فمن ذَلِكَ: (إِلَّا، وأَلَّا، وأَلَا، وإِلَى، وإِليَّ).
اعلم أن "إِلَّا" بكسر الهمزة حرف استثناء، يخرج بعض ما تضمنته الجملة المذكورة قبله منها، وقد تأتي بمعنى "لكن"، وهو الذي يسميه بعضهم: الاستثناء من غير الجنس. وبعضهم: الاستثناء المنقطع.
وبعضهم يسميه: الاستدراك. وقد جاءت أيضًا بمعنى: "وَلَا"، وبمعنى: "إِنْ لَمْ".
وأما "أَلَّا" بفتح الهمزة فللتوبيخ والذم (١) والَّلوم، وتأتي للعرض؛ إذا خففت لامها، وبمعنى: "هَلَّا"؛ إذا شددت لامها، وبمعنى: "أَنْ"، و"لَا" زائدة.
وأما "أَلَا" بالتخفيف فلاستفتاح الكلام، وتأتي أيضًا للعرض والتحضيض.
وأما "إِلَى" بالياء فحرف غاية وانتهاء، وقد تأتي بمعنى: "في" وبمعنى: "مع".
وأما التي بشد الياء فهي "إلي" أضيفت إلى ياء المتكلم، وقد تأتي بمعنى: "لِي".
وهذِه أمثلة ذلك كله إن شاء الله:
_________________
(١) ساقطة من (س).
[ ١ / ٢٦٥ ]
قال ابن عمر - وقد أعتق مملوكَّاَ له كان قد ضربه: "مَا لِي فِيهِ أَجْرٌ، وَلَا مَا يُسَاوِي هَذَا، إلاَّ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ " الحديث (١).
كذا الرواية: "إِلَّا أَنِّي" حرف استثناء، ووجهه أن يكون استثناء منقطعًا، أو على ما نذكره بعد إن شاء الله، وقال بعضهم: لعله: "أَلَا إِنِّي" فيكون حرف استفتاح للخبر المذكور بعدها، وكأن قائل هذا استبعد الاستشهاد بهذا على قوله: "مَا لِي فِيهِ مِنْ أَجْرٍ"، وعندي أنه لا يبعد، ولا تنافر بين الفضلين؛ أخبر - ﵁ - أنه لا أجر له في عتقه إذ لم يعتقه ابتداءً للأجر متطوعًا به؛ لكن لكفارة الضرب، وإزالة الإثم اللاحق به لضربه إياه، ويكون تقدير الكلام: ما لي في عتقه من أجر إذ لم أُعتقه إلاَّ؛ لأني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول كذا. أي: فأعتقته؛ ليكفِّر الله عني ما فعلت به من الضرب.
وقوله - ﷺ - في فضل أبي بكر: "إِلَّا خُلَّةَ الإِسلَامِ" (٢) كذا ضبطه الأصيلي بحرف الاستثناء من نفي غيرها من الخُلة، ونصب الخلة، وعند بعضهم: "أَلَا" بفتح الهمزة وتخفيف اللام للاستفتاح، ورفع الخلة على ابتداء الكلام، وكلاهما صحيح، وقوله في الحديث الآخر: "لَكنْ أُخْوَّةُ الْإِسْلَامِ" (٣) يشهد لصحة الاستثناء وللاستفتاح أيضًا، وحذف الخبر من قوله: "لكن" ومن رواية الاستفتاح أيضًا اختصارًا (٤)؛ لدلالة الكلام
_________________
(١) مسلم (١٦٥٧).
(٢) البخاري (٣٩٠٤) عن أبي سعيد الخدري.
(٣) البخاري (٤٦٦، ٣٦٥٤)، مسلم (٢٣٨٢) عن أبي سعيد، والبخاري أيضًا (٣٦٥٧) عن ابن عباس.
(٤) في (س): (اختصارٌ)، وهي ساقطة من (د، أ)، والجادة ما أثبتناه، وهو ما في =
[ ١ / ٢٦٦ ]
عليه، أي: لكن خلة الإسلام ثابتة، أو لازمة، أو باقية، ونحوه.
وقوله - ﷺ -: "إِلَّا آكِلَةَ الخَضِر" (١) [أكثر الروايات فيه على الاستثناء، ورواه بعضهم "ألا" على الاستفتاح أيضًا، كأنه قال: ألا انظروا آكلة الخَضِر] (٢) واعتبروا في شأنها، ونحوه.
وفي خطبته - ﷺ - يوم الفتح: "أَلَا أَيُّ شَهْرٍ تَعْلَمُونَهُ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟ قَالُوا: أَلَا شَهْرُنَا هَذَا" (٣) بالفتح والتخفيف فيهما، وفي سائر الحديث.
وفي باب من الكبائر أَلَّا يستتر من بوله: "لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا" يعني: صاحبي (٤) القبرين "إلاَّ أَنْ يَيْبَسَا" بحرف الاستثناء، كذا جاء لأبي الهيثم والحموي، وهي إحدى روايتي الأصيلي - ﵀ - (٥)، ولغيرهم: "إلَى أَنْ" (٦)، وهو المعروف في أكثر الحديث، وبدليل قوله في الرواية الأخرى: "مَا لَمْ يَيْبَسَا" (٧) من غير شك.
ووجه رواية من روى: "إلاَّ أَنْ يَيْبَسَا" أنه لما أطلق التوقع والترجي من غير تقييد بزمان ولا محدود بمدة - وقد علم - ﷺ - أن التخفيف عنهما لا بد أن
_________________
(١) = "المشارق" ١/ ٩٦.
