[ ١ / ١٤٢ ]
مطالع الأنوار
على صحاح الآثار
في فتح ما استغلق من كتاب المؤطأ والبخاري
ومسلم وإيضاح مبهم لغاتها وبيان المختلف
من أسماء رواتها وتمييز مشكلها وتقييد مهملها
تأليف
الفقيه المحدث العلامه الحافظ
أبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم الحمزي الوهراني
ابن قرقول
(٥٠٥ - ٥٦٩ هـ)
تحقيق
دار الفلاح
للبحث العلمي وتحقيق التراث
[ ١ / ١٤٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(وَبِهِ أَسْتَعِينُ
وَعَلَيْهِ أَتَوكَّلُ وَإِيَّاهُ أَسْأَلُ التَّوْفِيقَ وَالْمَعُونَةَ) (١)
الحمد لله مظهرِ دينه على كل دينٍ، وحائطِه (٢) من شُبَه المبطلين، وباعث رسوله الأمين إلى كافة الخلق أجمعين بكتابه الحق المبين، معصومة بالإعجاز حروفه ومعانيه، محفوظة بالبلاغة والإيجاز أساليبه ومبانيه، فما قدر العدو الجاحد على إلحاق خللٍ به بتبديل لفظة من ألفاظه، ولا تغيير معنًى من معانيه - مع كثرة الجاحد المجاهد على إطفاء نوره، وظهور (٣) المعادي المعاند لظهوره - حفظًا من الله تعالى له كما وعد، وتعجيزًا لمن رام ذلك ممن عاند وجحد، ثم بيَّن سبحانه وتعالي على لسان نبيه (٤) - ﷺ - من مناهج دينه وشرعته ما وَكَلَ نفي التحريف عنه إلى عُدُول أعلام الهدى من أمته، فلم يزالوا يذُبُّون عن حمى السنن، ويقومون لله تعالى بهديهم القويم الأحسن، وينبهون على كل متهمٍ بهتك حريمها، ومزج صحيحها بسقيمها؛ حتى بان الصدق من المَين (٥)، وتبيَّن الصبح لذي عينين، وتميَّز الخبيث من الطيب، وتبين الرشد من الغي، واستقام
_________________
(١) من (د).
(٢) في (أ، ظ، د): (وحافظه).
(٣) في (أ): (وظهر)، وفي (ظ): (وظهرة).
(٤) في (أ، ظ، د): (رسوله).
(٥) المين: الكذب، وجمعه ميون. "الصحاح" ٦/ ٢٢١٠.
[ ١ / ١٤٥ ]
بحمد الله مِيسَم (١) الصحيح، (وأبدى عن الرغوة اللبن الصريح) (٢)، ثم نظروا بعد هذا التمييز العزيز والتصريح المريح نظرًا آخر فيما يقع لآفة البشرية من ثقاة الرواة من وهمٍ وغفلةٍ، فنقبوا عن أسبابها وهتكوا سجف (٣) حجابها، إلى أن وقفوا على سرها، ووقعوا على خبيئة أمرها؛ فأبانوا عللها (٤) وقيدوا مُهمَلها، وأقاموا محرَّفها، وعدلوا (٥) سقيمَها، وصححوا مُصَحَّفَها، وأبرزوا في كل ذلك تصانيفَ كثُرت صنوفها، وظهر شُفوفها، واتخذها العالمون قُدوة، ونصبها العاملون قِبلة، فجزاهم الله عن سعيهم الحميد أحسنَ ما جازى به أحبارَ ملَّةٍ وعلماءَ أمَّة، ثم كَلَّت بعدهم الهمم، وفترت الرغائب، وضعف المطلوب والطالب، وقلَّ القائم مقامهم في المشارق والمغارب، وصار جهد المبرَّز منهم في حَمل علم السنن نقل ما أثبت في كتابه، وأداء ما قيد (٦) فيه دون معرفةٍ لخطئه من صوابه، إلا آحادًا من مهرة العلماء، وجهابذة الفقهاء، وأفرادًا كدراري نجوم السماء، ولعمر الله، إن هذِه بعد لخطة أعطى صاحبُ الشريعة - ﷺ - المتصفَ (٧) بها حظَّه
_________________
(١) أي: حسنه وجماله. "الصحاح" ٥/ ٢٠٥١.
(٢) في (ظ، د، أ): (وأبدى الرغوة عن الصريح).
(٣) في (د، ظ): (ستر).
(٤) ساقطة من (د).
