فأما "إِنَّ" فحرف تأكيد، وقد تأتي بمعنى: نعم، و"أَنَّ" للتأكيد أيضًا وهي أعمُّ من المكسورة.
وإنما تكسر بخمس قرائن: في الابتداء، وبعد القول، ومع اللام (١)، وبعد الاسم الموصول، وبعد القسم، وقد فتحها بعضهم بعد القسم، وأصله كله أن يكون ما بعدها مبتدأ أو في معنى المبتدأ، والأصل الذي أصَّله ابن السراج وغيره من أنها تكسر إذا لم يصلح قبلها إلاَّ الاسم دون الفعل، وتفتح إذا لم يصلح قبلها إلاَّ الفعل (دون الاسم) (٢)، وتكسر وتفتح إذا صلح قبلها كل واحدٍ منهما عوضًا عن الآخر، إلاَّ أن الاختيار في هذا الأصل الكسر، فهو أصل مشكل على المبتدئ واهٍ على المتناهي، ثم هو منخرم قد رُدَّ عليه فيه ونقض، والأحسن ما أصله الزجاجي (٣) ﵀.
وأما "إِنْ" المكسورة فتكون جحدًا، وزائدة، وبمعنى: الذي، ومخففة من الثقيلة فترفع ما بعدها، ومن العرب من ينصب بها علي كل حالٍ، مثقلة ومخففة من الثقيلة، تقول: علمت إِن زيدًا قائم.
وأما المفتوحة المخففة فإنها تأتي بمعنى: أي، وتنصب الفعل، وتكون
_________________
(١) أي: كان في خبرها لام التأكيد، كما جاء في "المشارق" ١/ ١١٧.
(٢) ساقطة من (س).
(٣) عبد الرحمن بن إسحاق، أبو القاسم، البغدادي، النحوي، الزجاجي، شيخ العربية، صاحب "الجمل". منسوب إلى شيخه إبراهيم الزجاج، لزمه حتى برع في النحو، وأملى، وحدث، وصنف "الجمل" و"الإيضاح" "الكافي" وغيرها. توفي سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة. انظر ترجمته في: "الإكمال" ٤/ ٢٠٥، "وفيات الأعيان" ٣/ ١٣٦.
[ ١ / ٣٠٣ ]
معه اسمًا، وتكون زائدة بعد (لما)، وبمعنى: من أجل، كقول الشاعر:
لقَدْ عَلِمَ الضَّيْفُ (١) والمْمِلُونَ إذا اغْبَرَّ أفْقٌ وهَبَّتْ شَمَالًا
بِأَنْكَ رَبِيعٌ وَغَيْثٌ مَرِيعُ وَأنْكَ هُنَاكَ تَكُونُ الثِّمَالَا (٢)
قوله: "حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّي" (٣) بكسر الألف على النفي بمعنى: (ما) وكذا لجمهور الرواة في "الموطأ" وغيره، وضبطها الأصيلي وابن عبد البر في "الموطأ" بالفتح، وقال ابن عبد البر: هي رواية أكثرهم، قال: ومعناها: لا يدري (٤). وهذا ليس بشيءٍ، بل هو مفسد للمعنى؛ لأن (إنْ) المكسورة ها هنا بمعنى (ما) (٥) النافية، والجملة في موضع خبر: "يَظَلَّ"، وفي رواية ابن بُكَيْر والتنيسي: "لَا يَدْرِي" (٦) مفسرًا، وكذا لرواة مسلم في حديث قتيبة: "لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّي" (٧) وعند العُذْرِيّ هنا: "مَا يَدْرِي" (٦) وكله بمعنىً واحد، وبالفتح إما أن تكون مع
_________________
(١) أشار في هامش (س) أن في نسخة: (المضيف).
(٢) ذكرهما الأزهري في "التهذيب" ١/ ٢٢٣، وابن الأنباري في "الإنصاف" ١/ ٢٠٧ لكن ذكر بينهما: وَحَلَّتْ عَنْ أَوْلَادِهَا الْمُرْضِعَاتُ وَلَمْ تَرَ عَيْنٌ لِمُزْنٍ بِلَالَا ونسبهما ابن طيفور في "بلاغات النساء" لجنوب أخت عمرو ذي الكلب.
(٣) "الموطأ" ١/ ٦٩ - ٧٠، البخاري (١٢٣١)، مسلم (٣٨٩، ٥٦٩) عن أبي هريرة.
(٤) "الاستذكار" ٤/ ٥٣.
(٥) في (س): (لم).
(٦) البخاري (٣٢٨، ١٢٢٢، ١٢٣٢، ٣٢٨٥).
