قول كعب بن مالك: "مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونِي" (١) أي: يلوموني ويوبخوني، والتأنيب: العتْبُ واللوم.
قوله: "وَأْتُوني بِأَنْبِجَانِيَّةِ" (٢) بفتح الهمزة وكسرها وكسر الباء، وتشديد الياء وتخفيفها، وبتاءٍ بعدها، وبهاء فقط؛ فيصير فيها وجوه: أحدها: بِأَنبِجانيَّة، وإِنبِجانيَّة له، وبأنبِجانيَة، وبأنبِجانيته، وعند أبي علي الغساني بالفتح والتخفيف، وبفتح الباء وكسرها، ذكرها ثعلب، وضبطناها في مسلم بفتح الهمزة والباء، وفي "الموطأ" عن ابن سهلٍ القاضي (٣) بكسر الهمزة والباء جميعًا (٤)، وكذلك لحاتم الأطرابلسي (٥)، وعند ابن
_________________
(١) البخاري (٤٤١٨)، مسلم (٢٧٦٩) من حديث كعب بن مالك.
(٢) البخاري (٣٧٣، ٧٥٢، ٥٨١٧)، مسلم (٥٥٦) من حديث عائشة.
(٣) عيسى بن سهل بن عبد الله، أبو الأصبغ، الأسدي، الجياني، القاضي المالكي. تفقه بمحمد بن عتاب ولازمه، وصنف في الأحكام، وولي قضاء غرناطة. توفي سنة ست وثمانين وأربعمائة. انظر ترجمته في: "الصلة" ٢/ ٤٣٨، "سير أعلام النبلاء" ١٩/ ٢٥.
(٤) حاتم بن محمد بن عبد الرحمن بن حاتم، أبو القاسم التميمي، يعرف: بابن الطرابلسي، ويقال: الأطرابلسي. المحدث المتقن، الإمام الفقيه، أصله من طرابلس الشام. وسمع "صحيح مسلم" من أبي سعيد السجزي، مات سنة تسع وستين وأربعمائة. انظر ترجمته في: "الصلة" ٢/ ١٥٧، "سير أعلام النبلاء" ١٨/ ٣٣٦.
(٥) عبد الرحمن بن محمد بن عتاب بن محسن، أبو محمد، القرطبي، يعرف بـ (ابن عتاب). آخر الشيوخ الجلة الأكابر بالأندلس في علو الإسناد وسعة الرواية، كان عالمًا بالقراءات السبع وكثير من التفسير وغريبه ومعانيه مع حظ وافر من اللغة، كانت الرحلة في وقته إليه، ومدار أصحاب الحديث عليه، وله تآليف حسنة مفيدة، وكثر انتفاع الناس به. توفي سنة عشرين وخمسمائة.
[ ١ / ٢٩٩ ]
عتاب (١) وابن حمدين (٢) بفتح الهمزة وشد الياء قال ثعلب: يقال ذلك في كل ما كثف والتفَّ. وقال غيره: إذا كان الكساء ذا علمين فهو الخميصة، فإن لم يكن له علم فهو الإنبجانِيَّة.
وهذا لا يلزم، وإنما الخميصة كساء رقيق مأخوذ من الخمص، وهو ضمور البطن.
وقوله في الحديث: "لَهَا عَلَمٌ" (٣) يدل على أن من جنس الخمائص ما لا علم له، فكيف بعلمين؟ وقال الدَّاوُدِيُّ (٤): هو كساء غليظ بين الكساء والعباء. قال ابن قتيبة: إنما هو مَنْبَجانِيٌ، منسوب إلى منبج بكسر الباء؛ وإنما فتحت باؤه في النسب؛ أخرج مخرج: منظرانيٌ ومخبرانيٌ، ولا يقال: أَنْبَجَانِيٌ (٥). قالوا: وهي أكسية تصنع بحلب فتُحمل إلى منبج،
_________________
(١) انظر ترجمته في: "الصلة" ٢/ ٣٤٨، "سير أعلام النبلاء" ١٩/ ٤١٥.
(٢) محمد بن علي بن محمد بن عبد العزيز بن حمدين، أبو عبد الله التغلبي الأندلسي المالكي، قاضي الجماعة بقرطبة، ولي القضاء بقرطبة. وتولاه بسياسة محمودة وسيرة نبيهة، روى عنه القاضي عياض وعظمه، وقال: توفي سنة ثمان وخمسمائة. انظر ترجمته في: "الصلة" ٢/ ٥٧٠، "سير أعلام النبلاء" ١٩/ ٤٢٢.
(٣) "الموطأ" ١/ ٩٨ عن عروة بن الزبير.
(٤) "الموطأ" ١/ ٩٧، مسلم (٥٥٦/ ٦٣) من حديث عائشة.
(٥) أحمد بن نصر، أبو جعفر الداودي، الأسدي، المالكي الفقيه، شارح "الصحيح". من أئمة المالكية بالمغرب، والمتسمين في العلم، المجيدين للتأليف، كان بطرابلس، وبها أملى كتابه في شرح "الموطأ" أخذ عنه أبو عبد الله البوني، وعليه تفقه، وأبو بكر ابن الشيخ أبي محمد ابن أبي زيد وأبو علي ابن الوفاء وغيرهم. قال حاتم الطرابلسي: توفي بتلمسان سنة اثنتين وأربعمائة. انظر ترجمته في: "ترتيب المدارك" ٢/ ٢٢٨، "تاريخ الإسلام" ٢٨/ ٥٦.