(٢) البخاري (٢٨٤٢)، مسلم (١٠٥٢) عن أبي سعيد الخدري. وانظر اليونينية ٤/ ٢٧.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من جميع النسخ، وأثبته من "مشارق الأنوار" ١/ ٩٧؛ ليستقيم السياق.
(٤) البخاري (٦٧٨٥) عن ابن مسعود.
(٥) في (س): (صاحب)، وقد سقطت من (د، أ، ظ)، والمثبت كما في "المشارق" ١/ ٩٧، وهو الصواب.
(٦) اليونينية ١/ ٥٣.
(٧) البخاري (٢١٦) عن ابن عباس.
(٨) البخاري (٢١٨، ١٣٦١، ١٣٧٨، ٦٠٥٢، ٦٠٥٥)، مسلم (٢٩٢).
[ ١ / ٢٦٧ ]
يكون إلى مدة، وهي ما دامت الجريدتان رطبتين - استدرك بحرف: "إلا"، وجاز ذلك وإن لم يتقدمه نفي؛ لأن حرف (لعل) ليس بحرف إثبات، فأشبه الشرط، فكان كقوله - ﷺ -: "مَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فقال كَمَا أَمَرَهُ اللهُ: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أجرْنِي في مُصِيبَتِي، وَأَعْقِبْنِي خَيْرًا مِنْهَا. إِلَّا فَعَلَ اللهُ ذَلِكَ بهِ" (١) فأتى بـ "إلا" بعد الخبر؛ لما كان فيه من الشرط، والشرط ليس بإثبات محض، وكذلك لعل.
وفي حديث الثلاثة الذين خلفوا: قول كعب بن مالك: "فَوَاللهِ مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ إِذْ هَدَانِي لِلإِسْلَامِ، أَعْظَمَ في نَفْسِي مِنْ صِدْقِ (٢) رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، أَلا اَكُونَ كَذَبْتُهُ" كذا في الصحيحين لكافة الرواة حيث تكرر (٣)، وعند الأصيلي في باب من البخاري: "ألا أن أكون كذبته" بزيادة: "أن" والأول هو الصواب لا غير، ومعناه: أن أكون كذبته، و"لا" هاهنا زائدة كهي في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] هكذا رأيت هذا الكلام لشيخنا القاضي - ﵀ -، وهو عندي غير بين، وأبين منه أن تكون: "لا" غير زائدة، وتكون: "أن" التي قبلها مخففة من الثقيلة، ويكون التقدير: فوالله ما أنعم الله علي من نعمة أعظم من أني لم أكن كذبته فأهلك. وإذا قدرت: "لا" زائدة كما تأول الشيخ؛ انعكس المعنى، وصار التقدير: ما أنعم الله علي من نعمة أعظم من أن أكون كذبته، أي: من كوني كذبته.
_________________
(١) "الموطأ" ١/ ٢٣٦، مسلم (٩١٨) عن أم سلمة.
(٢) في (س): (صدق)، والمثبت من "الصحيحين".
(٣) البخاري (٤٤١٨، ٤٦٧٣)، مسلم (٢٧٦٩).
[ ١ / ٢٦٨ ]
وفي باب الشهادة عند الحاكم في حديث أبي قتادة: "وقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ بن صالح: فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَأَدَّاهُ إِلَيَّ" (١) كذا لأبي ذر الهروي والنسفي، ووقع عند الأصيلي: "إلى مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ" وكلاهما صحيح.
وفي حديث ابن عمر: "إِنَّكَ لَضَخْمٌ أَلّا تَدَعُنِي أَسْتَقْرِئُ لَكَ الحَدِيثَ؟ " (٢) كذا رويناه وقيدناه من طريق الأسدي بتشديد اللام وضم العين، أي: إن جفاءك وغباوتك يحملانك على العجلة؛ لتركك سماع حديثي، وقطعه عليَّ بقولك لي: "لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ" (٢)، فأنت ضخم جافٍ؛ من أجل فعلك هذا؛ فتكون: "ألَّا" هاهنا بمعنى: هلَّا تدعني أتتبع لك الحديث سردًا. ورواه بعضهم: "أَلَا" مخففة، التي للعرض والتحضيض، وهو أبين.
وقوله: "إِلَّا يَشِفَّ فَإنَّهُ يَصِفُ" (٣) بكسر: "إلا"، أي: إن لم يكن يشف لصفاقته، أي: يبدي ما وراءه ويظهره، فإنه يصف ما تحته برقته وانضمامه على لابسه، أي: يظهر ما تحته من العورة، فيقوم ذلك مقام وصف الواصف لذلك.
وفي باب: من ملك من العرب رقيقًا: "قَالَ: أَنَا ابْنُ عَوْنٍ: كتَبْتُ إلى نَافِعٍ؛ فَكَتَبَ إِلَيَّ" (٤) كذا لأبي ذر والأصيلي وجمهورهم، ولبعضهم: "كَتَبَ
_________________
(١) البخاري (٧١٧٠).
(٢) مسلم (٧٤٩).
(٣) رواه عبد الرزاق في "المصنف" ٥/ ١٦٤ (٩٢٥٣)، و٧/ ٥١ (١٢١٤٢)، وابن أبي شيبة ٥/ ١٦٤ (٢٤٧٨٢، ٢٤٧٨٣، ٢٤٧٨٥)، والبيهقي ٢/ ٢٣٤ - ٢٣٥ من طرق عن عمر بن الخطاب، قوله. ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (٢٤٧٨٤) عن ابن عباس، قوله.