(٥) في (د): (وعابوا)، وفي (أ، ظ): (وعانوا).
(٦) مكررة في (ظ).
(٧) في (أ): (المتضعف). وهو تحريف. وقد نبهنا في مقدمة التحقيق على أن النسخة (أ) كثيرة التحريف والسقط، وكان اعتمادنا عليها كنسخةٍ مساعدة فلم نعلق على تلك التحريفات؛ حتى لا نثقل الكتاب بما لا فائدة منه.
[ ١ / ١٤٦ ]
(من الأجر وقسطَه) (١) إذا وفي عمله شرطه، وأتقن حفظه وضبطه، كما حدثنا الشيخ الفقيه الحافظ أبو بكر محمَّد بن عبد الله بن محمَّد المعافري (٢) قراءة عليه، قال: أنا المبارك بن عبد الجبار الصيرفي (٣) (٤)، قال (٥): ثنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمَّد (٦)، قال: حدثثا أبو علي الحسن بن محمَّد
_________________
(١) ما بين القوسين ساقط من (ظ).
(٢) هو محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن أحمد، أبو بكر بن العربي، الأندلسي الإشبيلي، المعافري، الحافظ، أحد الأعلام، من أهل التفنن في العلوم، ولد في شعبان سنة ثمان وستين وأربعمائة، حج مع أبيه فسمع بمكة، ورحل إلى دمشق وبغداد، ومصر والإسكندرية ورجع إلى بلده فصنف "عارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي" و"التفسير" في خمس مجلدات كبار، وغير ذلك من الكتب في الحديث، والفقه، والأصول، وتفقه على أبي بكر الشاشي وأبي حامد الغزالي، وسمع منه ابن بشكوال وقرأ عليه، توفي في ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة بالعدوة ودفن بمدينة فاس. انظر ترجمته في: "الصلة" لابن بشكوال ٢/ ٥٩٠ - ٥٩١ (١٢٩٧)، "تاريخ دمشق" ٥٤/ ٢٤ (٦٥٧١)، "تاريخ الإِسلام" ٣٧/ ١٥٩ - ١٦١.
(٣) في (ظ): (الصوفي).
(٤) المبارك بن عبد الجبار بن أحمد بن القاسم بن أحمد بن عبد الله، أبو الحسين، البغدادي الصيرفي، ابن الطيوري، الإِمام المحدث العالم المفيد، بقية النقلة المكثرين، وفاته في نصف ذي القعدة، سنة خمسمائة. انظر: "المنتظم" ٩/ ١٥٤، "سير أعلام النبلاء" ١٩/ ٢١٣.
(٥) ساقطة من (ظ، أ، د).
(٦) أحمد بن عبد الواحد بن محمَّد بن جعفر بن أحمد بن جعفر بن الحسن بن وهب، أبو يعلى، المعروف بابن زوج الحرة، توفي في يوم الخميس الرابع والعشرين من شوال سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة. انظر: "تاريخ بغداد" ٤/ ٢٧٠، "تاريخ الإِسلام" ٢٩/ ٤٥٦.
[ ١ / ١٤٧ ]
ابن شعبة المروزي (١)، قال (٢): ثنا أبو العباس محمَّد بن أحمد بن محبوب (٣)، قال (٢): ثنا محمَّد بن عيسى السلمي الحافظ (٤)، قال (٢): ثنا محمود بن غيلان، قال (٢): ثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة قال: أخبرني عمرو (٥) بن سليمان - من ولد عمر بن الخطاب - قال: سمعت عبد الرحمن بن أبان بن عثمان يحدث عن أبيه، عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "نَضَّرَ اللهُ أمْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ" (٦).
_________________
(١) الحسن بن محمَّد بن أحمد بن شعبة، أبو علي المروزي السبخي، سكن بغداد، وحدث بـ "جامع الترمذي" عن المحبوبي، توفي في نصف ذي الحجة من سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة. انظر: "وفيات الأعيان" ١/ ٣٤٩، "تاريخ الإِسلام" ٢٧/ ٢٥٢.
(٢) ساقطة من (ظ، د، أ).
(٣) محمَّد بن أحمد بن محبوب بن فضيل، أبو العباس المحبوبي المروزي، الإِمام المحدث، مفيد مرو راوي "جامع الترمذي" عنه، وكانت الرحلة إليه في سماع "سنن الترمذي"، توفي في شهر رمضان سنة ست وأربعين وثلاثمائة. انظر: "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٥٣٧، "الوافي بالوفيات" ٢/ ٤٠ - ٤١.