(٧) مسلم (٣٨٩) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ٣٠٤ ]
فعلها بمعنى الاسم الذي هو مصدر، ولا يصح هنا، أو بمعنى: من أجل، ولا يصح أيضًا؛ لأن كلاهما يقلب المعنى المراد بالحديث، وهذا على الرواية الصحيحة في: "يَظَلَّ" بالظاء المشالة المفتوحة بمعنى: يصير؛ وأما علي رواية من رواه "يَضِلَّ" بضاد مكسورة غير مشالة، أي: ينسى أو يسهو أو (١) يتحير، فيصح حينئذ فتح الهمزة، وتكون "أَنْ" بتأويل المصدر، ومفعول (ضَلَّ) محذوف، أي: حتى يجهل درايته وينسى عدد ركعاته، وتُكسر الهمزة علي ما تقدم.
وقول سعد بن عبادة: " فهَلْ لَهَا مِنْ أَجْرٍ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا" (٢) يعني: عن أمه، بالكسر على الشرط، ولا يصح فتحها بوجه؛ لأنه فعل لم يقع بعد، ولو كان سؤاله بعد الصدقة لفتح لا غير، وفي "الموطأ": "فهَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا" (٣) وهذا يبين أنه في الاستقبال.
وقوله: "يَرْثِي لَهُ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ" (٤) يعني: سعد بن خولة، بالفتح، أي: من أجل موته بها؛ لأنه قد كان مات قبل هذا الرثاء.
وقول عمر: "زَعَمَ قَوْمُكَ أنْ سَيَقْتُلُوني إِنْ أَسْلَمْتُ" (٥) بالفتح والكسر معًا، والفتح أوجه، أي: من أجل إسلامي؛ لأنه قد كان أسلم، ويصح
_________________
(١) في (س): (و).
(٢) البخاري (١٣٨٨)، مسلم (١٠٠٤) عن عائشة.
(٣) "الموطأ" ٢/ ٧٦٠.
(٤) "الموطأ" ٢/ ٧٦٣، البخاري (٦٧٣٣، ٣٩٣٦، ١٢٩٥)، مسلم (١٦٢٨) من حديث سعد بن أبي وقاص.
(٥) البخاري (٣٨٦٤) من حديث عمر بن الخطاب.
[ ١ / ٣٠٥ ]
الكسر علي حكاية قولهم وتهديدهم إياه قبل إسلامه.
وقول عمر - ﵁ - (١) في حديث الوفاة: "حَتَّى أَهْويْتُ إِلَى الأرْضِ حِينَ سَمِعْتُهُ تَلَاهَا - يعني: أبا بكر - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَاتَ" (٢) وهي وما بعدها بدل من الهاء في: "تَلَاهَا"، وفي رواية ابن السكن: "فَعَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَاتَ" وهو بين (٣).
وقول الأنصاري: "آن كَانَ ابْنُ عَمَّتِكَ" (٤) بمدِّ الهمزة، يعني: إلاَّ أن كان ابن عمتك، أي: من أجل ذلك حكمت.
وفي باب إذا انفلتت الدابة: "إنِّي أَنْ كُنْتُ أَنْ أَرْجِعَ مَعَ دَابَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ" (٥) بفتح: "أَنْ" في الحرفين و"أَنْ" الأولى مع "كنْتُ" في موضع المصدر، بمعنى كوني وموضع البدل من الضمير في "إِني" وكذلك "أَنْ أَرْجِعَ": بتقدير: رجوعي، أيضًا، ولا يصح الكسر فيها في هذا الحديث.
وقوله: "بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ" (٦) بفتح الهمزة ضبطناه ولا يصح غيره، لكن علي رواية الفارسي: "بِأَيدٍ" يجب أن يكون: "إِنَّهُمْ" بعد ذلك مكسورة علي كل حالٍ، ابتداء كلام، و"بَيْدَ" أشبه وأظهر، أي: نحن السابقون يوم القيامة بالفضيلة والمنزلة وبدخول الجنة، ونحن الآخرون في الوجود في
_________________
(١) في (س): (رحمة الله).
(٢) البخاري (٤٤٥٤) من حديث ابن عباس.
(٣) في (س): (نبي)!
(٤) البخاري (٢٣٦٢، ٢٧٠٨) من حديث الزبير.
(٥) البخاري (١٢١١) عن أبي برزة الأسلمي.
(٦) البخاري (٨٧٦، ٩٩٦، ٣٤٨٦)، مسلم (٨٥٥) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ٣٠٦ ]
الدنيا، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، أي: علي أنهم قد أوتوا الكتاب.
