قوله - ﷺ -: "تَأْخُذَ أُمَّتِي بِإِخَذِ القُرُون قَبْلَهَا" كذا ضبطه بعضهم جمع: إخْذَة، مثل: كِسْرَة وكِسَر، وكذا ذكره ثعلب، ومعناه الطرق والأخلاق، يقال: ما أخذ إِخْذَه، بالكسر، أي: ما قصد قصده، وإِخْذ القوم: طريقهم وسبيلهم.
وقال غيره: يقال: جاء بنو فلان، ومن أَخَذَ إِخْذَهُم وأَخْذَهُم وأُخْذَهُم، وقد ضبطه أكثر الرواة بفتح الهمزة وسكون الخاء (١)، أي: يسلكون سبيل القرون المتقدمة، ويفعلون أفعالهم، ويتناولون من الدنيا مثل ما تناولوا، وهذا كقوله: "لَتَسْلُكُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ" (٢) وفي حديثٍ آخر في أهل الجنة: "وأَخَذُوا أَخَذَاتِهِم" (٣) أي: سلكوا طرقهم إلى درجاتهم، وحلوا محالهم، وقد يكون معناه: حَصَّلُوا كرامة ربهم، وحاذوا ما أعطوا منها.
قوله: "يُؤَخَّذُ عَنِ امْرَأَتِهِ" (٤) أي: يحبس عنها فلا يقدر على جماعها، والأُخذة: رقية الساحر، وأصله من الربط والشد، ومنه سمي الأسير: أخيذًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، أي: ائسروهم.
_________________
(١) البخاري (٧٣١٩) من حديث أبي هريرة.
(٢) رواه الطبراني ١٧/ (٣)، والحاكم في "المستدرك" ١/ ١٢٩ وضعفه - عن عمرو بن عوف المزني، بهذا اللفظ. ورواه البخاري (٣٤٥٦، ٧٣٢٠)، مسلم (٢٦٦٩) من حديث أبي سعيد الخدري، بلفظ: "لَتَتَّبِعُنَّ".
(٣) مسلم (١٨٩) عن المغيرة بن شعبة.
(٤) البخاري قبل حديث (٥٧٦٥) معلقًا عن قتادة.
[ ١ / ٢٠٨ ]
وقول مَاعِزٍ: "إِنَّ الأخِرَ زَنَى" (١) هي قصيرة الألف، وبعض المشايخ يمد الألف، وكذا رُوي عن الأصيلي في "الموطأ" وهو خطأ، وكذلك من فتح الخاء، ومعنى "الْأخر" بالقصر: الأبعد على الذم، ويقال: الأرذل الخسيس، ومثله في الحديث: "الْمَسْأَلَةُ أخِرُ كسْبِ المرْءِ" (٢) مقصور أيضًا، أي: أرذله وأدناه، وإن كان الخطابي قد رواه بالمد، وحمله على ظاهره وأن معناه: ما دمتم (٣) تقدرون على معيشةٍ من غير السؤال، فلا تسألوا؛ وإنما المسألة آخر شيءٍ يكتسب به الإنسان حين لا يجد سواها، والثاني على طريق الخبر: أن من سأل اعتاد السؤال، فلم يشتغل بغيره؛ فتكون المسألة معتمده بقية عمره (٤).
_________________
(١) "الموطأ" ٢/ ٨٢٠، وفيه: "عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسلَمَ جَاءَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالَ لَهُ: " الحديث. وليس فيه ذكر ماعز، وكذا ذكره القاضي في "المشارق" ١/ ٦٦ دون تسمية الرجل. قال ابن عبد البر في "التمهيد" ٢٣/ ١٢٤: قال الأخفش: كنى عن نفسه فكسر الخاء، وهذا إنما يكون لمن حدث عن نفسه بقبيح يكره أن ينسب ذلك إلى نفسه. وما ذكره المصنف أنه ماعز صواب؟ جزم به النووي في "تهذيب الأسماء واللغات" ٢/ ٣١٥، وابن بشكوال في "غوامض الأسماء المبهمة" ١/ ٢٠٣. وقال الحافظ السيوطي في "تنوير الحوالك" ١/ ١٦٦: هو ماعز باتفاق الحفاظ.