(٤) محمَّد بن عيسى بن سورة، السلمي الترمذي صاحب "الجامع" المشهور بـ "سنن الترمذي". وقد روى المصنف - ﵀ - الحديث هنا من طريقه، وسيأتي تخريجه.
(٥) في (ظ، د): (عُمر)، وانظر ترجمته في "تهذيب الكمال" ٢١/ ٣٨٠ (٤٢٤٩).
(٦) رواه الترمذي (٢٦٥٦) ومن طريقه رواه ابن قرقول هنا، ورواه أيضًا أبو داود (٣٦٦٠)، وابن ماجه (٢٣٠)، وابن حبان (٦٨٠). قال الترمذي: حديث زيد حديث حسن، وفي الباب عن ابن مسعود ومعاذ وجبير وأبي الدرداء وأنس - ﵃ -.
[ ١ / ١٤٨ ]
فدعا - ﷺ - بالنضرة لمن /٢/ سمع منه حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، وقد كان فيمن تقدم من سلك هذا السبيل من الاقتصار على أداء ما سمع ووَعَى، وتبليغ ما قيَّد ورَوى، دون تكلُّفِ ما لم يُحط به علمًا من تبديلِ لفظٍ أو تأويل معنًى، وهذِه رتبة أكثر الرواة والمشايخ المتقدمين، وأما الإتقان وجودة المعرفة ففي الأعلام منهم والأئمة المشهورين، ثم تساهل الناس بعدُ في الحمل والأداء، فأوسعوه (١) اختلالًا ولم يألوه خبالًا، وربما شاهدنا الشيخ المسموع بشأنه وثنائه، المُتكلَّفَ شاقُّ الرحلة إلى لقائه، تنتظم به المحافل، ويتناوب الأخذ عنه ما بين نبيهٍ وخاملٍ، وفقيهٍ وجاهلٍ، وحضوره كعدمه، وبناؤه كهدمه، كتبه مهملة من التقييد والضبط، مسجلة من غير شكلٍ ولا نقطٍ، ثم (لا وعي ولا حفظ) (٢)، ولا نصيب (٣) (من العناية بشيء) (٤) مما يتعاطاه من الرواية، ولا حظ سوى: لقيت فلانًا، وأجاز لي (٥) فلان، (وأذن لي فلان) (٦)، وسمعت على فلان، وكله أو أكثره زخارف وهذيان، لا تحصيل ولا توصيل، إن سُئل عن تقييد (٧) لفظٍ أو تحقيق معنى، جَبَهَ (٨) السائل وعاب المسائل، أو طولب بتأويل مشكل، أو إقامة إعراب، طوى الكتاب، وسدَّ الباب، وهجر الأصحاب،
_________________
(١) ساقطة من (ظ، أ، د).
(٢) في (س): (لا وعيا ولا حفظا).
(٣) في (س): (نصيبا).
(٤) في (ظ، أ، د): (بشيء من العناية).
(٥) في (ظ، أ، د): (وأجازني).
(٦) ساقطة من (ظ، أ، د).
(٧) ورد بهامش (س) إشارة أن في نسخة: تفسير، وفي (د، أ): (تغيير).
(٨) يقال: جَبَهْتُ فلانًا إذا أستقبلتُه بكلامٍ فيه غلظة. "اللسان" ١/ ٥٤٠.
[ ١ / ١٤٩ ]
وزعم أن البحث والطلب من سوء الأدب، قد حَمى حِمى جهله بالنَّجْهِ (١) وتقطيب الوجْهِ، فلا جَرم بحسب هذا الخلل - وتظاهر هذِه العلل في كثير من مشايخ (٢) الرواية، المحرومين فضل المعرفة والدراية، المريحين أنفسهم من كدِّ البحث والعناية - كثر في كتب الحديث التغييرُ والفسادُ، تارة في المتن وتارة في الإسناد، وشاع التحريف، وبشع التصحيف، وتعدى ذلك منثورَ الروايات إلى مجموعها، وعَمّ أصولَ المصنفات مع فروعها، فلولا أن الله سبحانه قيض لإقامة أوَدِها (٣)، ومعاناة رمدها صُبَاباتٍ (٤) من أهل الإتقان في كل زمانٍ؛ لاستمرَّ على الكافة تحريفها، واستقرَّ في موضوعات السنن تبديلُ الجهلة وتصحيفها (٥)، لكن قول (الرسول﵇ -) (٦) حقٌّ، ووعد الله تعالى إياه صدق، كما حدثنا (٧) الشيخ (٨) الفقيه أبو القاسم أحمد بن محمَّد بن بقي (٩)، والشيخ أبو الحسن
_________________
(١) النَّجْهُ: استقبالك الرجل بما يكره وردك إياه عن حاجته، وقيل: هو أقبح الرد. "اللسان" ٧/ ٤٣٥٩.