وقيل: معنى: "بَيْدَ": غير، وقيل: (إلاَّ)، وكل ذلك بمعنى متقارب، وعلى الرواية الأخرى - إن صحت -، يكون التقدير: نحن السابقون إلى الجنة يوم القيامة بقوة أعطاناها الله وفضلنا بها وهدانا لقبول ما آتانا وامتثال ما أمرنا به من طاعته، وإن كنا مسبوقين في الدنيا بالوجود. والأيد والآد: القوة، ثم استأنف الكلام فقال: "إنَّهُمْ" أي: إن كل أمة أوتيت الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فاختلفوا، فهدانا الله لما اختلفوا فيه بتلك القوة التي آتانا الله وقوَّانا بها لهدايته وقبول أمره.
وقوله - ﷺ -: "إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ ورَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ" (١) بالوجهين، بالكسر على الشرط، وبالفتح علي تأويل المصدر، أي: إنك ووذرهم، ومعناه: وتركهم أغنياء خير من تركهم عالة، وأكثر رواياتنا فيه بالفتح. وقال ابن مَكِّي في كتاب "تقويم اللسان": لا يجوز هنا إلا الفتح (٢).
وفي الحديث نفسه: "إِنَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ" بالفتح للقعنبي وجماعة، ولابن القَاسِمِ بالكسر، وذكر بعضهم أنها رواية يحيي بن يحيي، والمعروف ليَحْيَي باللام التي للنفي، أي: "لَنْ تُخَلَّفَ" (٣)، وكلاهما صحيح المعنى (٤).
_________________
(١) "الموطأ" ٢/ ٧٦٣، البخاري (٦٣٧٣، ٤٤٠٩، ١٢٩٥)، مسلم (١٦٢٨) من حديث سعد بن أبي وقاص.
(٢) "تثقيف اللسان وتلقيح الجنان" ص ٢٥٦.
(٣) "الموطأ" ٢/ ٧٦٣.
(٤) ورد بهامش (س) ما نصه: أصل: وتكون بمعنى النافية لإتيان الإيجاب بعدها ورفع (تخلف) و(تعمل) كأنه قال: ما تخلف فتعمل إلَّا ازددت، وأما رواية ابن وضاح: (لن) باللام، ونحو هذا الكلام في هامش (ظ).
[ ١ / ٣٠٧ ]
وأَمَّا قوله: "ولَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ" (١) فهذا لا يصح فيه إلاَّ الفتح.
قوله: "أَوَ إِنَّ جِبْرِيلَ" (٢) ضبطناه بالوجهين الفتح والكسر معًا والكسر أوجه؛ لأنه استفهام مستأنف عن الحديث، إلا أنه جاء بالواو ليرد الكلام على كلام عروة، لأنها من حروف الردّ، ويجوز الفتح على تقدير: أوعلمت أن جبريل، أوَحدثت، ونحو هذا من التقدير.
وفي حديث أبي قتادة في قصة صاحب المَزَادتين قول المرأة لقومها: "مَا أَدْرِي أَنَّ هَوَلَاءِ القَوْمَ يَدْعُونَكُمْ عَمْدًا" كذا للأصيلي وغيره بالفتح والتشديد، ولغيرهم: "مَا أُرى" (٣) مكان: "مَا أَدْرِي" ويحتمل أن تكون: "أَنَّ" (٤) ها هنا بمعنى: (لعل)، وقيل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ﴾ [الأنعام: ١٠٩]، ويحتمل أن تكون علي وجهها في موضع مفعول بـ "أَدْرِي".
قوله: "وسَعْدَيْكَ إِنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ" (٥) رويناه بالفتح والكسر في "الموطأ" وغيره.
قال الخطابي: الفتح رواية العامة، يعني: أنها رواية الأكثر. قال ثعلب: من فتح خصَّ، ومن كسر عمَّ (٦).
_________________
(١) "الموطأ" ٢/ ٧٦٣، البخاري (٦٧٣٣، ١٢٩٥).
(٢) "الموطأ" ١/ ٣، البخاري (٥٢١)، مسلم (٦١٠/ ١٦٧) من حديث المغيرة بن شعبة.
(٣) البخاري (٣٤٤)، وانظر اليونينية ١/ ٧٧.
(٤) تحرفت في (س) إلى: (أي).
(٥) "الموطأ" ١/ ٣٣١ - ٣٣٢، البخاري (٥٩١٥، ١٥٤٩)، مسلم (١١٨٤) عن ابن عمر، والبخاري (١٥٥٠) عن عائشة، ومسلم (١٢١٨) عن جابر بن عبد الله.
(٦) "إصلاح غلط المحدثين" ص ١١٨ - ١١٩.
