في كتاب التَفْسِيرِ من البخاري: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١]: "أَيْ: أَعْطِيَا" ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]: "أَيْ: أَعْطيا" (٦).
قُلْتُ: وليس هذا من باب الإعطاء، لكن من باب المجيء والانفعال للوجود بدليل الآية نفسها؛ ولذلك فسر المفسرون: جِيئَا بِمَا خَلَقْتُ فيكُمَا
_________________
(١) البخاري (٢٤٧٣) من حديث أبي هريرة، وفيه: "الطَّرِيقُ الْمَيْتَاءُ"، وسقطت لفظة: "الميتاء" عند غير واحدٍ من الرواة. انظر اليونينية ٣/ ١٣٥.
(٢) هو القاسم بن سلَّام بن عبد الله صاحب "غريب الحديث" وغيره من التصانيف، الإمام الحافظ المجتهد ذو الفنون، توفي سنة أربع وعشرين ومائتين. انظر ترجمته في: "وفيات الأعيان" ٤/ ٦٠، "تهذيب الكمال" ٢٣/ ٣٥٤ (٤٧٩٢)، "تاريخ الإِسلام" ١٦/ ٣٢٠ (٣٣٠).
(٣) "غريب الحديث " ٢/ ٢٠٥.
(٤) مسلم (٢٥٠٣/ ١٧١) من حديث أبي أيوب.
(٥) في (د، أ): (يأتي).
(٦) البخاري بعد حديث (٤٨١٥) عن ابن عباس معلقًا.
[ ١ / ١٨٨ ]
وأَظْهِرَاهُ (١)، ومثله عن ابن عباس (٢)، وقد روي عن ابن جبيبر مثل ما ذكره البخاري، وهو يخرج على تأويل أنهما لما أمرتا بإخراج ما بثَّ فيهما من شمسٍ وقمرٍ ونجومٍ وأنهارٍ ونباتٍ ومعدنٍ وثمارٍ كان كالإعطاء، فَعُبِّرَ عن المجيء بما أُودِعَتَاهُ بالإعطاء، وقد يخرج على معنى: أعطينا من أنفسنا ما اقتضي منا بالأمر، الذي هو بمعنى التكوين والإيجاد.
وفي باب صِفَةِ نُزُولِ الوحْيِ: "فَلَمَّا أُتْلِيَ عَنْهُ" (٣) على وزن أُعطي، والتاء المثناة، كذا قيده ابن عيسى (٤) وابن ورْدٍ (٥)
_________________
(١) قال القرطبي: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أي: جيئا بما خلقت فيكما من المنافع والمصالح وأخرجاها لخلقي. ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ في الكلام حذف، أي: أتينا أمرك طائعين. وقيل: معنى هذا الأمر التسخير؛ أي: كونا. فكانتا كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فعلى هذا قال ذلك قبل خلقهما، وعلى القول الأول قال ذلك بعد خلقهما، وهو قول الجمهور. "الجامع لأحكام القرآن" ١٥/ ٣٤٣ - ٣٤٤.
(٢) رواه عنه الطبري في "التفسير" ١١/ ٩٢ (٣٠٤٥٢).
(٣) مسلم (٢٣٣٥) من حديث عبادة بن الصامت.
(٤) محمد بن عيسى بن حسن، القاضي أبو عبد الله التميمي، الفقيه المالكي السبتي، سمع بالمرية "صحيح البخاري" على ابن المرابط، كان حسن السمعة وافر العقل مليح الملبس، تفقه به أهل سبتة وكان يسمى الفقيه العامل، تفقه عليه القاضي عياض وأناس توفي سنة خمس وخمسمائة. انظر ترجمته في: "ترتيب المدارك" ٤/ ٥٨٤، "الصلة" ٢/ ٦٠٥، "تاريخ الإِسلام" ٣٥/ ١١٣.
(٥) هو أحمد بن محمد بن عمر، أبو القاسم التميمي المريي، المعروف بابن ورد، كان فقيهًا حافظًا عالمًا متفننًا، أخذ العلم عن أبي علي الغساني وأبي محمد بن العيار، له "شرح البخاري" رئي منه المجلد الثاني، فيقتضي أن يكون من حساب مائتي مجلدة، توفي سنة أربعين وخمسمائة.