(٤) البخاري (٢٥٤١).
[ ١ / ٢٦٩ ]
إليَّ نافعٌ" على الاختصار والاقتصار على مثال الخبر، وعلى الكمال بذكر أول القصة، ذكره البخاري في "تاريخه" مبينًا: "كَتَبْتُ إلى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ؛ فَكَتَبَ إلَيَّ" (١).
وفي باب (٢) الجلوس في الأفنية: "فَإنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ" كذا هو حيث وقع من هذِه الكتب (٣)، وهو الصواب، وجاء في البخاري، في باب الجلوس في الأفنية (٤) لسائر رواة البخاري: "فَإنْ أَتَيْتُمْ إلى الْمَجَالِسِ" (٥) وهو تصحيف؛ يبين ذلك قولهم له حين نهاهم على الصَّعدات: "مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ يَا رَسُولَ اللهِ" فقال عند ذلك مرخصًا لهم فيما كان نهاهم عنه: "فَاِنْ أَبَيْتُمْ - أي: امتنعتم من ترك الجلوس بها - فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ " الحديث. والمجلس هاهنا مصدر بمعنى الجلوس؛ كما قد جاء كذلك في بعض طرقه.
وفي قول الخَضِرِ لموسى - ﵇ -: "إِلَّا مَا نَقَصَ هَذَا العُصْفُورُ مِنْ هَذَا البَحْرِ" (٦) (ذكر بعضهم أن: "إلَّا" هاهنا بمعنى: "ولا"، أي: ما نقص علمي وعلمك من علم الله ولا ما نقص هذا العصفور من هذا البحر) (٧)
_________________
(١) "التاريخ الكبير" ٥/ ٣، وكذلك هو عند مسلم (١٧٣٠) وفيهما زيادة: "أَسْأَلُهُ عَنْ الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ". ورواه مسلم أيضًا (١٧٤٩/ ٣٧) وفيه: " أَسْأَلُهُ عَنِ النَّفْلِ".
(٢) كذا في (س)، والسياق أوجه بدونها؛ لما يأتي بعد، وانظر "المشارق" ١/ ٩٨.
(٣) البخاري (٢٤٦٥، ٦٢٢٩)، مسلم (٢١٢١) عن أبي سعيد الخدري.
(٤) في (س): (الأقبية) وهو تحريف، وهي ساقطة من (د، أ)، والمثبت كما في البخاري.
(٥) اليونينية ٣/ ١٣٢، باب أفنية الدور والجلوس فيها ، وقد رمز في هامشها أنها من رواية الحموي والمستملي.
(٦) البخاري (١٢٢، ٣٤٠١، ٤٧٢٥)، مسلم (٢٣٨٠) من حديث أُبَيِّ بن كعب.
(٧) ما بين القوسين ساقط من (س)، والمثبت من (د).
[ ١ / ٢٧٠ ]
على قلته، أي: أن علم الله لا يدخله نقص، وقد قيل: في قوله تعالى: ﴿أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] نحو هذا: ولا خطأً، وهو قول ضعيف، وإنما هو عند المحققين استثناء من غير الجنس، بمعنى: لكن قد يقتله خطأ". أو: إلاَّ أن يقتله خطأ.
قال القاضي: وهذا التأويل في الحديث لا يحتاج إليه؛ إذ معناه صحيح على ظاهره؛ وإنما المقصد بالحديث التمثيل لعدم النقص؛ إذ ما نقصه العصفور من البحر لا يظهر لرائيه، فكأنه لم يَنقُص منه شيئًا، فكذلك هذا من علم الله سبحانه، أو يكون راجعًا إلى المعلومات لا إلى العلم، أي: ما علمتُ أنا وأنت من جملة معلومات الله التي لم نطلع عليها في التقدير والتمثيل إلاَّ مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، وذِكْرُ النقص هاهنا مجاز على كل وجه، ومحال في علم الله تعالى ومعلوماته في حقه سبحانه؛ وإنما يتقدر ذلك في حقنا، ويدل على هذا قوله في الرواية (١) الأخرى: "مَا عِلْمِي وعِلْمُك وعِلْمُ الخَلَائِقِ مِنْ عِلْمِ اللهِ إِلَّا مِقْدَارُ مَا غَمَسَ هَذَا العُصْفُورُ مِنْقَارَهُ في هذا البَحْرِ" (٢) (٣).
وقوله - ﷺ -: "لَنْ تَمَسَّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ" (٤) هذا محمول على الاستثناء عند الأكثر، وعبارة عن القلة عند بعضهم، على ما نفسره إن شاء الله في حرف الحاء، وقد يحتمل أن تكون: "إِلَّا" هاهنا بمعنى: "وَلَا" على ما تقدم، أي: ولا مقدار تحلة القسم.
_________________
(١) ساقطة من (س).
(٢) انظر قول القاضي في "المشارق" ١/ ٩٩.
(٣) البخاري (٤٧٢٧).
(٤) "الموطأ" ١/ ٢٣٥، البخاري (١٢٥١، ٦٦٥٦)، مسلم (٢٦٣٢) عن أبي هريرة.