[ ١ / ٣٠٨ ]
قال (١): وهو الأوجه؛ لأنه استئناف للخبر واعتراف بالنعم الموجبة للشكر، وإذا فتح اقتضى تعليل التلبية بأن الحمد والنعمة له، ولا تعلق للتلبية بهذا إلاَّ علي بعد وتخريج، وهذا الذي أراده ثعلب، والله أعلم.
قوله في البدنة: "فَعَيِيَ (٢) بِشَأْنِهَا أَنْ هِيَ أُبْدِعَتْ" (٣) يعني: بدنته، كذا قيدته بالفتح، أي: من أجل ذلك، وهو وقوفها عليه إعياءً وإزحافًا وقد كانت أبدعت عليه.
وقوله: "وجَدَ عَلَيَّ أَنّي أَبْطَأْتُ عَلَيْهِ" (٤) بالفتح، أي: من أجل أني.
قوله: "لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ أَنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأصْفَرِ" (٥) كذا ضبطناه بالفتح، أي: من أجل ذلك عظم الأمر علي أبي سفيان، والكسر صحيح على استئناف الإخبار عما رآه من هرقل، ولا سيما إذا أثبتت لام التأكيد في الخبر.
وقولهم: "مَا يُبْكِي هذا الشَّيْخَ؟ إِنْ يَكُنِ اللهُ خَيَّرَ عَبْدًا" (٦) بكسر الهمزة وحذف الواو (٧) من "يَكُنِ" للأصيلي، ولغيره: "أنْ يَكُونَ اللهُ عَبْدًا خَيَّرَ" (٨) بالفتح وإثبات الواو، قال ابن سراج: صوابه: "أَنْ يَكُن" بفتح الهمزة وحذف الواو؛ طلبًا للتخفيف.
_________________
(١) القائل هو القاضي، "المشارق" ١/ ١٢١.
(٢) ساقطة من (س).
(٣) مسلم (١٣٢٥) عن موسى بن سلمة الهذلي، قوله.
(٤) البخاري (١٢١٧) من حديث جابر.
(٥) البخاري (٤٥٥٣) من حديث أبي سفيان.
(٦) البخاري (٤٦٦) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٧) في النسخ الخطية: (النون)، وانظر "المشارق" ١/ ١٢١.
(٨) انظر اليونينية ١/ ١٠٠.
[ ١ / ٣٠٩ ]
وقوله في الحج: "إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللهِ" (١) كذا لأكثرهم بكسر الهمزة على الشرط، وهو الوجه، وفتحها الأصيلي مرةً علي تقديرها مع الفعل بالمصدر المبين.
وقوله: "اقْبَلُوا البُشْرى يَا أَهْلَ اليَمَنِ أَنْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ" بفتح الهمزة جاء في باب بدء الخلق في حديث ابن عتاب في هذِه الرواية، أي: من أجل تركهم لها انصرفت إليكم، وفي سائر الأحاديث والأبواب: "إِذْ" (٢) مكان: "أَنْ" وفي رواية القابسي هنا: "أَنْ لَنْ"، وعند النَّسفي: "إِذْ لَمْ" كما في غيره من الأحاديث، ورواية القابسي بعيدة، ولها وُجَيْه، وهو نفي القبول عنهم في الحال والاستقبال، التقدير: من أجل أن لم يقبله بنو تميم أبدًا فأنتم لها أحق وأولى.
وقوله في أهل الحجر: "لَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ" (٣) بالفتح، أي: من أجل أن يصيبكم.
وقول أسامة: "لَا أَقُولُ لِرَجُلٍ أَنْ كانَ عَلَيَّ أَمِيرًا إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ" "أَنْ" الأولى مفتوحة الهمزة، بمعنى: من أجل أن كان عليّ أميرًا.
وقول زيد بن ثابت: "مَا بَالَيْتُ، إِنَّ الرَّجُلَ لَا يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ" (٤) بالكسر علي (ابتداء كلام) (٥)، و"مَا بَالَيْتُ" جواب لما قبله، ولا يجوز الفتح؛ لأنه يفسد المعنى، فيكون التقدير: ما باليت بقطع الرجل صلاة
_________________
(١) البخاري (١٥٥٩، ١٧٢٤)، مسلم (١٢٢١) عن أبي موسى الأشعري.
(٢) البخاري (٣١٩٠، ٣١٩٢، ٤٣٦٥، ٤٣٨٦، ٧٤١٨) عن عمران بن حصين.
(٣) البخاري (٤٧٠٣، ٤٤٢٠، ٣٣٨١)، مسلم (٢٩٨٠) عن ابن عمر.
(٤) البخاري معلقًا قبل حديث (٥١١).