(٢) في (س، أ، ظ): (أشياخ).
(٣) الأَوَدُ: العوج.
(٤) الصُّبابة: هي البقية اليسيرة.
(٥) قبلها في (س): (تجزيفها). وعليها علامة تشير إلى الحذف، وفي (أ): (تحريفها). وحذفها أولى.
(٦) في (ظ، أ): (رسول الله ﷺ).
(٧) في (أ): (أخبرنا).
(٨) ساقطة من (ظ).
(٩) الفقيه، المحدّث، الأندلسي القرطبي من أولاد الحافظ الكبير بقي بن مخلد، من أجَلِّ بيوت العلم، كان بصيرًا بالأحكام، دَرِيًا بالفتوى، رأسًا في معرفة الشروط وعللها، كتب إليه أبو العباس العذري المحدث بإجازة ما رواه عن شيوخه، روى عنه ابن بشكوال، وأبو بكر بن خير، وآخرون، توفي سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. انظر "الصلة" ١/ ٧٩، "تاريخ الإِسلام" ٣٦/ ٢٦٧ - ٢٦٨، "مرآة الجنان" ٣/ ٢٥٩.
[ ١ / ١٥٠ ]
علي بن عبد الله بن موهب (١) الجذامي (٢)، قالا: ثنا الشيخ أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري (٣)، قال: ثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد البزاز المكي، قال (٤): حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن (٥) قال (٤): ثنا أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي، قال (٤): ثنا قتيبة، ثنا سعيد بن عبد الجبار الحمصي، حدثنا مُعان (٦) بن رفاعة السلامي، حدثنا إبراهيم بن عبد الرحمن العذري أن النبي - ﷺ - قال: "يَحْمِلُ هذا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الغَالِينَ، وَانْتِحَالَ المُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الجَاهِلِينَ" (٧).
_________________
(١) في (ظ، أ): (وهب).
(٢) المحدِّث، كان من أهل المعرفة والعلم والذكاء والفهم، له تفسير مفيد، ومعرفة بأصول الدين، روى عن أبي بكر ابن صاحب الأحباس، وأجاز له ابن عبد البر وأبو الوليد الباجي، وروى عنه جماعة منهم عبد الله بن محمد الأشيري، توفي عام اثنين وثلاثين وخمسمائة. انظر "الصلة" ٢/ ٤٢٦، "سير أعلام النبلاء" ٢٠/ ٤٨، "مرآة الجنان" ٣/ ٢٦٠.
(٣) راوي "صحيح مسلم"، وصحب أبا ذرٍّ الهروي وسمع منه البخاري مراتٍ، وروى عن طائفة، حدَّث عنه إماما الأندلس: ابن عبد البر وابن حزم، وأبو علي الغساني وجماعة كثيرة، وكان ثقة مشهورًا، صنَّف: "دلائل النبوة"، "المسالك والممالك"، توفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة. انظر "الصلة" ١/ ٦٦، "تاريخ الإسلام" ٣٢/ ٢١٦، "جذوة المقتبس" ص ١٣٦.
(٤) ساقطة من (ظ، د، أ).
(٥) في (د، أ، ظ): (الحسين).
(٦) في (د، أ، ظ): (معاذ)، وهو تحريف، ومعان، أبو محمد الدمشقي، ويقال: الحمصي، وثقه ابن المديني ودحيم، وقال فيه الإمام أحمد: لا بأس به. وضعفه ابن معين وابن حبان وآخرون. انظر "الإكمال" لابن ماكولا ٧/ ٢١٠، "تهذيب الكمال" ٢٨/ ١٥٧ (٦٠٤٣).
