" لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ" (١) كذا رويناه بالمد اسم الفاعل، وكذا قيده الأصيلي بخطه، ويصححه قوله بعده: "وَمُوكِلَهُ" وهو المطعم.
وقوله في: فَصْلُ مَا بَيْنَنا وبين أَهْلِ الكِتَابِ: "أكْلَةُ السَّحَرِ" (٢) كذا رويناه في مسلم بضم الهمزة، والوجه هنا الفتح؛ لأن الأُكلة بالضم هي اللقمة، وبالفتح المصدر، وهي المرة الواحدة من الأكل، كالضَّربة من الضرب، وفي حديث المملوك والسائل ذكر: "الأُكْلَةُ وَ(الأُكْلَتَانِ) (٣) " (٤) ويرفع الأكلة لفيه، هذا بضم الهمزة؛ لأنه بمعنى اللقمة، فإذا كانت بمعنى المرة الواحدة فهي بالفتح، إلاَّ أن تكون معها هاء فيكون مضمومًا بمعنى المأكول، ومفتوحًا اسم الفعل، قال الله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] أي: ما يؤكل منها، وقوله: "إِنَّ الله لَيَرْضَى مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَأْكُلَ الأُكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا" (٥)، بالضم: اللقمة، وبالفتح: الأكلة مرة، والضم هاهنا أوجه (٦).
_________________
(١) البخاري (٢٠٨٦، ٢٢٣٨، ٥٣٤٧. ٥٩٤٥، ٥٩٦٢) عن أبي جحيفة ولفظه: "قَالَ: إِنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الكَلْبِ، وَكَسْبِ الأمَةِ، وَلَعَنَ الوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ"، ورواه مسلم (١٥٩٧، ١٥٩٨) عن ابن مسعود وجابر بلفظ: "لَعَنَ رَسولُ اللهِ - ﷺ - آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ".
(٢) مسلم (١٠٩٦) عن عمرو بن العاص.
(٣) في (س): (الأكلتين).
(٤) البخاري (١٤٧٦) عن أبي هريرة.
(٥) مسلم (٢٧٣٤) من حديث أنس، وفيه: "لَيَرْضَى عَنْ عَبْدِهِ".
(٦) في هامش (د) رمز لحاشية وقال: ضبط النووي (الأكلة) في هذا الحديث في "رياضه" بالفتح، وقال: وهي الغدوة والعشوة. اهـ قلت [المحقق]: انظر "رياض الصالحين" ص١٤٠ باب بيان كثرة طرق الخير.
[ ١ / ٢٥٣ ]
وقول أبي بكر: "ولَا تَعْقِرَنَّ شَاةً ولَا بَعِيرًا إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ" بفتح الكاف قيدته في "الموطأ" (١) أي: لتأكلوه، ويجوز الضم. وقوله: "إِلَّا آكلَةَ الخَضِرِ" (٢) هي الراعية لغض النبات وناعمه.
قوله - ﷺ -: "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرَى" (٣) أي: أمرت بالهجرة إلى قريةٍ تفتح منها القرى، ويؤكل فيها، ويسبى أهلها، والقرى: المدن، يقال: أكلنا بني فلان؛ إذا ظهرنا عليهم. وأكل اللصوص الرفقة؛ إذا سلبوهم أموالهم، وأصل الأكل للشيء: الإفناء له، ثم استعير لافتتاح البلاد وسلب الأموال.
في حديث الزكاة: "ولَا تَأْخُذِ الأكُولَةَ" (٤) بفتح الهمزة، يعني: من الغنم، وهي الكثيرة الأكل، فعولة بمعنى فاعلة، وقيل: هي المُتَّخَذَة للأكل لا للنسل، فعولة بمعنى مفعولة، وقيل: هي المعلوفة، وقال أبو عبيد: هي المُسَمَّنَةُ للأكل (٥). وكل هذا متقارب.
وقال السُّلَمِيُّ: الأكولة من الغنم: هي التي تسمن - كأنه يعني الفحول - قال: وسمعت أن الأكولة: الرباعية، قال: وهي عندي أولى ما قيل؛ لقول عمر أول الحديث: "خُذْ مِنْهُمُ الْجَذَعَةَ وَالثَّنِيَّةَ".
_________________
(١) "الموطأ" ٢/ ٤٤٧.
(٢) البخاري (٢٨٤٢) مع اليونينية ٤/ ٢٧، مسلم (١٠٥٢) عن أبي سعيد الخدري.
(٣) "الموطأ" ٢/ ٨٨٧، البخاري (١٨٧١)، مسلم (١٣٨٢) عن أبي هريرة.
(٤) "الموطأ" ١/ ٢٦٥ عن عمر بن الخطاب.
(٥) "غريب الحديث" ١/ ٢٥٧.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وقال شمر (١): الأكولة من الغنم: الخصية والهرمة والعاقر. كأنه يريد الذي لا يراد إلاَّ للذبح.