(٥) أشار في (س) أن في نسخة: (الابتداء).
[ ١ / ٣١٠ ]
الرجل، ففيه إثبات القطع وعدم المبالاة به، وهذا خلاف الشرع.
وفي حديث القَسَامَة: "أَمَرَنِي فُلَانٌ أَنْ أُبْلِغَكَ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ" (١) كذا ضبطناها، وهو أوجه من الكسر لتفسير الرسالة، تقديره: أن أبلغك وصيته إليك بأن، وقد يصح الكسر على استئناف الكلام، ويكون المراد به تفسير الرسالة، بالخبر المستأنف أو حكاية ما أودعه من لفظ الوصية أيضًا.
وفي حديث غزوة أوطاس: "وكأَنَّهُمْ - يعني: الأنصار - وجَدُوا أَنْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ" كذا في بعض الروايات بالنون مفتوحة الهمزة، بمعنى: من أجل أن لم يصبهم من المغنم ما أصاب الناس، كذا وعند الجمهور: "إِذْ لَمْ" (٢).
وفي حديث الثلاثة في الغار: "اللهُمَّ إِنْ كنْتَ تَعْلَمُ إنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ" (٣) معناه: اللهم إنك تعلم، فأوقع الكلام موضع (٤) الشك (٥) علي معنى التفويض إليه والرضا بعلمه فيه، ومثله قوله: إن قدر الله عليَّ الصورة صورة الشك، والمراد التحقيق واليقين، وفيه تأويلات تأتي في القاف إن شاء الله تعالى، وهذا النوع يسميه أهل البلاغة تجاهل العارف ومزج الشك باليقين، وقريب منه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾ [سبأ: ٢٤]، وقد علم الله تعالى أن المؤمنين علي هدى وأن الكافرين في ضلالٍ.
_________________
(١) البخاري ٣٨٤٥) عن ابن عباس.
(٢) البخاري (٤٣٣٠) باب: غزوة الطائف في شوال سنة ثمان.
(٣) البخاري (٢٢١٥، ٢٢٧٢، ٢٣٣٣، ٥٩٧٤)، مسلم (٢٧٤٣) عن ابن عمر.
(٤) من (د، أ، ظ).
(٥) في (س): (التشكك).
[ ١ / ٣١١ ]
قوله - ﷺ -: "إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ إِنْ كانَ الخَيْطُ الأبْيَضُ والْأَسْودُ تَحْتَهُ" (١)، وفي الحديث الآخر: "إِنْ أَبْصَرْتَ الخَيْطَيْنِ" (٢) كلاهما بكسر الهمزة للشرط (٣) ولا يصح الفتح، فإن كان مرويًّا فيخرج علي تقدير: إن وسادك إذًا لعريض من أجل أن أبصرت تحته الخيط الأبيض والأسود اللذين أراد الله تعالى، يعني: وإنك لم تبصر ذلك فوسادك إذًا غير عريض والذي أبصرت غير المراد بالخيطين.
وفي تفسير الأنعام: "يُسَيِّبُونَهَا لِطَواغِيتِهِمْ إِنْ وصَلَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْأخْرى" (٤) بالفتح، بمعنى: من أجل، وبالكسر للشرط.
وفي إذا لم يشترط السنين في المزارعة: "وإنَّ أَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ أَخْبَرَنِي، يَعْنِي: ابْنَ عَبَّاسٍ" (٥) كذا لكافتهم وهو الصواب، وعند النَّسفي: "وأنِّي أَعْلَمُهُمْ بِذَلِكَ" خبرًا عن نفسه، والأول أوجه.
قوله: "وإِنّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ" (٦) قيل: معناه إذ (٧) شاء الله؛ لأنه - ﷺ - علي يقين من وفاته على الإيمان، والصواب أنه علي وجه من الاستثناء والشرط، ثم يختلف في معناه؛ لأن الاستثناء لا يكون في الواجب، وقيل: معناه: لاحقون بكم في هذِه المقبرة. وقيل: المراد امتثال قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]
_________________
(١) البخاري (٤٥٠٩) من حديث عدي بن حاتم.
(٢) البخاري (٤٥١٠).
(٣) في (د، أ، ظ): (للنسك).
(٤) البخاري (٤٦٢٣) من حديث أبي هريرة.
(٥) البخاري (٢٣٣٠).
(٦) "الموطأ" ١/ ٢٨ - ٢٩، مسلم (٢٤٩) عن أبي هريرة، ومسلم (٩٧٤) عن عائشة.
(٧) كذا في النسخ، وفي "المشارق" ١/ ١٢٣: إذا.
[ ١ / ٣١٢ ]
فالتزم - ﷺ - تأديب ربه إياه حتى في الواجب.