(٧) رواه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٢/ ١٧، والعقيلي في "الضعفاء" ٤/ ١٣٩٦،
[ ١ / ١٥١ ]
فلذلك ما انتهض الجهابذة النقاد مع مرور الأزمان، واختلاف البلدان إلى حراسة ذلك بقدر ما أوتوه من العلم والبيان، والتبريز في علم اللسان، فمن بين غالٍ ومقصرٍ، ومقلد ومستبصر، وعارف (١) مدرك، ومتكلف مرتبك؛ فمنهم من جَرُأَ وجسر، وأقدم على إصلاح ما غُيِّر على حسب ما بدا له وظهر، كلٌّ (٢) بمنتهى علمه وقدر إدراكه، فربما كان غلط بعضهم في ذلك أبشعَ من استدراكه، ولأن باب التغيير للرواية متى فتح؛ لم يوثق بعد بتحمل منقولٍ، ولم يونس إلى الاعتداد بمسموعٍ مع أنه قد لا يُسَلَّمُ له ما رواه، ولا يُوَافقُ على ما آتاه؛ إذ فوق كل ذي علمٍ عليم؛ ولهذا رأى (٣) المحققون سدَّ باب نقل الحديث على المعنى وشددوا فيه - وهو الحق الذي أعتقِدُه (٤) والشرع الذي أَذُبُّ عنه وأَتَقَلَّدُهُ -
_________________
(١) وابن عدي في "الكامل" ٢/ ٢٧٣ ومن طريقه البيهقي ١٠/ ٢٠٩ من طرق عن معان بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري، به مرسلًا. قال السيوطي في "تدريب الراوي" ١/ ٣٠٢: وهو مرسل أو معضل وإبراهيم هو الذي أرسله قال فيه ابن القطان: لا نعرفه البتة، ومعان أيضًا ضعفه ابن معين وأبو حاتم وابن حبان وابن عدي. وقال العراقي في "التقييد والإيضاح" ص ١٣٥: وقد ورد هذا الحديث متصلًا من رواية علي وابن عمر وابن عمرو وجابر بن سمرة وأبي أمامة وأبي هريرة وكلها ضعيفة لا يثبت منها شيء وليس فيها شيء يقوي المرسل. وقال الألباني عنه: حديث مشهور على الاختلاف في ثبوته. انظر "تحريم آلات الطرب": ص ٦٩.
(٢) في (ظ): (إلى عارف)، وفي (د): (وعالم).
(٣) غير واضحة في (ظ).
(٤) في النسخ الخطية: (ما رأى)، والسياق يقتضي المثبت.
(٥) في (أ): (اعتقدوه).
[ ١ / ١٥٢ ]
إذ باب الاحتمال متسع، وظاهر الكلام للتأويل معرض، وأفهام البشر مختلفة وآراؤهم متفرقة، والمرء مفتون بكلامه، ومغتبط بفهمه واستدلاله، والمغتر يعتقد الكمال لنفسه، فلو فُتِح هذا الباب، وسومح في نقل السنن منها لذوي الألباب على معنى ما يتفهم (١) لتغير المسموع، ولم يتحقق أصل المشروع، ولم يكن الآخر بالحكم على كلام الأول بأولى من كلام من بعده عليه؛ فيتعارض التأويل وتتهافت الأقاويل، وكفى حجة على دفع هذا الرأي الأفيل دعاؤه - ﷺ - بالنضرة لمن سمع قوله فأداه على حسب ما وعاه؛ ففيه حجة وكفاية تدفع رأي من رأى تبديل لفظ الرواية، بل نقلها على حسب ما سمعت هو الواجب، ثم تسليم التأويل لأهل الفهم والفقه لازم، فهم (٢) أحق بالتأويل وأهدى إلى السبيل كما قال - ﵇ -: "رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ" (٣).
وفيه التنبيه على اختلاف منازل الناس في الفقه وتفاوتهم في الفهم؛ فتعيَّن الصواب من هذين الرأيين في رأي من رأى إقرار الرواية والسماع على ما روى وسَمِع؛ فإن رزق فضل فهمٍ وزيادة فقه نبه على ما ظهر له فيها من خللٍ من غير أن يغير فيها أو يبدل، فيجمع بين الأمرين، ويترك لمن جاء بعده النظر في اللفظتين، وهذِه كانت طريقة السلف فيما ظهر لهم من الخلل، كانوا يوردونه كما سمعوه، وينبهون عليه في حواشي كتبهم لمن جاء بعدهم، ومنهم من كان يُسقِط ما بان له (٤) اختلاله مما لا شك
_________________
(١) ورد بهامش (س، ظ) إشارة أن في نسخة: (يتفتح)، وهو ما في (د، أ).
(٢) ورد بهامش (س) إشارة أن في نسخة: (فهو)، وهو ما في (د، أ).