[ ١ / ٢٧١ ]
وفي حديث العزل: "مَا عَلَيْكُمْ أَلّا تَفْعَلُوا" (١) قال غير واحد: هي للإباحة، معناه: اعزلوا، أي لا بأس عليهم أن يعزلوا. قال المبرد (٢): معناه: ما عليكم أن تعزلوا. والبأس هاهنا: الإثم والحرج، و"لا" بعد "أن": للطرح. وقال الحسن البصري في كتاب مسلم: "كَأَنَّ هَذَا الكَلَامَ زَجْرٌ" (٣)، وقال ابن سيرين: "لَا عَلَيْكُمْ: أَقْرَبُ إِلَى النَّهْي مِنْهُ إلى الإِباحَة" (٤).
وفي "الموطأ" في كتاب الجامع منه: "لَا تُخْبِرْنَا يَا رَسُولَ اللهِ" كذا ليحيى (٥) وأكثر الرواة، على النهي، وعند ابن قعنب وابن بكير ومن وافقهما: "أَلَا تُخْبِرُنَا" على العرض، والجواب محذوف تقديره: ألا تخبرنا فنمتثل أو نتبع أو ننزجر أو نتعظ ونحو ذلك، ثم حذف لدلالة الكلام عليه.
وأما الوجه الأول بلفظ النهي على ما رواه يحيى ومن وافقه، فيحتمل أن يكون الناهي عن ذلك منافقًا، ويحتمل أن يقول ذلك رجل مؤمن مشفق على المسلمين؛ لئلا يتكلوا فيقتصروا على توقي شرِّ هاتين الثنتين المذكورتين،
_________________
(١) "الموطأ" ٢/ ٥٩٤، البخاري (٢٥٤٢، ٤١٣٨، ٧٤٠٩)، ومسلم (١٤٣٨) وعنده: "لَا عَلَيْكُمْ".
(٢) محمد بن يزيد بن عبد الأكبر بن عمرو بن حسان، ويقال: بن الحارث بن مالك الثمالي أبو العباس المبرد، البصري اللغوي مشهور، وثقه الخطيب وجماعة، كان إسماعيل القاضي يقول ما رأى المبرد مثل نفسه. توفي سنة خمس وثمانين ومائتين. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" ٣/ ٣٨٠، "سير أعلام النبلاء" ١٣/ ٥٧٦.
(٣) مسلم (١٤٣٨/ ١٣١).
(٤) مسلم (١٤٣٨/ ١٣٠).
(٥) "الموطأ" ٢/ ٩٨٧.
[ ١ / ٢٧٢ ]
ويسترسلوا على ما سواها، أو يهملوا كثيرًا من الأعمال، كما جاء في حديث معاذ وحديث عمر - ﵄ - (١)، ويحتمل أن يريد بذلك أن يتركهم؛ حتى
_________________
(١) أما حديث معاذ المشار إليه فرواه البخاري (١٢٨) عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺوَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ - قَالَ: "يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ". قَالَ: لبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: "يَا مُعَاذُ". قَالَ: لبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. ثَلَاثًا، قَالَ: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَه إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: "إِذًا يَتَّكِلُوا". وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا. ورواه البخاري أيضًا (١٢٩، ٢٨٥٦) ومسلم (٣٠) من حديث معاذ نفسه. وأما حديث عمر فرواه مسلم (٣١) عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: "كُنَّا قُعُودًا حَوْلَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ في نَفَرٍ فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا، وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا وَفَزِعْنَا؛ فَقُمْنَا فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطًا لِلأَنْصَارِ لِبَنِي النَّجَّارِ فَدُرْتُ بِهِ. هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابًا، فَلَمْ أَجِدْ، فَإِذَا رَبِيعٌ يدخلُ في جَوْفِ حَائِطٍ مِنْ بِئْرٍ خَارِجَةٍ - وَالرَّبِيعُ الجَدْوَلُ - فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ. فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: "أَبُو هُرَيْرَةَ؟ ". فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "مَا شَأْنُكَ؟ ". قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا، فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا فَفَزِعْنَا، فكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ فَأَتَيْتُ هذا الحَائِطَ فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ وهؤلاء النَّاسُ وَرَائِي فَقَالَ: "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ". وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ قَالَ: "اذْهَبْ بنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ فذا الحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ" فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَرُ. فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَعْلَانِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ. فَقُلْتُ: هَاتَانِ نَعْلَا رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بَعَثَنِي بِهِمَا مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ. فَضَرَبَ عُمَرُ بيَدِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ فَخَرَرْتُ لاِسْتِي فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَأًجْهَشْتُ بُكَاءً وَرَكِبَنِي عُمَرُ فَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِي فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ ". قُلْتُ: لَقِيتُ عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بَعَثْتَنِي بِهِ فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ضَرْبَةً خَرَرْتُ لاِسْتِي قَالَ: ارْجِعْ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "يَا عُمَرُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ =
[ ١ / ٢٧٣ ]
يستنبطوها بأنفسهم، وعلى حسب أفهامهم، على وجه الاختبار لمعرفتهم والسبر لقرائحهم، وقال ابن حبيب: إنما قال: "لا تخبرنا"؛ لأنه خاف أن يثقل عليهم - إذا أخبرهم - الاحتراس منها، ورجا أن يوفقوا للعمل بها من قبل أنفسهم.
قوله - ﷺ -: "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدم لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ" (١) قال الطحاوي (٢): هو استثناء من غير الجنس، معناه: لكن الصيام لي؛ إذ ليس بعمل فيستثنى من العمل المذكور (٣). وكذلك قال غير واحد: إنه ليس بعمل، وإنما هو ترك من التروك. وهذا غير سديد بل هو عمل بالحقيقة من أعمال القلب وامتساك الجوارح عما نهيت عنه فيه.