وقيل: هذا على التبري والتفويض وإن كان في واجب، كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧]. وقيل: الاستثناء في الموافاة على الإيمان، والمراد من معه من المؤمنين.
وقوله: "لَعَلَّهُ وجَدَ عَلَيَّ أَنْ أَبْطَأْتُ عَلَيْهِ" أي: من أجل أن أبطأت عليه، وقد روي: "أنِّي أَبْطَأْتُ عَلَيْهِ" (١) بالنون والضمير بعدها، وقد تقدم.
وفي حديث ابن عمر: "وأَنَّ الأمْرَ أُنُفٌ" (٢) بضم الهمزة، من الكلأ (٣)، وهو الوافي الذي لم يُرْعَ منه، أي: مستأنف لم يسبق به سابق قدر ولا علم من الله ﷿، وهو مذهب غلاة القدرية وبعض الرافضة، وكذبوا، يقولونه على العموم، وبعضهم يخص البشر فحسب، وعليه أكثرهم الآن، وأَنْفُ كل شيء: طرفه ومبتدؤه (٤)، بالفتح، ومنه الجارحة.
وقوله - ﷺ -: "آنِفًا" (٥) بالمد والقصر قيدناه في الحديث، وقرأناه في القرآن، أي: قريبًا أو الساعة. وقيل: في أول وقت كنا فيه. وكله من الاستئناف والقرب، ومثله: "أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ" (٦).
_________________
(١) البخاري (١٢١٧) عن جابر بن عبد الله، وفي هامش اليونينية ٢/ ٦٦ أنه وقع للكشميهني عن أبي ذر الهروي: "أَنْ أَبْطَأْتُ".
(٢) مسلم (٨) عن ابن عمر.
(٣) قال الزمخشري في "الفائق" ٣/ ٢١٨: أُنُف: أي مستأنف لم يَسْبق به قَدر، من الكلأ الأُنف وهو الوَافِي الذي لم يُرْعَ منه.
(٤) في (د، أ): (ومنتهاه).
(٥) البخاري (٣٣٢٩)، مسلم (٢٣٥٩) عن أنس بن مالك، ووردت هذِه اللفظة غي غير موضع من "الموطأ" والصحيحين.
(٦) مسلم (٤٠٠) عن أنس.
[ ١ / ٣١٣ ]
قوله: "أَتَأَنَّقُ فيهِنَّ" (١) أي: أتتبع محاسنهن الأنيقة، ومنظر أنيقٌ: معجبٌ، والأَنَق: الإعجاب.
وقوله: "وآنَقْنَنِي" (٢) بمعنى: أعجبنني إعجابًا بالغًا، ورواه بعضهم: "أَيْنَقْنَنِي" بالياء؛ وإنما هي صورة ألف المدة التي بعد الهمزة فغلط الراوي، وضبطه الأصيلي: "أَتَقْنَنِي" من التوق وهو الشوق البالغ، أي: شوقنني أو جعلني تائقًا، والأول أليق بالمعنى، يقال: تقت إلى الشيء أتوق توقًا، وتتوقت إليه أتتوق تتوقًا، وآنقني الشيء يؤنقني إيناقًا صيرني نائقًا، أي: كسبني ذلك.
وفي النِّكَاحِ: "مَا لَكَ تَنَوَّقُ في قُرَيْشٍ وَتَدَعُنَا؟ " (٣) أي: تتابع (٤) في الاختيار، وأصله على هذا من النيقة وهي الخيار، وكذا روى هذِه الكلمة أكثرهم، وعند العُذْرِيّ وابن الحَذَّاء: "تَتَوقُ" من التوق، أي: تميل وتشتهي.
قوله: "أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ الله؟ " (٥) بلفظ الاستفهام، "أي: أنبسط وأتكلم بما عندي.
قال القاضي إسماعيل (٦) في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧]:
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٦/ ١٥٣ (٣٠٢٧٦) عن ابن مسعود، قوله.
(٢) البخاري (١٨٦٤)، مسلم (٨٢٧) عن أبي سعيد الخدري.
(٣) مسلم (١٤٤٦) عن علي.
(٤) في (ظ): (تبالغ).
(٥) البخاري (٢٤٦٨، ٥١٩١)، مسلم (١٤٧٩) في حديث ابن عباس.
(٦) إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم، أبو إسحاق، القاضي، الأزدي، قال الخطيب: وكان إسماعيل فاضلا عالمًا متقنا فقيها على مذهب مالك بن أنس شرح مذهبه ولخصه واحتج له وصنف "المسند" وكتبا عدة في علوم القرآن. انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" ٦/ ٢٨٤، "سير أعلام النبلاء" ١٣/ ٣٣٩.