(٢) رواه الطبراني ١٨/ (٨٧٠)، والحاكم ٣/ ٦١٢ من طريق محمَّد بن يزيد الواسطي، عن زياد الجصاص، عن الحسن، عن قيس بن عاصم المنقري، مرفوعًا. قال الهيثمي في "المجمع" ٣/ ١٠٧ - ١٠٨: فيه زياد الجصاص، وفيه كلام، وقد وثق. ورواه البخاري في "الأدب المفرد" (٩٥٣) من طريق الصعق بن حزن، عن القاسم بن مطيب، عن الحسن، به. قال الألباني في "صحيح الأدب المفرد" (٩٥٣): حسن لغيره. وقد جاء في مطبوعات هذِه المصادر: "آخر" بالمد.
(٣) كذا بـ (س) و"غريب الحديث" للخطابي، وفوقها بـ (س): (كنتم)، وهو ما في (د، أ، ظ).
(٤) "غريب الحديث" ٢/ ٥٦٠.
[ ١ / ٢٠٩ ]
وقيل: الأخير، بالياء هو الأبعد، والأخر بالقصر من غير ياء هو الغائب.
وفي "تفسير ابنِ مُزَيْنٍ" (١): "الْأَخِرُ" بالقصر: اللئيم، وقيل: هو البائس الشقي، وأما الآخِر بالمد: وهو ضد الأول. وكذلك الأخير، بمعنى: المتأخر، ضد المتقدم. وكذلك: الآخَر - بفتح الخاء والمد - وهو غير المذكور قبله، ومنه: "أَمَرَ أُنَيْسًا أَنْ يَأْتِيَ امْرَأَةَ الآخَرِ" (٢) بالمد والفتح: امرأة الرجل الآخر الذي خاصمه، ورواه ابن وضاح: "الْأخِيرِ".
وفي حديث الصلاة على ابن أُبَيٍّ: "أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ" (٣) أي: أخر عني رأيك أو قولك أو نفسك، فاختصر إيجازًا وبلاغةً.
وفي حديث الإسراء، في ذكر البيت المعمور: "إِذَا خَرَجُوا منه لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرُ مَا عَلَيْهِمْ" (٤) كذا رويته برفع الراء وفتحها، ومعناه: أنه آخر دخولهم إياه، كأنه قال: ذلك آخر ما عليهم أن يدخلوه، يقال: لقيته آخريًّا، وبآخَرة وبآخِرة بالفتح والكسر معًا (٥)، والضم في الراء (٦) أوجه،
_________________
(١) هو يحيى بن إبراهيم بن مزين، القرطبي الفقيه، أحد الأعلام بالأندلس، كان حافظًا "للموطأ" قائمًا عليه، فقيهًا مفتيًا مصنفًا، له تواليف منها: "تفسير غريب الموطأ"، و"تفسير علل الموطأ"، و"أسماء رجال الموطأ"، و"فضائل القرآن"، توفي سنة تسع وخمسين ومائتين. انظر "تاريخ علماء الأندلس" ٢/ ١٨١ (١٥٥٨)، "تاريخ الإِسلام " ١٩/ ٣٦٧ (٥٦٨).
(٢) "الموطأ" ٢/ ٨٢٢، البخاري (٦٨٤٢، ٦٨٤٣) من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد.
(٣) البخاري (١٣٦٦، ٤٦٧٢) من حديث عمر.
(٤) البخاري (٣٢٠٧)، مسلم (١٦٤) من حديث مالك بن صعصعة، وفيه: "يعودوا فيه".
(٥) كذا بالنسخ الخطية، وعبارة القاضي في "المشارق" ١/ ٦٦ - ٦٧: بالفتح والكسر معًا في الهمزة، والخاء مفتوحة.
(٦) في (د، أ، ظ): (الرواية)، وهو صحيح أيضًا.
[ ١ / ٢١٠ ]
والفتح فيها على الظرف، ومعنى: "مَا عَلَيْهِمْ" أي: من دخوله.
وفي الحديث: "آخِرَةُ الرَّحْلِ" (١) ممدود، وهو عود في مؤخره، وهو ضد قادمته، وفي بعض الأحاديث: "مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ" (٢) بكسر الخاء وسكون الهمزة، وبالوجهين ذكره أبو عبيد، وضبطه الأصيلي بخطه مرة في البخاري: "مَوْخِرَةُ الرَّحْلِ" بفتح الميم وإسكان الواو وكسر الخاء، ورواه بعضهم: "مُؤَخِّرةُ" وأنكره ابن قتيبة (٣).
وقال ثابت: مؤخرة الرحل ومقدمته، ويجوز: قادمته وآخرته.