(٣) سبق تخريجه قريبًا.
(٤) في (أ): (لهم).
[ ١ / ١٥٣ ]
فيه، ويُبقِي مكانه من الكتاب أبيضَ، وقد وقع من ذلك في مصنفات السنن ما سنوقف إن شاء الله عليه، ونشير في مظانه إليه، وهي الطريقة السليمة ومذاهب الأئمة القويمة؛ وأما الجسارة فربما عادت بخسارة، فكثيرًا ما رأينا من نبَّه بالخطأ على الصواب، وتَولَّج المنزل من غير الباب، كما فعل الشيخ أبو عبد الله محمَّد بن وضاح (١) في كثيرٍ من إصلاحاته على يحيى بن يحيى (٢) - ﵀ - روايته في "الموطأ"، فصار هو في أكثرها المُخَطَّأ
_________________
(١) هو: محمَّد بن وضاح بن بزيع، الحافظُ الكبير، أبو عبد الله القرطبي، مولى ملك الأندلس: عبد الرحمن بن معاوية الأموي الداخل. ولد سنة تسع وتسعين ومائة أو مائتين بقرطبة، ارتحل إلى الحجاز والشام والعراق ومصر، وبه وبِبَقِيٍّ صارت الأندلس دار حديث، سمع: يحيى بن يحيى الليثي وإسماعيل بن أبي أويس، ولقي أحمد بن حنبل وسعيد بن منصور ويحيى بن معين وغيرهم. روى عنه: أحمد بن خالد بن الجباب وقاسم بن أصبغ ومحمد بن عبد الملك وغيرهم. قال ابن الفرضي: كان عالمًا بالحديث، بصيرًا بطرقه، متكلمًا على علله، كثير الحكاية عن العباد، ورعًا، زاهدًا، متعففًا، صبورًا على نشر العلم، نفع الله به أهل الأندلس كان كثيرا ما يقول: ليس هذا من كلام النبي - ﷺ - في شيء. وهو ثابت من كلامه، وله خطأ كثير محفوظ عنه، ويغلط ويصحف، ولا علم له بالعربية، ولا الفقه. مات في المحرم سنة تسع وثمانين ومائتين. ا. هـ، بتصرف. انظر ترجمته في: "تاريخ علماء الأندلس" لابن الفرضي (١١٣٦)، "تذكرة الحفاظ" ٢/ ٦٤٦ (٦٧٠)، "لسان الميزان" ٦/ ٦٠٥ - ٦٠٧ (٨٢٣٠).
(٢) يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس بن شملال، الإِمام الكبير، فقيه الأندلس، أبو محمَّد، الليثي، مولاهم، البربري، المصمودي، الأندلسي، القرطبي، رحل إلى المشرق، وهو أحد رواة "الموطأ" عن مالك، وكان مالك يسميه: عاقل الأندلس، توفي سنة أربع وثلاثين ومائتين. انظر ترجمته في: "الإكمال" ٧/ ١٤١ - ١٤٢، "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ٥١٩ - ٥٢٥.
[ ١ / ١٥٤ ]
المُبَطَّا، وكذلك ما تجاسر عليه القاضي أبو الوليد هشام بن أحمد الْوَقَّشِي (١) - ﵀ - من إصلاحاته في الصحيحين، وفي استدراكاته (٢) على ابن إسحاق (٣) في "سيره"، فبحسب هذِه الإشكالات والإهمالات الواقعة في مصنفات الحديث الثلاث، التي هي كَفُّ الإِسلام الحاوية لمعظم شرائعه وسننه في أحسن تصنيف وأبدع نظام، التي هي "الموطأ" وصحيحا البخاري ومسلم رحمهم (٤) الله، انتدبت إلى بيان ما سمح به ذكري، واقتدحه (٥) فكري،
_________________
(١) هو: هشام بن أحمد بن هشام بن خالد بن سعيد أبو الوليد، الكاتب المعروف بالوقشي الكناني الأندلسي، من أهل طليطلة، عارف بالأحكام والحديث، ولد سنة ثمان وأربعمائة، أخذ العلم عن: أبي عمر الطلمنكي وأبي عمرو السفاقسي وأبي عمر بن الحداد وغيرهم. وولي القضاء، وكان من أعلم الناس باللغة والنحو، ومعاني الأشعار والعروض، وصناعة الكتابة، شاعر فقيه عالم بالشروط، فاضل في الفرائض والحساب والهندسة، مشرف على جميع آراء الحكماء. قال عياض: كان غاية في الضبط، نسابة، له تنبيهات وردود، نبه على كتاب أبي نصر الكلاباذي، وعلى "مؤتلف الدارقطني"، وعلى "الكنى" لمسلم، ولكنه أتهم بالاعتزال، وألف في القدر والقرآن، فزهدوا فيه. توفي بدانية يوم الاثنين لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة تسع وثمانين وأربعمائة. ومن تآليفه "نكت الكامل للمبرد". انظر ترجمته في: "الصلة" ٢/ ٦٥٣ - ٦٥٤، "سير أعلام النبلاء" ١٩/ ١٣٤، "بغية الوعاة" ٢/ ٣٢٧ - ٣٢٨ (٢٠٢٩)،
(٢) في (د، أ): (استدرا كه).