[ ١ / ٣١٤ ]
أحسب معناه: حتى يستأنس الداخل. أي: يستعلم (١) ويتعرف؛ وأما حديث عمر فمعناه: أستأنس يا رسول الله بالكلام معك وأنبسط إليك بالحديث؛ لأنه قد كان أذن له في الدخول عليه ولم يكن معه، قيل: فلما دخل عليه وجده غضبان فاحتاج إلى إذنه في الانبساط، وقد يكون أيضًا بمعنى: أستعلم ما عندك من خبر أزواجك وأسأل، وقد قيل ذلك في قوله: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] أي: تستعلموا: أيؤذن لكم أم لا، كما تقدم الآن.
وفي الحديث ذكر تحريم: "الْحُمُرِ الأَنسِيَّةِ" بفتح النون وفتح الهمزة، كذا ذكره البخاري عن ابن أبي أويس، وكذا قيدناه عن الشيخ أبي بحر في مسلم، وكذا قيده الأصيلي وابن السكن وأَبُو ذَرٍّ، وأكثر روايات الشيوخ فيه بكسر الهمزة وسكون النون (٢)، وكلاهما صحيح؛ فأما الأنَس بفتح الهمزة والنون فهم الناس وكذا الإنْس، والجانب الإنْسي والأَنَسي معًا وهو الجانب الأيمن، قاله أبو عبيد (٣).
قوله - ﷺ - للأَشَجِّ: "الْحِلْمُ والأناةُ" (٤) بالفتح والقصر، وهو التثبت في الأمور وترك العجلة، والتأني هو المكث والإبطاء، يقال: آنَيْتُ وأَنَّيتُ مشدَّدًا، وتأنَّيت.
_________________
(١) في (س): (ستعلم) والمثبت من هامش (س) حيث أشار أنه هكذا في نسخة. وهو ما في (د، أ، ظ).
(٢) "الموطأ" ٢/ ٥٤٢، البخاري (٤٢١٦، ٥٥٢٣، ٦٩٦١)، مسلم (٤١٠٧) عن علي بن أبي طالب. والبخاري (٢٤٧٧، ٤١٩٦، ٥٤٩٧، ٦١٤٨، ٦٣٣١)، مسلم (١٨٠٢) عن سلمة بن الأكوع.
(٣) "غريب الحديث" ١/ ٤٥٠.
(٤) مسلم (١٧/ ٢٥، ١٨) من حديث ابن عباس.
[ ١ / ٣١٥ ]
وقوله: "الَّذِي لَا يَعْجَلُ شَيءٌ أنَاهُ وقَدَّرَهُ" (١) أي: وقته، ومنه قوله تعالى: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] فإذا فتحت الهمزة في أوله مددت النون فقلت: الأناء والهمزة في أوله مقصورة، وقد اختلف الشيوخ في ضبط هذِه الجملة، فالذي ذكرناه أولًا هي رواية عبيد الله عن أبيه يحيي بن يحيي: "يَعْجَلُ شَيءٌ إِنَاهُ وقَدَرَهُ" بفتح الياء ورفع "شَيءٌ" وكسر الهمزة من "إِنَاهُ" مع القصر وفتح القاف والدال، ورواه القنازعي: "يُعْجَلُ" بضم الياء وسكون العين وفتح الجيم مبنيٌّ لما لم يسم فاعله، ورواه ابن وضَّاح: "شَيْئًا" مفعولًا "يَعْجِلُ شَيْئًا إِنَاهُ" و"إِنَاهُ" الفاعل، أي: لا يسبق وقتٌ شيئًا قدره الله فيه، وكلهم يقول: "إِنَاهُ وقَدَرَهُ" بهمزة كما تقدم.
وقال الجِيَّانِي: رواه بعضهم: "يُعَجِّلُ - بشد الجيم - شَيْئًا (٢) آنَاهُ وقَدَّرَهُ" بهمزة ممدودة في أوله وألف مقصورة بعد نونه، وهو فعل ومفعول بمعنى: وقته وقدره فعل ومفعول أيضًا.
وقول علي - ﵁ -: "أَمَا آنَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْرِفُ مَنْزِلَهُ" (٣)، وروي: "أَلَمْ يَأْن" كقول حسان: "أَلَمْ يَأْن وقَدْ آنَ أَنْ تُرْسِلُوا لهذا الأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ" يعني: لسانه، ومعناه كله: حان ويحين ويأتي حينه وأوانه ووقته، وحان وآن: جاء وقته، ومنه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد: ١٦] يقال: أَنَى يَأني، وآنَ يَئِينُ، ونَالَ وأَنَالَ، كله بمعنى واحد. ورُوِيَ في حديث علي:
_________________
(١) "الموطأ" ٢/ ٩٠١.
