قوله: "حَتَّى آبتِ الشَّمْسُ" (١) أي: غابت، قاله الخليل (٢)، وقوله في الصلاة الوسطي: "صَلَاةُ الأَوَّابِينَ" (٣) الأواب: المطيع، وقيل: الكثير الرجوع إلى الله، وقيل: المسبِّح، وقيل: الراحم، وقيل: الفقيه.
وقوله: "آيِبُونَ" (٤) أي: راجعون، و"لَا يَئُوبُ" (٥): لا يرجع.
"الْأُوقِيَّةُ" (٦) مضموم الهمزة مشدد الياء، والجمع: أواقي، مثل: أضحية وأضاحي، وهو المعروف، وكثير من شيوخنا يقول: أواق، مثل: أضاحٍ وجوارٍ، وبعضهم يقول: "وُقِيَّةٌ" كذا وقع لابن سكرة في موضع من كتاب مسلم، وفي كتاب البخاري لجميعهم في الشروط (٧)، وخطَّأ هذا الخطابي، وجوزه ثابت، وحكى اللَّحْيَانِي: وَقِيَّة ووقَايَا، مثل: ضَحية وضَحايا، وبعض الرواة يمدُّ: "آوَاقٍ" وهو خطأ.
_________________
(١) مسلم (٦٢٧) عن علي.
(٢) "العين" ٨/ ٤١٧ مادة (أوب).
(٣) مسلم (٧٤٨) عن زيد بن أرقم.
(٤) "الموطأ" ١/ ٤٢١، البخاري (١٧٩٧، ٢٩٩٥، ٣٠٨٤، ٤١١٦، ٦٣٨٥)، مسلم (١٣٤٢، ١٣٤٤) عن ابن عمر، والبخاري (٣٠٨٥، ٣٠٨٦، ٥٩٦٨. ٦١٨٥)، مسلم (١٣٤٥) عن أنس بن مالك.
(٥) "الموطأ" ٢/ ٤٦٢ عن عمر.
(٦) وردت هكذا معرفة بالألف واللام من كلام مالك في "الموطأ" ٢/ ٩٩٩، ووردت في مواضع من "الموطأ" ٢/ ٧٨٠ - ٧٨١، البخاري (٢٧٢٩)، مسلم (١٥٠٤) عن عائشة، وفي البخاري (٢٠٩٧)، مسلم (٧١٥) عن جابر، وفي مسلم (١٤٢٦) عن عائشة أيضًا: "أُوقِيَّةٍ" بدون ألف ولام.
(٧) ساقطة من (س).=
[ ١ / ٣٤١ ]
قوله: "أَوْلَى لَهُ" (١) و"أَوْلَى. وَالَّذِي نَفْسي بِيَد" (٢) هي كلمة تقولها العرب عند المعتبة، بمعنى: كيف لا، وقيل: معناها التهديد والوعيد، وقيل: دنوتَ من الهلكة فاحذر، قاله الأصمعي، قيل: وهي مأخوذة من الولْي، وهو القرب، فعلى هذا لا تكون في حرف الهمزة، بل في حرف الواو، وقال بعضهم: هو مقلوب من الويل، وقيل: يقال لمن حاول أمرًا ففاته بعد أن كاد يصيبه.
في الحديث: "صَلَّيْتُ مَعَهُ صَلَاةَ الأُولَي" (٣) هي ها هنا - والله أعلم - صلاة الصبح؛ لأنها أول صلاة النهار، وعليه يدل سياق الحديث؛ لأن فيه: "ثُمَّ خَرَجَ إلى أَهْلِهِ فَاسْتَقْبَلَهُ وِلْدَانُ المَدِينَةِ"، وفي رواية: "خَدَمُ المَدِينَةِ"، وفي حديث: "كَانَ إِذَا صَلَّى الغَدَاةَ" (٤).
وفي قوله: "صَلَاةَ الأُولَي" إضافة الشيء إلى صفته علي مذهب أهل الكوفة، وقد تصرف الإضافة إلى أول ساعات النهار، وقد تكون صلاة الظهر وهي اسمها المعروف، وفي الحديث: "التِي تَدْعُونَهَا الأولَي" (٥) سميت بذلك لأنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي - ﷺ -، ومثله في غزوة
_________________
(١) = وانظر "صحيح البخاري" (٢٧٢٩) وفيه: "أُوقِيَّةٍ" بهمزة، وليس في اليونينية ٣/ ١٩٢ أي إشارة إلى نسخ أخرى.
(٢) لم أجد هذه اللفظة في حديث، ولعل المصنف يشير إلى قوله ﷿: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤)﴾ [القيامة: ٣٤].
(٣) مسلم (٢٣٥٩) عن أنس بن مالك، وانظر اليونينية ٧/ ٩٦.
(٤) مسلم (٢٣٢٩) عن جابر بن سمرة.
(٥) مسلم (٢٣٢٤) عن أنس بن مالك: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا صَلَّى الغَدَاةَ جَاءَ خَدَمُ المَدِينَةِ".