وأما قوله: "فَإِنَّهُ لِي" قيل: لكونه من الأعمال الخفية الخالصة، أي: هو خالص لي لا يدخله رياء، أو لا يطلع عليه غالبًا بخلاف غيره من الأعمال، والأظهر في هذا الحديث أنه أشار إلى معرفة الأجور وأن أجور عمل ابن آدم له معلومة مقدرة، كما قال في آخر الحديث: "الْحَسَنَةُ
_________________
(١) = أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "فَخَلِّهِمْ".
(٢) البخاري (١٩٥٤)، مسلم (١١٥١) عن أبي هريرة.
(٣) أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك بن سلمة بن سليم أبو جعفر الطحاوي الأزدي الحجري الفقيه المصنف، كان ثقة نبيلا فقهيا إماما، صحب المزني وتفقه به ثم ترك مذهبه وصار حنفي المذهب، له كتاب "أحكام القرآن" وكتاب "معاني الآثار" "مشكل الآثار" وغيرها، توفي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. انظر ترجمته في: "وفيات الأعيان" ١/ ٧١، "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٢٧.
(٤) "تحفة الأخيار بترتيب شرح مشكل الآثار" ترتيب شيخنا خالد الرباط ٢/ ٥٩٦ - ٥٩٧ ط. دار بلنسية.
[ ١ / ٢٧٤ ]
بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلى سَبْعِمِائَةٍ، إِلَّا الصَّوْمَ" (١) فأجره غير مقدر، وإنما ذلك إلى الله، يوفيه الصابر عليه بغير حساب.
وفي حديث المنحة: "أَلَا رَجُلٌ يَمْنَحُ أَهْلَ بَيْتٍ نَاقَةً"، "أَلَا" مفتوحة مخففة على استفتاح الكلام، وعند الجلودي: "رَجُلٌ" (٢) بالضم والتنوين، وعند غيره: "إِلَّا رَجُلٌ".
وفي حديث العائن (٣): "أَلَا بَرَّكْتَ" (٤) بالتخفيف عند شيوخنا على العرض والتحضيض، ورواه بعضهم بالتشديد بمعنى: "هلا" التي للَّوم، وقد تأتي مشددة للعرض والتحضيض أيضًا.
وفي باب من لم يستلم الركنين: قول ابن عباس لمعاوية: "أَلَا تَسْتَلِمُ هَذَينِ الرُّكْنَين" بالتخفيف كذا للجرجاني، ولغير الجرجاني: "إِنَّهُ لَا يُسْتَلَمُ هَذَانِ الرُّكْنَانِ" (٥) على الخبر المنفي، وهو الوجه والصحيح في التفسير، إلاَّ أن الرواية: "هَذَينِ الرُّكْنَين" بالنصب، وهو لحن، وصوابه بالرفع على ما لم بسم فاعله (٦).
في حديث زيد بن أرقم وابن أُبَيِّ ابن سلول المنافق من رواية عبيد الله بن
موسى: "مَا أَرَدْتَ إِلَّا أَنْ كَذَّبَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - " بكسر "إِلَّا" وشدِّ اللام،
_________________
(١) "الموطأ" ١/ ٣١٠، مسلم (١١٥١/ ١٦٤).
(٢) مسلم (١٠١٩) عن أبي هريرة.
(٣) في (س): (الغار).
(٤) "الموطأ" ٢/ ٩٣٨ - ٩٣٩ من حديث سهل بن حنيف.
(٥) البخاري (١٦٠٨).
(٦) وفي هامش اليونينية ٢/ ١٥١ أشار إلى رواية بلفظ: "لَا تَسْتَلِمْ هَذَيْنِ الرُّكنَيْنِ". ثم قال: وفي القسطلاني روايتان: الأولى: "لا يَسْتَلِمُ - أي: النبي - ﷺ - هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ". والثانية: "لَا نَسْتَلِمُ" بالنون. اهـ.
[ ١ / ٢٧٥ ]
وكذا للجرجاني، وعند غيره: "إلَى أَنْ كَذَّبَكَ" (١) بـ "إلى" التي هي حرف جر، وكلاهما صحيح، وفي غير هذِه الرواية: "إلى" (٢) للجميع، وهو أبين، أي: ما أردت بفعلك في نقلك ما نقلت إلى أن بلغك تكذيب النبي - ﷺ - إياك، وتكون: "إلى" هاهنا على أظهر معانيها للغاية، وقد تكون هاهنا بمعنى "في"، وهو آكد وجوهها، أي: صرت في صفة من كذبه كما قال:
كَأَنَّنِي (٣)
إِلَى النَّاسِ مَطْليُّ بِهِ القارُ أَجْرَبُ (٤)
أي: كأني في الناس، فيكون تقدير الحديث: ما مرادك في أن كذَّبك النبي - ﷺ -؟ ويكون تقديره على الوجه الآخر: ما فائدة قصدك إلى ما وقعت فيه من تكذيب النبي - ﷺ - إياك، أي: لم يُجْدِ عليك ما فعلت إلاَّ تكذيب النبي - ﷺ -.
وأما حديث عمر وأبي بكر في قصة بني تميم، في تفسير سورة الحجرات: "مَا أَرَدْتَ إلى خِلَافِي أَوْ: إِلَّا خِلَافِي" كذا الرواية في الباب الثاني على الشكِّ (٥)، وهما بمعنى ما تقدم، وعند الأصيلي هنا: "إليَّ
_________________
(١) البخاري (٤٩٠٤).