(٣) محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار - وقيل: ابن كُوثَان - العلامة الحافظ الأخباري، أبو بكر - وقيل: أبو عبد الله، صاحب "السيرة النبوية" رأى أنس بن مالك. قال محمَّد بن سعد: كان ثقة. مات سنة إحدى أو اثنتين وخمسين ومائة. انظر ترجمته في: "الطبقات الكبرى" لابن سعد ٧/ ٣٢١، "تهذيب الكمال" ٢٤/ ٤٠٥.
(٤) في (أ): (رحمها).
(٥) في (أ): (اقترحه).
[ ١ / ١٥٥ ]
ووعاه (١) حفظي، وانتهى إليه قسمي من هذا العلم وحظي، بعد أن استخرت الله تعالى فيما نويته من ذلك، وسألته التوفيق والإرشاد إلى طريق السداد، واقتصرت على هذِه المصنفات المذكورات؛ إذ هي الأصول المشهورات المتداولات بالرواية، المتعقبات بالتفقه فيها والدراية، فهي أصول كل أصل، ومنتهى كل غاية في هذا الباب وفضل، عليها مدار أندية السماع وبها عمارتها، وهي مبادئ علوم الآثار وغايتها، ومصاحف السنن ومذاكرتها (٢)، وأحق ما صرفت إليه العناية وشغلت به الهمة، ولا أعلم أن أحدًا قبلي ألَّف على مجموع هذِه المصنفات كتابًا مفردًا تقلد عهدة ما تقلدته من: بيان مشكلها، وتقييد مهملها، ووسم (٣) مغفلها (٤) وشرح ألفاظ غريبها، وضبط أسماء رجالها، وإزاحة إشكالها، إلى ما بينت فيه من اختلاف نقلها (٥) في ألفاظ متونها، وأسماء رواتها.
ثم لما أجمع عزمي على النظر في ذلك والتفرغ له وقتًا من نهاري وليلي، قسمت له حظًّا من تكاليفي وشغلي بالجلوس للعامة للتذكير والتعليم، ثم للخاصة للرواية والتسميع، رأيت ترتيب هذا الغريب على حروف المعجم أقرب وأفهم، وأخلص من التكرار للألفاظ بحسب تكررها في هذِه الأمهات وأسلم؛ تيسيرًا على الطالب، ومعونة للمجتهد الراغب، فإذا
_________________
(١) في (أ): (ورعاه).
(٢) في (أ): (مدار كرتها).
(٣) في (أ): (ورسم).
(٤) في (س): (معقلها) والمثبت من هامشها؛ حيث أشار الناسخ أنها في نسخة هكذا، وكذا هي في (د، أ، ظ): (مغفلها) وهو أوجه.
(٥) في (د، أ، ظ): (نقلتها).