(٦) رواه البخاري (٥٤٧، ٥٩٩) عن أبي برزة الأسلمي.
[ ١ / ٣٤٢ ]
ذي قرد: "قَبْلَ أَنْ تُدْرِكْهُ الأولَي" (١) أي: الظهر، يبينه قوله في الحديث الآخر: "مَعَ الظُّهْرِ" (٢).
في حديث قسم أبي بكر: "بِاسمِ اللهِ الأُولَي لِلشَّيْطَان" (٣) قيل: اللقمة الأولى التي أحنث بها نفسه حين حلف أن لا يأكل، أي: أحللت بها يميني، وحنَّثتُ بها نفسي، وأرضيت أضيافي إرغامًا للشيطان الذي كان سبب غضبي ويميني، وقيل: "الْأُولَي" يعني: الحالة الأولى التي غضب فيها وأقسم، كانت للشيطان وإغوائه (٤) ويشهد لهذا قوله في الحديث الآخر: "إِنَّمَا كَانَ مِنَ الشَّيْطَان" (٥) يعني: يمينه، كذا نصه.
وقولها: "وأَمْرُنَا أَمْرُ العَرَبِ الأوَّلُ" نعت للأمر، وقيل: هو وجه الكلام، وروي: "الْأوَلِ" (٦) بضم الهمزة وتخفيف الواو، صفة للعرب لا للأمر، تريد أنهم بعد لم يتخلقوا بأخلاق أهل الحواضر والعجم.
قول عروة بن مسعود: "إِنِّي لأرى أَوْشَابًا" (٧) كذا عند جميعهم بتقديم الواو، وهي الأخلاط، وكذلك الأشايب، الواحدة أُشابة، بضم الهمزة، وهي الجماعة المختلطة من الناس، ويقال في ذلك أيضًا: أوباش وأشواب، كله بمعنًى.
_________________
(١) البخاري (٤٢٩٤)، مسلم (١٨٠٦) عن سلمة بن الأكوع، بلفظ: "قَبْلَ أَنْ يُؤَذَّنَ بِالأُولَي".
(٢) مسلم (١٨٠٧/ ١٣٢) وفيه: "مَعَ الظَّهْرِ" بفتح الظاء.
(٣) البخاري (٦١٤٠) وبنحوه في مسلم (٢٠٥٧).
(٤) في (س): (وأعوانه).
(٥) البخاري (٦٠٢)، مسلم (٢٠٥٧).
(٦) البخاري (٢٦٦١، ٤١٤١، ٤٧٥٠)، مسلم (٢٧٧٠) من حديث عائشة.
(٧) مسلم (٢٧٣٤) من حديث المسور بن مخرمة.
[ ١ / ٣٤٣ ]
قوله: "فَأَوْمَتْ بِرَأْسِهَا" بغير همز في البخاري في كتاب الأقضية (١)، وهو مهموز في اللغة بكل حال، ومعناه: أشار، والاسم: الإيماء، ويقال: ومَأَ ومْأً، مثل قتل قتلًا، وومى أيضًا، هذا كله إذا أشار إلى خلف، فإن أشار إلى قدام قيل: وبأ، بالباء.
قوله: "فهذا أَوَانُ وجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي" (٢) أي: حين وجدته ووقت وجدته، والأوان: الزمان والوقت، مفتوح الهمزة، وضبطنا في النون الوجهين الفتح والضم؛ [الضم] (٣) علي خبر المبتدأ وإعطائه حقه من الرفع، والنصب على الظرف والبناء لإضافته إلى مبني، وهو الفعل الماضي؛ لأن المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد، وهو في التقدير مرفوع بخبر المبتدأ.
قوله: "أَوَّهْ عَيْنُ الرِّبا" (٤) بالقصر رويناه، وتشديد الواو، وسكون الهاء، وقيل: بمدِّ الهمزة. قالوا: ولا معنى لمدها إلاَّ لبعد الصوت، وقيل: بسكون الواو وكسر الهاء، ومن العرب من يمدُّ الهمزة ويجعل بعدها واوين، فيقول: آوُوْه، وكله بمعنى التحزن، ومنه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] في قول أكثرهم، أي: هو كثير التأوُّه، وهو الحزن شفقًا وخوفًا، وقيل: أَواه: دَعَّاء، وهو يرجع إلى قريب منه.
_________________
(١) البخاري (٢٤١٣) كتاب: الخصومات، باب: ما يذكر في الإشخاص والملازمة والخصومة بين المسلم واليهودي. وفي هامش اليونينية ٣/ ١٢١ أنه وقع لأبي ذر الهروي: "فَأَوْمَأَتْ" بالهمز.
(٢) البخاري (٤٤٢٨) من حديث عائشة.
(٣) زيادة ليست في النسخ أثبتناها ليستقيم السياق.
(٤) البخاري (٢٣١٢)، مسلم (١٥٩٤) عن أبي سعيد الخدري.