(٢) البخاري (٤٩٠٠).
(٣) في (س): (كأني)، والمثبت من مصدر التخريج.
(٤) عجز بيت للنابغة الذبياني صدره: فَلَا تترُكَنِّي بالوَعِيدِ انظره في "ديوانه" ص ٦، وإليه نسبه غير واحد.
(٥) البخاري (٤٨٤٧) من حديث عبد الله بن الزبير.
[ ١ / ٢٧٦ ]
- بتشديد الياء - أَوْ: إِلَّا خِلَافي" وله وجه، أي: ما سبب قصدك إليَّ بالمعارضة لي؟ ثم شك الراوي فقال: "أَوْ إِلَّا خِلَافي"، أي: ما أردت إلى. أو: ما أردت إلاَّ خلافي.
وفي التيمم: "فَقَالُوا: أَلَا تَرى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ " (١) كذا لجميعهم، وعند الحموي والمستملي: "فَقَالُوا: لا تَرى" على حذف ألف الاستفهام، وذلك جائز في الموضع الذي لا يشكل، أو يكون الناسخ نقص ألف الجميع التي بعد الواو من: "قالوا" من الخط، فيكون: "ألا" مثل ما لجميع الرواة، وهو الصواب.
وقوله في صدر كتاب مسلم: "مَا قَضَى بهذا عَلِيٌّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَلَّ" (٢) يصح أن تكون "إِلَّا" على بابها، ويكون "ضَلَّ" بمعنى: نسي ووهم. أو تكون على ظاهرها من الضلال، والمعنى: وهو ممن لم يضل، وممن لا يوصف بذلك ولا يظن به، على طريق الإنكار لتلك القضايا، واعتقاد التكذُّب عليه فيها، أي: إن هذا لا يفعله إلاَّ من ضل، وعليٌّ لم يضل.
وفي حديث أضياف أبي بكر - ﵁ -: "أَلَا تَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ؟ " (٣) بالتخفيف عند أكثر الرواة، على العرض، وعند أبي محمد بن أبي جعفر: "أَلَّا" بالتشديد، على اللوم والحض، أو يكون المعنى: ما منعكم منه وأحوجكم إلى أن لا تقبلوه؟ ومثله قوله تعالى: ﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٢] قيل: معناه: ما منعك أن تكون مع الساجدين؟ و"لا"
_________________
(١) "الموطأ" ١/ ٥٣، البخاري (٣٣٤)، مسلم (٣٦٧) من حديث عائشة.
(٢) مقدمة "صحيح مسلم" ص١٠ عن ابن عباس.
(٣) مسلم (٢٠٥٧/ ١٧٧) من حديث الرحمن بن أبي بكر.
[ ١ / ٢٧٧ ]
زائدة أو: أي شيء جعلك ألا تكون مع الساجدين، أو حملك على أن لا تكون مع الساجدين؟.
وقوله في حديث الصلاة قبل الخطبة: "قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَقُلْتُ: أَيْنَ الابْتِدَاءُ بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: لَا يَا أَبَا سِعِيدٍ" (١) كذا في روايتي، ورأيت في غير كتابي: "أَيْنَ، أَلَا تَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ؟ " بدلًا من: "أَيْنَ الابْتِدَاءُ" وتقديره: أين تذهب يا مروان؟ ألا تبدأ؟ وذلك أنه كان يماشيه إلى جهة المصلى، فلما قرب مروان من المنبر عدل إليه وترك المحراب، فقال له أبو سعيد: أين ألا تبدأ؟ أي: أين تذهب وتترك الصلاة؟ قوله - ﷺ -: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ" إلى أن قال: "فَيَقُولُ - يعني: عيسى - ﵇ - أَلَا إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ" (٢) كذا هي مخففة لأكثر الرواة، وهو الصواب، على الاستفتاح، وفي كتاب ابن سكرة عن العذري: "فَيَقُولُ: الآنَ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ".
وفي حديث: "لَا تتمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ": "أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى كتَبَ إلى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ حِينَ سَارَ إِلَى الحَرُورِيَّةِ" (٣) كذا لهم، ولِلْعُذْرِيِّ "كتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ" والأول هو الصواب؛ لأن عبد الله بن أبي أوفى صاحب لرسول الله - ﷺ -، فكتب إليه موصيًا له بما سمع من رسول الله - ﷺ -. قول حذيفة: "إِنِّي لأَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَةٍ تَكُونُ، وَمَا بِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَسَرَّ إِلَيَّ في ذَلِكَ شَيْئًا، لَمْ يُحَدِّثْهُ غَيْرِي، وَلَكنْ رَسُولُ اللهِ
_________________
(١) مسلم (٨٨٩) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٢) مسلم (١٥٦) من حديث جابر بن عبد الله.
(٣) مسلم (١٧٤٢) من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وهو معنى ما عند البخاري (٢٩٦٥، ٣٠٢٤ - ٣٠٢٥، ٧٢٣٧).
[ ١ / ٢٧٨ ]
- ﷺ - " (١) كذا الحديث، كذا في الأصول كلها، قال الْوَقَّشِي: الوجه حذف: "إِلَّا" وبه يستقل الكلام، ويكون التقدير: وما بي أن يكون رسول الله - ﷺ - أسرَّ إليَّ.
