان: الرجل الطويل الرجلين والظهر (٦).
وفي الحديث: "أُسْكُفَّةِ البَابِ" (٧) وهي عتبته السفلي، ويقال أيضًا: أُسْكوفة.
وقول عائشة في وصف أبيها: "إِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَسِيفٌ" (٨) أي: كثير الحزن، فالبكاء يُسرع إليه، ومثله الأسوف لغة فيه، كما يقال: أثيم وأثوم، والأسف: الحزن، ومنه قول يعقوب ﵇: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤].
_________________
(١) البخاري (٦٨٣٠) عن ابن عباس.
(٢) مسلم (١٠١٣) عن أبي هريرة.
(٣) البخاري قبل حديث (٥٠٢).
(٤) البخاري (٤٦٨) من حديث ابن عمر.
(٥) "جمهرة اللغة" ٢/ ٨٣٨ مادة (سطن).
(٦) "العين" ٧/ ٢١٦ مادة (سطن).
(٧) البخاري (٤٧٩٣)، مسلم (١٤٢٨/ ٨٧) عن أنس.
(٨) البخاري (٦٦٤، ٧١٢، ٧١٣، ٣٣٨٤)، مسلم (٤١٨) عن عائشة. وورد بهامش (س): الأسيف هو السريع الحزن والبكاء، فعيل بمعنى: فاعل، من أَسِف، كحزين من حَزِن، ويقال: أَسوفٌ أيضًا.
[ ١ / ٣٣٢ ]
وقول عمر بن الحكم (١): "فَأَسِفْتُ عَلَيْهَا" (٢) أي: غضبت. وقول النبي
_________________
(١) ورد بهامش (س) ما نصه: هكذا يقول مالك ﵀: عمر بن الحكم، لم يختلف عنه فيه في الموطآت، باب ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة، وهو غلط منه، والصواب: معاوية بن الحكم، وليس في أصحاب النبي - ﷺ - من يقال له: عمر بن الحكم. قلت [المحقق]: قال ابن عبد البر: هكذا قال مالك في هذا الحديث: عن هلال عن عطاء عن عمر بن الحكم، لم يختلف الرواة عنه في ذلك، وهو وهم عند جميع أهل العلم بالحديث وليس في الصحابة رجل يقال له: عمر بن الحكم، وإنما هو معاوية بن الحكم، كذلك قال فيه كل من روى هذا الحديث عن هلال وغيره، ومعاوية بن الحكم معروف في الصحابة، وليس في الصحابة أحد يسمى: عمر بن الحكم، وإنما هذا معاوية بن الحكم لا شك فيه، ثم قال: قال الطحاوي: سمعت المزني يقول: قال الشافعي: مالك بن أنس يسمي هذا الرجل: عمر بن الحكم، وإنما هو معاوية بن الحكم، قال الطحاوي: وهو كما قال الشافعي. "التمهيد" ٢٢/ ٧٦ - ٧٨ بتصرف. وقال أبو نعيم الأصبهاني في "معرفة الصحابة" ٤/ ١٩٤٣: عمر بن الحكم السلمي: وهم فيه مالك بن أنس؛ وصوابه: معاوية بن الحكم السلمي. أما قولهم: ليس في الصحابة أحد يسمى: عمر بن الحكم، فقال الحافظ في "الإصابة" ٢/ ٥١٧ (٥٧٣٤): عمر بن الحكم السلمي أخو معاوية بن الحكم؛ وإخوته: روى ابن سعد بسند فيه الواقدي إلى عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم السلمي قال: نذرت أمي بدنة تنحرها عند البيت، فجللتها بشقتين من شعر ووبر فنحرت البدنة وسترت الكعبة. وروى ابن السكن وغيره من طريق كثير بن معاوية بن الحكم عن أبيه قال: وفدت على النبي - ﷺ - أنا وستة من إخوتي الحديث، وقد تقدم في ترجمة أخيه علي، وأما ما رواه مالك عن هلال بن أسامة عن عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم في قصة الجارية التي ترعى الغنم، فقد اتفقوا علي أنه وهم فيه، والصواب: معاوية بن الحكم. قلت: فأثبت ممن له صحبة من يسمى عمر بن الحكم، والله أعلم.