[ ١ / ٣٤٤ ]
وأنشد البخاري:
إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحَلُهَا بِلَيْلٍ تَأَوَّهُ أهَّةَ الرَّجُلِ الحَزِينِ (١)
كذا بشدِّ الهاء للأصيلي، وللقابسي ولأبي ذر: "آهَةَ" (٢) بالمد، وكلاهما صواب (٣)، أي: توجع الرجل الحزين، وفي رواية ابن السَّمَّاك عن المَرْوزِي: "أُهَّةَ" وهو خطأ.
قوله: "فَأَوى إلى اللهِ - مقصور الألف - فَآواهُ اللهُ" ممدود الألف (٤)، هذا هو الأشهر فيما رويناه، وقد جاء المدُّ في كل واحدة منهما، لكن المد في المعدى أشهر، والقصر في اللازم أشهر، وفي الحديث:" وَكَمْ مِمَّنْ لَا مُئْوِيَ لَهُ" (٥) و﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]، و"يُئْوُوهُ إلى مَنَازِلهْم" (٦)، و"والله مَا أُؤويكِ إِلَيَّ وَلَا تَحِلِّينَ أَبَدًا" (٧) وهو كثير في الكتاب والسنة، و"مَأْوى الحَيَّاتِ" (٨) بفتح الواو: أماكنها التي تنضم إليها، وكل مأوىً فهو كذلك، إلاَّ مأوِي الزنابير وحده، وقيل: ومأوِي الإبل فهو بكسر الواو.
_________________
(١) اليونينية ٦/ ٦٤.
(٢) البخاري قبل حديث (٤٦٥٤).
(٣) ورد بهامش (س) ما نصه: الذي في أصل كتابي: "آهة" للقابسي، و"أهَّة" للأصيلي، و"أُهة" لابن السماك.
(٤) "الموطأ" ٢/ ٩٦٠، البخاري (٦٦، ٤٧٤)، مسلم (٢١٧٦) عن أبي واقد الليثي.
(٥) مسلم (٢٧١٥) عن أنس بلفظ: "فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُئْوِيَ".
(٦) البخاري (٢١٣١، ٢١٣٧، ٦٨٥٢)، مسلم (١٥٢٧) عن ابن عمر بلفظ: "يُئْوُوهُ إلى رِحَالِهِمْ".
(٧) "الموطأ" ٢/ ٥٨٨ من حديث عروة بن الزبير مرسلًا.
(٨) "الموطأ" ٢/ ٩٧٩ من حديث خالد بن معدان.
[ ١ / ٣٤٥ ]
ومعنى: "آوَاهُ اللهُ" جعل الله له فيه مكانًا وفسحة لمَّا انضم إليه، أعني: مجلس النبي - ﷺ -، وقيل: قرَّبَه إلى موضع نبيه، وقيل: يئويه إلى ظل عرشه، وفي الحديث: "نَسْجُدُ حَتَّى نَأْوِيَ لَهُ" (١) أي: نَرثِي ونَرِقَّ، وآوى له: رق، قيل: ومعنى: "الْحَمْدُ لله الَّذِي آوَانَا" (٢) أي: رحمنا وعطف علينا، "وَكَمْ مِمَّنْ لَا مُئْوِيَ لَهُ" (٢) أي: لا عاطف عليه ولا راحم له، وعلى المعنى الأول، أي: الذي ضمَّ شملنا، وجعل لنا مواطن ومساكن نأوي إليها، وكم من لا موطن له، ولا مسكن، ولا من ينعم عليه فهو ضائع مهمل.
والمأوَى لكل شيء، سوى مأوِي الإبل والزنابير، ولم يأت مفعِل بكسر العين في الصحيح من مصادر الثلاثيات وأسمائها مما مستقبله يَفعَل بالفتح إلاَّ مَكْبِرَ من الكبر، ومَحْمِدَة من الحمد، وفي المعتل معصِية، ومأوِي الإبل، هذِه الأربعة شذَّت، وما سواها مَفعَل بفتح العين (في الصحيح، وكثير من المعتل مما عَيْنُ فعله ياءٌ، وقد حكي في جميع ذلك الفتح والكسر، كُنَّ مصادرَ) (٣) أو أسماء.
_________________
(١) كذا عبارة المصنف كما بـ (س)! وعبارة القاضي عياض في "المشارق" ١/ ١٤٥: (وفي الحديث الآخر في السجود: "حتى نأوي له") وهي أضبط؛ فالحديث رواه أبو داود (٩٠٠) من طريق الحسن عن أحمر بن جزء صاحب رسول الله - ﷺ - بلفظ: "أن رسول الله - ﷺ - كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه حتى نأوي له". لا باللفظ الذي ذكره المصنف. والحديث صحح إسناده النووي في "المجموع" ٣/ ٤٣٠، وقال الألباني في "صحيح أبي داود" (٨٣٧): إسناده حسن صحيح. وقد روي في مصادر أخر بنحوه.
(٢) مسلم (٢٧١٥) عن أنس.
(٣) ساقطة من (س).
[ ١ / ٣٤٦ ]