قوله: "عِنْدَ أَكَمَةٍ" (٢)، و"خَلَقَ الآكَامَ" (٣)، و"عَلَى الآكامِ" (٤) هو بالفتح والمد: جمع أَكَمَة، ويقال: إكام بالكسر أيضًا، وهو ما غلظ من الأرض، ولم يبلغ أن يكون جبلًا، وكان أكثر ارتفاعًا مما حوله كالتلول ونحوها، وقال مالك: هي الجبال الصغار. وقال غيره: هو ما اجتمع من التراب أكبر من الكداء ودون الجبال. وقال الخليل: هي من حجرٍ واحدٍ. (٥) وقيل: هي فوق الرابية ودون الجبل. وقد رواه بعضهم في "الموطأ": "الأَكَم" بالفتح، ووقع للقابسي في التفسير: "وَخَلَقَ الأَكْوَامَ" (٦)، وهما بمعنىً واحد.
قال الخليل: الكوم: العظيم من كل شيء (٧). وكومت الشيء: جمعته.
_________________
(١) شمر بن حمدويه الهروي أبو عمرو، كان ثقة عالمًا فاضلًا، حافظًا للغريب، راوية للأشعار والأخبار، من أهل هراة، زار بلاد العراق في شبابه، وأخذ عن علمائها. له كتاب كبير في اللغة ابتدأه بحرف الجيم، غرق في النهروان، ومن كتبه أيضًا "غريب الحديث" كبير جدًا. توفي سنة خمس وخمسين ومائتين. انظر ترجمته في: "معجم الأدباء" ٣/ ٤١٠.
(٢) مسلم (٢٩٠٠) عن نافع بن عتبة.
(٣) البخاري معلقًا بعد حديث (٤٨١٥).
(٤) "الموطأ" ١/ ١٩١، البخاري (١٠١٣، ١٠١٤، ١٠١٦، ١٠١٩)، مسلم (٨٩٧) عن أنس بن مالك.
(٥) "العين" ٥/ ٤٢٠.
(٦) وأشار في هامش اليونينية ٦/ ١٢٨ أنه وقع هكذا: "الأكوام" لأبي ذر عن الحموي والمستملي.
(٧) "العين" ٥/ ٤١٨.
[ ١ / ٢٥٥ ]
قال الهروي: والكوم والكومة: موضع مشرف (١). وسيأتي في حرف الكاف إن شاء الله.
قوله: "عَلَى حِمَارٍ عَلَى إِكَافٍ" (٢) بكسر الهمزة، وهو كالبرذعة، ويقال: وِكَاف، بالواو أيضًا.
قول أبي جهل: "لَوْ غَيْرُ أَكَّارٍ قَتَلَنِي" (٣) هو الحَرَّاثُ، والجمع: أَكَرَة وأكّارُون، يقال: أكثرت الأرض إذا شققتها للحراثة، وأكرت النهر: حفرته، والأُكْرة بضم الهمزة وإسكان الكاف: الحفرة تحفر إلى جانب الغدير؛ ليصفو فيها الماء، وإنما أراد بقوله هذا الأَنْصَار، ينتقصهم بذلك؛ لشغلهم بعمارة الأرض والنخل، أي: لو قتلني رجلٌ من قريش أو من غير هؤلاء الحرّاثين لكان لي عزاء، وفي بعض روايات مسلم: "لَوْ غَيْرُكَ كَانَ قَتَلَنِي" يقوله لعبد الله بن مسعود احتقارًا له؛ لكونه حليفًا عندهم ضعيفًا فيهم، كذا تقيد من رواية بعض شيوخنا عن ابن الحَذَّاء، وكلاهما له وجه، وقد يحتمل أن تكون إحدى الروايتين تصحيفًا من الأخرى.
وقع في كتاب مسلم: "إِنْ طَلَبْتَ الإِمَارَةَ اُكِلْتَ إِلَيْهَا" (٤) أبدل من الواو همزة، كما يقال: وُقيت وأقيت، وفي أكثر الروايات: "وُكِلْتَ" (٥) بالواو غير مهموز، وهو أحسن.
_________________
(١) "الغريبين" ٥/ ١٦٥٥.
(٢) البخاري (٢٩٨٧، ٥٦٦٣، ٥٩٦٤، ٦٢٥٤)، مسلم (١٧٩٨) عن أسامة بن زيد.
(٣) البخاري (٤٠٢٠)، مسلم (١٨٠٠) عن أبي مجلز مرسلًا.
(٤) مسلم (١٦٥٢/ ١٣) بعد حديث (١٨٢٣) عن عبد الرحمن بن سمرة.
(٥) البخاري (٦٦٢٢، ٦٧٢٢، ٧١٤٦، ٧١٤٧)، مسلم (١٦٥٢/ ١٩).
[ ١ / ٢٥٦ ]