وقال ابن مكي: لا يقال: مُقْدِم ولا مُؤْخِر بالكسر إلاَّ في العين، وأما في غيرها فبالفتح لا غير.
قوله: "أَنْتَ المُقَدِّمُ وأَنْتَ المُؤَخِّرُ" (٤) أي: المنزل الأشياء منازلها، تقدم ما شئت من مخلوقاتك وتؤخر، وتقدم مَنْ شئت مِنْ عبادك بتوفيقك، وتؤخر مَنْ شئت بخذلانه.
_________________
(١) البخاري (٥٩٦٧، ٦٥٠٠) من حديث معاذ، ومسلم (٥١٠) من حديث أبي ذر.
(٢) مسلم (٣٠) عن معاذ، و(٤٩٩) عن طلحة بن عبيد الله، و(٥٠٠) عن عائشة، و(٥١١) عن أبي هريرة، و(١٢١١) عن عائشة.
(٣) عبد الله بن مسلم بن قتيبة أبو محمَّد القتبي الكاتب، الدينوري، كان ثقة، دينا، فاضلا، وهو صاحب التصانيف المشهورة منها "غريب القرآن" "غريب الحديث" "مشكل القرآن" "أدب الكتاب" وغير ذلك، سكن ابن قتيبة بغداد وروى فيها كتبه إلى حين وفاته، وقيل: إن أباه مروزي وأما هو فمولده بغداد، وأقام بالدينور مدة فنسب إليها. مات سنة سبعين ومائتين. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" ١٠/ ١٧٠، "سير أعلام النبلاء" ١٣/ ٢٩٦.
(٤) البخاري (١١٢٠، ٦٣١٧) من حديث ابن عباس، والبخاري أيضًا (٦٣٩٨)، مسلم (٧٧١) من حديث علي، ومسلم (٢٧١٩) من حديث أبي موسى.
[ ١ / ٢١١ ]
قوله - ﷺ -: "شَيبتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا" (١) جاء مفسرًا في حديث آخر: "هُودٌ وَالوَاقِعَةُ وَالمُرْسَلَاتُ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ" (٢) سمَّاها أخوات؛ لشبهها في الإنذار، وقيل: لأنهن مكيّات بمكة، كالميلاد للإخوة، وقيل: الذي شيبه منها ما فيها من ذكر أهوال يوم (٣) القيامة، وقيل: بل شَيَّبَه قوله تعالى في هود: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، والأول أظهر.
وقوله في حديث ابن عمر (٤): "يَتَأَخَّى مُنَاخَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - " أي: يتحرى
_________________
(١) رواه أبو يعلى ٢/ ١٨٤ (٨٨٠)، والطبراني ٢٣/ (٣١٨)، والدارقطني في "العلل" ١/ ٢٠٦ من طريق محمَّد بن بشر، عن علي بن صالح، عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة، مرفوعا. ورواه الطبراني ١٧/ (٧٩٠) من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة ابن عامر، به. قال الهيثمي في "المجمع" ٧/ ٣٧: رجاله رجال الصحيح. وصححه والذي قبله الألباني في "صحيح الجامع" (٣٧٢٠).
(٢) رواه الترمذي (٣٢٩٧)، والحاكم ٢/ ٣٤٣ من طريق شيبان، عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو بكر - ﵁ -: يا رسول الله قد شبت الحديث. قال الترمذي: حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث ابن عباس إلاَّ من هذا الوجه. وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. قلت: وفي الباب عن أبي بكر نفسه، وسهل بن سعد، وغيرهما. قال البزار في "البحر الزخار" ١/ ١٦٩: قد روي عن النبي - ﷺ - من وجوه أن أبا بكر قال للنبي - ﷺ -: أراك قد شبت. ثم قال: والأخبار مضطربة أسانيدها عن أبي إسحاق. ونقل حمزة بن يوسف السهمي في "سؤالاته" عن الدارقطني قال: "شيبتني هود والواقعة" معتلة كلها. لكن الحديث صححه آخرون؛ فذكره ابن دقيق العيد في "الاقتراح" ص ١٠٥ عن ابن عباس وصححه، وحسنه السيوطي في "الدرر المنتثرة" ص ٨٥، وصححه الألباني في "الصحيحة" (٩٥٥).
(٣) من (د، أ).
(٤) في (د): (عباس).
[ ١ / ٢١٢ ]
ويقصد، ويقال: "يَتَوَخَّى" (١) بالواو أيضًا (٢).