[ ١ / ١٨٩ ]
عن (١) الغَسَّانِي (٢). وعنِ الفَارِسِي مثله إلَّا أنه بثاء مثلثة، وعند العُذْرِيّ من طريق الأَسَدِي (٣): "أُتِلَ" بضم الهمزة وتخفيف اللام على مثال ضُرِبَ، وكان عند ابن سُّكَّرَة (٤): "أُجْلِيَ عَنْهُ"، وعند ابن ماهان: "انْجَلَى عَنْهُ"، وكذا رواه البخاري (٥)، أي: انكشف وذهب وفرج عنه، يقال: انجلى الغمّ عنه وأجليته عنه، أي: فَرَّجْتُهُ فَتَفَرَّجَ، وأجلوا عن قتيل، أي: أفرجوا عنه، وتركوه.
_________________
(١) انظر ترجمته في: "الصلة" ١/ ٨٢ (١٧٧)، "بغية الملتمس" (٢٦٢)، "تاريخ الإِسلام" ٣٦/ ٥٣٢ (٤٦٨).
(٢) في (س، أ): (على).
(٣) هو الحسين بن محمد بن أحمد الغساني الأندلسي الجياني، الإمام الحافظ المجود الحجة الناقد، محدث الأندلس، صاحب كتاب "تقييد المهمل"، توفي ليلة الجمعة ثاني عشر شعبان، سنة ثمان وتسعين وأربعمائة. انظر ترجمته في: "الصلة" ١/ ١٤٢، "وفيات الأعيان" ٢/ ١٨٠، "سير أعلام النبلاء" ١٩/ ١٤٨ (٧٧).
(٤) هو سفيان بن العاص بن أحمد بن العاص بن سفيان بن عيسى، أبو بحر الأسدي المربيطري، الإمام المتقين النحوي، نزيل قرطبة، توفي في جمادى الآخرة سنة عشرين وخمسمائة. انظر ترجمته في: "الصلة" ١/ ٢٣٠، "سير أعلام النبلاء" ١٩/ ٥١٥ (٢٩٨)، "شذرات الذهب" ٤/ ٦١.
(٥) في هامش (س) إشارة أن في نسخة: (السكن)، وهو ما في (أ). وابن سكرة هو الحسين بن محمد بن فيره بن حيون بن سكرة، أبو علي الصدفي الأندلسي السرقطي، الإمام العلامة الحافظ القاضي، روى عنه القاضي عياض "صحيح مسلم"، توفي سنة أربع عشرة وخمسمائة. انظر ترجمته في: "الصلة" ١/ ١٤٤، "سير أعلام النبلاء" ١٩/ ٣٧٦ (٢١٨)
(٦) البخاري (١٢٥) من حديث ابن مسعود.
[ ١ / ١٩٠ ]
وقال بعضهم: لعله: "اؤْتُلِيَ" أي: قُصِّرَ عنه، وتُرِكَ وأمسك، من قولهم: لم يأل يفعل كذا، أي: لم يُقصِّر.
وقال بعضهم: لعله "أُعْلِيَ عَنْهُ"، وتصحف منه: انجلى أو أُجلي، وكذا رواه ابن أبي خيثمة، أي: نُحِّيَ عنه، كما قال أبو جهل: اعْلُ عني، أي: تنحّ عني (١).
وفي البخاري في. سُورَةِ سُبْحَانَ: "فَلَمَّا نَزَلَ الوحْيُ" (٢)، وكذا في مسلم في حديث اليهود (٣)، وهذا وهم بيِّن؛ لأنه إنما جاء هذا الفصل عند انكشاف الوحي (٤).
وفي البخاري في كتاب الاعْتِصَامِ: "فَلَمَّا صَعِدَ الوحْيُ" (٥)، وهذا صحيح من نحو ما تقدم أولًا.
وفي حديث امْرَأَةِ أبي أُسَيْدٍ في النَّبِيذِ: "فَلَمَّا فَرَغَ أَتَتْهُ فَسَقَتْهُ" كذا لابن الحَذَّاء، وللباقين: "أَمَاثَتْهُ فَسَقَتْهُ" (٦) أي: عركتْه ومرستْه، يعني: التمر المنقوع، وهو الصواب، يقال: مست الشيء إذا مرسته بيدك فينحل، فيتمزج بالماء الذي تمرسه منه.
وفي باب الجُلُوسِ في أَفْنِيَةِ الدُّورِ: "فَإِذَا أَتَيْتُمْ إِلَى المَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا" (٧) كذا عندهم عن البخاري لكافة رواة الفَرَبْرِيّ والنَّسفي،
_________________
(١) من (أ).
(٢) البخاري (٤٧٢١) من حديث عبد الله بن مسعود.
(٣) مسلم (٢٧٩٤).