(٢) "الموطأ" ٢/ ٧٧٦.
[ ١ / ٣٣٣ ]
- ﷺ -: "وآسفُ كَمَا يَأْسَفُونَ" (١) أي: أغضب كما يغضبون، ومنه قوله في موسى: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: ١٥٠] ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥].
وقوله: "فلَقِيَ عَلَيْهَا أَسَفًا" (٢) هذا من الحزن، أي: لقي عليها حزنًا شديدًا، وفي هذا الحديث: "أَفَتَأْسَفُ عَلَى مَا أَعَارَكَ اللهُ ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْكَ" (٣) أي: أتحزن.
قول مالك في "الموطأ": "سَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ العِلْمِ يَسْتَحِبُّ إِذَا رَفَعَ الذِي يَطُوفُ بِالْبَيْتِ يَدَهُ عَنْ الرُّكنِ اليَمَانِي أَنْ يَضَعَهَا عَلَى فِيه" (٤) كذا رواه يحيي وابن وهب وابن القاسم وغيرهم، ورواه القعنبي ومطرف وأكثر الرواة: "الرُّكنِ الأَسْوَدِ" مكان: "الْيَمَانِي" وكذا رده ابن وضاح وكلاهما صحيحان؛ كذا يقول مالك في الركنين جميعًا إذا لم يقدر على استلامهما أن يضع يده عليهما ثم يضعها علي فيه، وإنما اختلف عنه في تقبيل اليد إذا وضعت عليهما.
قوله في شعر حسان: "عَلَى أَكتافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ" (٥) يعني بـ "الأسَلُ": الرماح، و"الظِّمَاءُ": العِطاش، والظَّمأ: العطش، وقيل: بل أراد اللَّدْنَة الرقيقة، كما يقال فيها أيضًا: ذوابل، أي: هي للدونتها
_________________
(١) مسلم (٥٣٧) عن معاوية بن الحكم السلمي، وليس هو من كلام النبي - ﷺ - بل من كلام معاوية.
(٢) "الموطأ" ١/ ٢٣٧.
(٣) السابق.
(٤) "الموطأ" ١/ ٣٦٧.
(٥) مسلم (٢٤٩٠) من حديث عائشة.
[ ١ / ٣٣٤ ]
كالشيء الذابل اللين الضامر، ورواه بعضهم عن ابن ماهان: "الأُسْدُ الظّمَاءُ" أي: العاطشة، شبه الرجال بالأسد العاطشة إلى دمائهم، وقد يتأول مثل هذا في الرماح أيضًا، وقد جاء في الأشعار كثيرًا.
قوله في فضل أبي بكر: "وَآسَانِي بِنَفْسِهِ ومَالِهِ" كذا للأصيلي ولبعض شيوخ أبي ذرٍّ، وللباقين: "وَوَاسَانِي" (١) وهو الصواب.
قوله في حديث الإفك: "وكَانَ عَلِيٌّ مُسِيئًا في شَأْنِهَا" يعني: في شأن عائشة، كذا لِلنَّسفي وابن السكن وكذا ذكره ابن أبي خيثمة، ولعامة الرواة: "مُسَلِّمًا في شَأْنِهَا" (٢) إلاَّ أن قال بعضهم بكسر اللام، أي: مسلِّمًا الأمر، وبعضهم بفتحها، أي: سالمًا لم يبد بشيءٍ من أمرها، والفتح أشبه؛ يعني أنه لم يقل فيها سوءًا، ويُتأول: "مُسِيئًا" علي قوله للنبي - ﷺ -:"لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ، والنِّسَاءُ سِواهَا كثِيرٌ" (٣) فهذِه غاية ما أساء في أمرها.
* * *
_________________
(١) البخاري (٣٦٦٢) من حديث أبي الدرداء.
(٢) البخاري (٤١٤٢).
(٣) البخاري (٢٦٦١، ٤١٤١، ٤٧٥٠، ٧٣٦٩)، مسلم (٢٧٧٠).
[ ١ / ٣٣٥ ]