(٦) "أدب الكاتب" ص ٣٢٢.
[ ١ / ٣٠٠ ]
فقال البَاجِي: وما قاله ثعلب أظهر؛ لأن النسبة إلى مَنبج مَنبَجِيّ لا أنبَجانيّ (١). وهذا لا ينكر؛ فإن النسب المسموع قد يدخل فيه تغيير البناء كثيرًا، فلا ينكر ما قاله أئمة هذا الشأن، ولكن الحديث قد اتفق على نقل هذِه الكلمة فيه بالهمزة، وبعيد أن يذهب عن جميعهم ما قاله ابن قتيبة.
قول إبليس لأحد جنوده لعنهم الله: "نِعْمَ أَنْتَ" (٢) على حذف الخبر اختصارًا، التقدير: أنت الذي أغنيت عني، أو الذي جئت بالطامة، أو المقدم عندي، ونحو هذا من اللائق به، ويدل عليه قوله في آخر الحديث: "فَيُدْنِيهِ إِلَيْهِ فيَلْتَزِمُهُ" (٢).
وأَما قوله - ﷺ -: "ائْتِ مَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ" (٣) فسيأتي بعدُ إن شاء الله تعالى.
قوله في حديث الشَّبه: "آنَثَا" (٤) بمد الهمزة أي: أنسلا أنثى، وكذلك في الحديث الآخر: "أَذْكرَ وآنَثَ" (٤) أي: جاء بذكر وأنثى.
قوله في الجذع: " أَنَّ " (٥) أي: صوَّت صوتًا ضعيفًا، مثل صوت الصبي، والأنين: صويت ضعيف.
قول الخضر: "وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ " (٦) أي: من أين؟ ومثله (٧):
_________________
(١) "المنتقي شرح الموطأ" ١/ ١٨٠.
(٢) مسلم (٢٨١٣/ ٦٧) من حديث جابر.
(٣) البخاري (٦٩٠٨)، مسلم (١٦٨٣) من حديث عمر.
(٤) مسلم (٣١٥) من حديث ثوبان.
(٥) البخاري (٢٠٩٥، ٣٥٨٤) من حديث جابر، بلفظ: "تَئِنُّ أَنينَ الصَّبِيِّ"، ورواه أحمد ٣/ ٣٠٠، وابن أبي شيبة ٦/ ٣٢٤ (٣١٧٣٩) بلفظ المصنف.
(٦) البخاري (١٢٢، ٣٤٠١، ٤٧٢٥، ٤٧٢٧)، مسلم (٢٣٨٠) عن ابن عباس.
(٧) ساقطة من (د، أ)، وفي (س) وقعت هكذا: (ومثله) ثم بياض ثم: (عمران بن حصين).
[ ١ / ٣٠١ ]
"أَنَّى عَلِقَهَا؟ " (١) أي: من أين أخذها، و(أنّى) تأتي بمعنى: أين وكيف ومتى.
وفي الحديث قوله - ﷺ - حين سُئِل: " هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقال: نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ" (٢) أي: كيف أراه وقد حجبَ بصري النورُ؟! وكذلك في حديث زيد بن عمرو: "وأَنَّى أَسْتَطِيعُهُ؟ " (٣) أي: كيف أطيق غضب الله سبحانه؟! وقد رويت هذِه مخففة النون، ووجهه علي معنى التقرير، أي: أنا لا أستطيعه.
قُلْتُ: فأما (أنا) المخففة فهي اسم المتكلم أصلها: (أن) بغير ألف.
قال الزُّبَيْدِيُ (٤): فإذا وقفت زدت ألفًا للسكوت (٥). وكذلك إذا لقيت همزة، فإن لم تلق همزة حذفت في الدرج، ومن القراء من يمدها، قال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢] أكثر القراء على حذف الألف، ومنهم من يثبتها.
_________________
(١) قلت [المحقق]: وقوله: (عمران بن حصين) مقحم في السياق؛ فالحديث حديث ابن مسعود كما في "الصحيح".
(٢) مسلم (٥٨١) من حديث ابن مسعود.
(٣) مسلم (١٧٨) من حديث أبي ذر.
(٤) البخاري (٣٨٢٧) من حديث ابن عمر.
(٥) محمَّد بن الحسن بن عبيد الله بن مذحج أبو بكر الزبيدي الشامي الحمصي ثم الأندلسي الإشبيلي، إمام النحو صاحب التصانيف. اختصر كتاب "العين" وألف "الواضح" في العربية، توفي سنة تسع وسبعين وثلاثمائة. انظر ترجمته في: "وفيات الأعيان" ٤/ ٣٧٢، "سير أعلام النبلاء" ١٦/ ٤١٧.
(٦) "مختصر العين" ٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩.
[ ١ / ٣٠٢ ]