[ ١ / ١٥٦ ]
وقف قارئ مصنف (١) من هذِه المصنفات على لفظ غريب، أو كلمة مشكلة، أو إسمية مهملة؛ فزع إلى الحرف الذي في أولها: إن كان صحيحًا طلبه في الصحيح، وإن كان مضاعفًا أو معتلًّا أو مهموزًا طلب كلًّا في بابه، ونسقت أبوابه على نسق حروف المعجم عندنا بالمغرب، وبدأت في أول كل حرفي منه بالألفاظ الواقعة في متون الأحاديث دون أسماء الرجال والبقاع، ثم إذا فرغت من جميع الحرف عطفت عليه بأسماء الرواة والبقاع، هكذا حرفًا بعد حرفٍ إلى آخر الحروف، مقيدًا كله بما يعصمه - إن شاء الله - من التغيير والتصحيف والتبديل والتحريف؛ ليكون عصمة لمن اعتصم به، وعياذًا (٢) لمن لجأ إليه من أصحابي الآخذين عني، فمن فاته شيء من التقييد عني بغفلةٍ أو نسيان أو تضييع وإهمال، استدركه من (٣) هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
ثم ليعلم قارئ هذا الكتاب أني لم أضعه لشرح اللغات وتفسير المعاني وتبيين وجوه (٤) الإعراب؛ بل لحفظ الرواية، وتقييد السماع، وتمييز المشكل، وتقييد المهمل، وفتح ما استغلق من تلك اللغات، وتوجيه ما اختلفت فيه الروايات، وجذب (٥) منادِّها إلى جهة الصواب، على قدر ما فتح لي من مبهم هذِه الأبواب؛ فإن أمضى الله (٦) على ذلك
_________________
(١) في (أ): (منصف).
(٢) في (أ): (وعتادا).
(٣) في (ظ): (في).
(٤) في (ظ): (وجه).
(٥) في (د): (وجبذ) وهما بمعنًى.
(٦) بعدها في (ظ): (تعالى).
[ ١ / ١٥٧ ]
عزمتي (١)، وبلغني فيه غاية قصدي، وكمل لي هذِه الأغراض في مداواة (٢) تلك الأمراض، رجوت أن لا يبقى على طالب معرفة هذِه الأصول المذكورة إشكال، وأن يستغني الناظر فيه بما يقف عليه منه عن الرحلة إلى متقني أهل هذِه الصناعة إن ظهر في قطر من الأقطار، بل يكتفي - إن شاء الله - بمقابلة كتابه بكتابٍ قرئ عليَّ أو سمع مما يجد عليه خط يدي، ثم إن أشكل عليه لفظ وجد بيانه فيه، إلَّا ما لا بدَّ من فوته بحكم البشرية التي منعت الإحاطة والكمال، وألزمت الغفلة والنقصان، والخطأ والذهول والنسيان، فهو كتاب يحتاج إليه الشيخ الراوي، كما يلجأ إليه الحافظ الواعي، ويتدرج به (٣) المبتدي، كما يتذكر به المنتهي، ويضطر إليه طالب الفقه (٤) والاجتهاد، كما لا يستغني عنه راغب السماع والإسناد، ويحتج به الأديب في مذاكرته، كما يعتمده المناظر في محاضرته، وسيعلم من وقف عليه من أهل المعرفة قدره، ويوفيه أهل الإنصاف حقه؛ فإني نحلت فيه معلومي، وبثثته (٥) مكتومي، وأودعته محفوظي ومفهومي، وسمحت فيه بمصونات الصنادق والصدور، ومضنونات المهارق (٦) والصدور، مما لا يبيحون خفي ذكره لكل ناعقٍ، ولا يبوحون بسره إلا لطالبي الحقائق،
_________________
(١) في (ظ، د، أ): (عزمي).
(٢) في (د، ظ): (مداراة).
(٣) في (ظ): (له).
(٤) في (د، ظ، أ): (التفقه).
(٥) في (د): (بثثت فيه).
(٦) المهْرَقُ: الصحيفة البيضاء يكتب فيها، فارسي معرب، والجمع: المَهارِق. "اللسان" ٨/ ٤٦٥٦.
[ ١ / ١٥٨ ]
ولا يرفعون منها راية إلَّا لمتلقيها باليمين، ولا يكشفون منها غاية إلَّا لثقةٍ أمين، وإلى الله ألجأ في تصحيح (١) جميع عملي ونيتي، وإليه أبرأ من حولي وقوتي، ومنه أستمد التوفيق والهداية، وإياه أسأل العصمة والوقاية، إنه منعمٌ كريمٌ، ذو فضلٍ عظيمٍ.
وقد سميته بـ "مَطَالِعُ إلا"نْوَارِ عَلَى صَحَائحِ الآثَارِ".
وما توفيقي إلَّا بالله، ولا حولَ ولا قوةَ إلَّا بِهِ (٢)، عليه توكلتُ وإياهُ استعنتُ، فهو خيرُ معينٍ، وأقْوى ظَهيرٍ.
_________________
(١) ساقطة من (ظ).
(٢) في (ظ): (بالله العلي العظيم).
[ ١ / ١٥٩ ]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(وصَلّى الله عَلَى سَيِّدِنَا محَمَّدٍ وآلِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا) (١)