(٤) تحرفت في (س) إلى: (الوجه).
(٥) البخاري (٧٢٩٧) من حديث عبد الله بن مسعود، وفيه: "حَتَّى صَعِدَ".
(٦) البخاري (٥١٨٢)، مسلم (٢٠٠٦) من حديث سهل بن سعد.
(٧) انظر اليونينية ٣/ ١٣٢.
[ ١ / ١٩١ ]
وهو وهمٌ وتصحيفٌ، وصوابه ما وقع في كتاب الاستئذان، وغير هذا الموضع: "فَإِذا (١) أَبَيْتُمْ إِلَّا الجُلُوسَ" (٢) وفي باب الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الخُمُسَ لِنَوائِبِ المُسْلِمِينَ، في حديث أبي مُوسَى: "فَأَتَى ذِكْرُ دَجَاجةٍ" كذا لِلنَّسفي وأبي ذَرٍّ، وفي رواية الأصيلي: "فَأُتِيَ، ذَكَرَ دَجَاجَةً" (٣) على ما لم يسم فاعله، و"ذَكَرَ" فعل ماض، أي: ذكر الراوي دجاجةً، وهذا أشبه كما قال في غير هذا الباب: "فَأُتِيَ بِلَحْمِ دَجَاجٍ" (٤) وبدليل قوله في هذا الحديث: "فَدَعَاهُ لِلطَّعَامِ" (٥) كأنه شكَّ الراوي فيما أتي به؛ فذكر أن فيه دجاجة.
قال ابن قُرْقُولٍ: ورواية أبي ذرٍّ والنَّسفي أظهر عندي.
قوله: "كُنَّا نَمُرُّ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ، فنَأْتِي عِمْرَانَ بْنَ الحُصَيْنٍ" (٦) كذا لهم في كتاب مسلم، وعند السمرقندي: "فَأَتَى عِمْرَانُ" وهو وهمٌ، والأول هو الصواب؛ بدليل قوله: "إِنَّكُمْ لَتُجَاوِزُونِي إلى رِجَالٍ " الحديث، وقائل هذا هو هشام بن عامر الذي كانوا يجاوزونه إلى عمران.
_________________
(١) فوقها في (س): (ن) إشارة أن في بعض الروايات أو النسخ: (فإن) وهو مافي (د، أ، ظ)، وليس في الصحيحين: (فإن).
(٢) البخاري (٢٤٦٥) من حديث أبي سعيد الخدري، وفيه: "أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجَالِسَ"، وكذا (٦٢٢٩) لكن فيه: "إلَّا الْمَجْلِسَ"، وهو ما في مسلم (٢١٢١).
(٣) البخاري (٣١٣٣)، وقال الحافظ في "الفتح" ١/ ٧٤: وهو الصواب؛ فإن التقدير: أتي بدجاجة. وانظر اليونينية ٤/ ٨٩.
(٤) البخاري (٥٥١٨)، وفي مسلم (١٦٤٩/ ٩): "فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامْ فِيهِ لَحْمُ دَجِاجٍ".
(٥) البخاري (٣١٣٣).
(٦) مسلم (٢٩٤٦) من حديث عمران بن حصين، وفيه: "نَأْتِي عِمْرَانَ".
[ ١ / ١٩٢ ]
قال ابن قُرْقُولٍ: ويحتمل أن يكون: "فَآتِي عِمْرَانَ" لكني لم أروه.
قوله: "يَتَعَاقَبُونَ فيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ " الحديث (١)، وفيه: "أَتَيْنَاهُمْ وهُمْ يُصَلُّونَ" كذا للجمهور وهو الصواب، وللأصيلي في "موطأ يحيى": "أَتَيْتُهُمْ" على الإفراد، وهو وهم ولعله من الناسخ، أسقط الألف التي بعد نون الجمع.
قوله في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ؛ "فَإِنْ يَأْتُونَا كانَ قَدْ قَطَعَ اللهُ عَيْنًا مِنَ المُشْرِكِينَ" (٢) كذا لِلْجرْجَانِي وكافة الرواة للبخاري، من الإتيان، وعند ابن السكن: "بَاتُّونَا" بشد التاء من البتات، يعني: قاطعونا بإظهار المحاربة، والأول أظهر هنا.
_________________
(١) "الموطأ" ١/ ١٧٠، البخاري (٧٤٢٣)، مسلم (٦٣٢) عن أبي هريرة.
(٢) البخاري (٤١٧٨ - ٤١٧٩) من حديث عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم.
[ ١ / ١٩٣ ]