قال القاضي: ما قاله مساق الحديث، وما يدل عليه مقتضاه: أي: ما اختص بي علم الفتن لكون النبي - ﷺ - أسر إليَّ ما لم يقله لغيري؛ ولكن لأن النبي - ﷺ - لما حفن في ردائي وأمرني بجمعه إلى حفظت ما لم يحفظ غيري، ثم ماتوا وبقيت وحدي. ويدل عليه أيضًا قوله في الحديث الآخر: "نَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ وَحَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ" (٢)، وقد يخرج للرواية وجه وهو أن يكون قوله: وَمَا بِي من عذر في الحديث بها والإعلام إلاَّ كون رسول الله - ﷺ - قد أسر إلى من ذلك شيئًا لم يعلمه غيري، ولعله - ﷺ - أمره ألا يذيعه من بعده، أو رأى هو ذلك من المصلحة للعامة (٣).
وفي البخاري: وقال ابن عمر والْحَسَنُ، فيمَنْ احْتَجم: "لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا غَسْلُ مَحَاجِمِهِ" (٤) كذا للمستملي، وسقطت: "إِلَّا" للباقين من الرواة، وإثباتها هو الصواب، وهو مذهبهم المعروف عنهما، أي أنه لا وضوء عليه من الحجامة إلاَّ غسل موضع محاجمه من الدم (٥)، وقد روي عنهما
_________________
(١) مسلم (٢٨٩١).
(٢) مسلم (٢٨٩١/ ٢٣)، وهو عند البخاري (٦٦٠٤) بلفظ: "عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ".
(٣) "المشارق" ١/ ١٠٤.
(٤) البخاري معلقًا قبل حديث (١٧٦).
(٥) رواه عن ابن عمر: ابن أبي شيبة في "المصنف" ١/ ٤٧ (٤٦٨)، وابن المنذر في "الأوسط" ١/ ١٧٨ (٧٠)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ١/ ١٤١، وفي "المعرفة" ١/ ٤١٩ (١١٥٥، ١١٥٦). وعن الحسن رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤٧ (٤٧١، ٤٧٤).
[ ١ / ٢٧٩ ]
أن عليه الوضوء (١)، وهو مذهب أهل العراق (٢).
قول عائشة - ﵂ - لأم مِسْطَح: "إِلَامَ تَسُبِّينَ ابْنَكِ؟ " كذا للمروزي، وللباقين "أَيْ أُمِّ، تَسُبِّينَ ابْنَكِ؟ " (٣) ولكليهما وجه، الأول (٤): حَتَّام (٥) تَسُبِّينَ ابْنَكِ؛ لأنها كررت سبها في الحديث مرة بعد أخرى (٦)، فأنكرت ذلك عائشة عليها؛ لأنه كان من أهل بدر فسألتها، أي: لأي علة، وفي أي قصة تسبه؟.
والوجه الآخر بينٌ أيضًا، ودَعَتْهَا أمًّا؛ إما لسنها وكبرها، وإمالك ونها خالة أبيها، والخالة أم، ويحتمل أن يكون مصحفًا من: "إلى مَ" وصغرت اللام وبقيت الياء؛ فجاء منها صورة: "أَيْ" التي للنداء.
وقوله: "فَجَلَسْتُ إلى الحِلَقِ" (٧) معنى: "إلى" هاهنا كمعنى (في) كما تقدم، وكما جاء في الحديث الآخر: "فَجَلَسْتُ في الحِلَقِ" (٨) أو يكون التقدير: جلست آويًا إلى الحلق؛ كما قال: "أَمَّا أَحَدُهُمْ (٩) فَأَوَى إلى
_________________
(١) انظر "الأوسط" ١/ ١٧٨، "الهداية" ١/ ١٤ - ١٥.
(٢) رواه عن ابن عمر: ابن المنذر في "الأوسط" ١/ ١٧٩ (٧٢). وعن الحسن رواه عبد الرزاق في "المصنف" ١/ ١٨٠ (٦٩٩).
(٣) البخاري (٤٧٥٧) من حديث عائشة.
(٤) في سائر النسخ: (الأولى)، والجادة ما أثبتناه.
(٥) في (س، ظ): (حتى إل مَ)، وفي "المشارق" ١/ ٣٦: (حتما)، ولعل المثبت أصح.
(٦) أشار في هامش (س) أن في نسخة: (مرة).
(٧) رواه أحمد ٥/ ١٦٩ عن الأحنف بن قيس، وفي البخاري (٤٥٣٢) عن ابن سيرين قال: جلست إلى مجلس
(٨) البخاري (٥٠٠٠)، مسلم (٢٤٦٢) من حديث عبد الله بن مسعود.
(٩) في (س): (أحدهما)، والمثبت كما في الحديث.
[ ١ / ٢٨٠ ]
اللهِ " (١)، أو منضمًّا إلى الحلق.
وفي خبر زيد بن عمرو: "فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - سُفْرَةٌ" (٢) كذا لكافة الرواة، وعند الجرجاني: "فَقَدَّمَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - " (٣) والأول إن شاء الله هو الصواب، ولا يبعد صحة الثاني، ويكون ذلك ظنًّا من زيد أن النبي - ﷺ - يأكل مما يأكل قومه.
وفي باب: "مَنْ أَشَارَ إِلَى الرُّكْنِ" في الحج كذا لهم (٤)، وللقابسي: "ومَنْ أَشَارَ عَلَى الرُّكْنِ" وله وجه، يقال: أشرف إلى الشيء وعلى الشيء؛ لا سيما والركن يأتي يوم القيامة سميعًا بصيرًا متكلمًا.
وقوله: "يُوشِكُ أَهْلُ العِرَاقِ أَنْ لَا يُجْبَى (٥) إِلَيْهِمْ قَفِيزٌ (٦) " (٧) كذا لهم، وعند بعضهم: "أَلَا يُجْبَى (٨) لَهُمْ" وهو الوجه، أي: مما لهم أو عليهم، واللام تأتي بمعنى: (من) وأما على رواية: "إلى" فيحتمل المعنى؛ لأن أهل العراق (٩) كانوا أهل خراج يُجْبَون ولا يُجبَى إليهم.
_________________
(١) "الموطأ" ٢/ ٩٦٠، البخاري (٦٦، ٤٧٤)، مسلم (٢١٧٦) من حديث أبي واقد الليثي.
(٢) البخاري (٣٨٢٦) عن ابن عمر.
(٣) البخاري (٥٤٩٩).
(٤) البخاري قبل حديث (١٦١٢).
(٥) تحرفت في (س) إلى: (يجيء).
(٦) تحرفت في (س) إلى: (فقير).
(٧) مسلم (٢٩١٣) عن جابر بن عبد الله.
(٨) تحرفت في (س) إلى: (يجيء).
(٩) في (س): (مصر)، ولعله سبق قلم.
[ ١ / ٢٨١ ]
وفي مناقب سعد: "مَا أَسْلَمَ أَحَدٌ إِلَّا في اليَوْمِ الذِي أَسْلَمْتُ فِيهِ" (١) كذا في جميع النسخ، قال بعضهم: صوابه إسقاط: "إِلَّا"، ولم يقل شيئًا! بل صوابه إثباتها، أي: لم يسلم أحد قبل يوم إسلامي، ودليل ذلك: قوله بعد: "وَلَقَدْ بَقِيتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَإِنِّي لَثُلُثُ الإِسْلَامِ" يعني والله أعلم: النبي - ﷺ - وهو وأبو بكر، ولم يعتد بعلي؛ لصغره، ولا بخديجة؛ لأنها امرأة، ولا بزيد؛ لأنه كان مولىً، وإنما عد الرجال الأحرار البالغين (٢).
قوْلُهُ: "مَا سُقْتَ إِلَيْهَا" هكذا للأصيلي في فضائل الأنصار، وفي باب مؤاخاة النبي - ﷺ - بينهم (٣)، كذا للنسفي في باب فضائل الأنصار، وعند الباقين فيهما: "مَا سُقْتَ فِيهَا" (٤) وقد تأتي: (في) بمعنى: (إلى) كما قيل في: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩] أي: إلى أفواههم.
وفي غرماء والد جابر: "فَقَالَ عُمَرُ: أَلَّا يَكُونُ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ" (٥) بالفتح والتشديد، أي: إنا حققنا أمرك ولا نشك في بركتك وإجابة دعوتك فيها، إلاَّ ألَّا نكون نعلم أنك رسول الله، كما قال في الرواية الأخرى: "قَدْ عَلِمْتُ حِينَ مَشَى فِيهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ يُبَارَكُ فِيهَا" (٦).
وفي باب الوكالة في قضاء الدين: "قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ
_________________
(١) البخاري (٣٧٢٧، ٣٨٥٨) عن سعد بن أبي وقاص.
(٢) في (س): (التابعين).
(٣) البخاري (٣٧٨٠) من حديث عبد الرحمن بن عوف، وانظر اليونينية ٥/ ٣٢، ورواه مالك في "الموطأ" ٢/ ٥٤٥ من حديث أنس.
(٤) البخاري (٣٧٨١، ٣٩٣٧) من حديث أنس.
(٥) البخاري (٢٦٠١) من حديث جابر.
(٦) البخاري (٢٣٩٦) من حديث جابر.
[ ١ / ٢٨٢ ]
سِنِّهِ" (١) بالكسر، أي: لم نجد إلاَّ أمثل من سنه، أي: أفضل، فحذف لدلالة الكلام عليه، أو سقط الحرف عن الراوي، وقد جاء في غير هذا الباب مبينًا: "لا نَجِدُ إِلَّا سِنًّا أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ" (٢).
وقوله في باب ما يذكر من المناولة: "حَيْثُ كتَبَ لأمِيرِ السَّرِيَّةِ" (٣) كذا لهم، وعند الأصيلي: "إلى أَمِيرِ السَّرِيَّةِ" وهما بمعنى متقارب، و(إلى) تأتي بمعنى: (مع)، وتأتي بمعنى اللام أيضًا، وهو - ﵇ - إنما كتب الكتاب له ومعه ولم يرسله إليه، وليست: (إلى) هاهنا غاية، ويحتمل أن تكون: (إلى) على بابها؛ وذلك لأنه أمره أن لا يفتحه حتى يكون بموضع كذا، فصار خطابه إياه في حكم خطاب الغائب، كما لو كتبه له وأرسله إليه، وهو في ذلك المكان غائبًا عنه.
وقوله في حديث الأئمة: "أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ؟ قَالَ: لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ" (٤) كذا لهم، وعند الطبري: "إِلَّا مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ" ولا وجه له، ولعله: (ألا) التي للاستفتاح، أي: ألا ما أقاموها فلا تفعلوا.
_________________
(١) البخاري (٢٣٠٦) عن أبي هريرة، ورواه أيضًا مسلم (١٦٠١).
(٢) البخاري (٢٣٩٢).
(٣) البخاري معلقًا قبل حديث (٦٤).
(٤) مسلم (١٨٥٥) عن عوف بن مالك.
[ ١ / ٢٨٣ ]