(٢) في النسخ: (شيء)، والمثبت من "المشارق" ١/ ١٢٦.
(٣) البخاري (٣٥٢٢، ٣٨٦١) ولفظه: "أَمَا نَالَ" وسيأتي، مسلم (٢٤٧٤) ولفظه: "مَا أَنَى".
[ ١ / ٣١٦ ]
"أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْرِفُ مَنْزِلَهُ" (١).
وقوله: "يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ" (٢) أي: أوقاته، الواحد: أَنى مفتوح الهمزة مقصورًا منونًا، وإِنًا علي وزن: مِعًا، وإنْيٍ علي مثال: قِدْرٍ.
قوله: "مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ" (٣) كذا رويناه عن أكثرهم ومتقنيهم في الصحيح وغيره، وقد خلط فيه بعضهم وصحف، وكان في كتاب ابن سكّرة وابن أبي جعفر: "مَائنَّةٌ" بالمد، وعند بعضهم: "مَا إِنَّه مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ" جعل: "مَا": بمعنى: "الَّذِي" و"إِنَّه": تأكيد والهاء عائدة علي: "مَا" وهم كلهم في ذلك موهِمون، والصواب ما تقدم.
وقال الأصمعي: معناه: مَخْلَقَةٌ ومَجْدَرَةٌ وعَلَامَةٌ، كأنه دال علي فقه الرجل، وحقيق بفقه الرجل، وهذا كلام جمع تفسيرين ولفَّ معنيين؛ لأن الدلالة على الشيء غير ما يستحقه ويليق به. قال غيره: المئنَّة للشيء هي الدليل عليه. وقيل: معناه: حقيقته، والميم زائدة عند الخطابي والأزهري (٤) وغيرهما، ميم مَفْعَلة، وهو نحو ما ذهب إليه الأصمعي في أحد تفسيريه المختلط بقوله: مَخْلَقَةٌ ومَجْدَرَةٌ.
وقال لي ابن ورد (٥): قال لي شيخنا أبو الحسين ابن سراج عن أبيه: هي أصليّة، ووزنها: فَعِلَةٌ، من مَأَنَتْ إذا شَعَرَتْ، أي: إنها مشعرة بذلك، وهذا علي أحد تفسيري الأصمعي في قوله: علامة.
_________________
(١) تقدم.
(٢) البخاري (٥٠٢٥)، مسلم (٨١٥) عن ابن عمر.
(٣) مسلم (٨٦٩) بلفظ: "مَئِنةٌ مِنْ فِقْهِهِ".
(٤) "تهذيب اللغة" مادة (إن).
(٥) في (س): (دريد) وأشار في الهامش أن في نسخة: (ورد) وهو ما في (د، أ، ظ) وهو الصواب.
[ ١ / ٣١٧ ]
وقال الخطابي: مَئِنَّةٌ: مَفْعِلَةٌ من الآن، وذكر بعضهم أنها مبنية من إنِيَّة الشيء بمعنى إثباته من قولهم في الشيء: إنَّه كذا، وحكى اللِّحْيَانِيُّ (١) أنه مما تتعاقب فيه الظاء والهمزة، وأن مَئِنَّةٌ ومظنة بمعنى واحد، فإن الهمزة عنده مبدلة من الظاء بمعنى مَجْدَرَةٌ ومخلقة كما تقدم.
قول عثمان - ﵁ -: "لَوْلَا أَنَّهُ في كِتَابِ اللهِ" بالنون في رواية يحيي (٢) وجماعة معه، وكذا لابن ماهان في مسلم، وعند أبي مصعب (٣) (٤) وابن وهب (٥) وآخرين من رواة "الموطأ": "لَوْلَا آيةٌ"، وهي رواية الجُلودي في مسلم (٦). قال مالك: الآية: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] (٧)
_________________
(١) علي بن حازم - وقيل: ابن المبارك - أبو الحسن اللحياني، كان من أكابر أهل اللغة، ومن أحفظ الناس للنوادر، وله كتاب فيها، أخذ عن الكسائي، وأخذ عنه أبو عبيدٍ القاسم بن سلامٍ. انظر ترجمته في: "معجم الأدباء" ٤/ ٢١٠، "البلغة" للفيروزبادي ص ٤٣.
(٢) "الموطأ" ١/ ٣٠.
(٣) أحمد بن أبي بكر: القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، أبو مصعب الزهري، القرشي، المدني. الإمام الثقة، شيخ دار الهجرة، لازم الإِمام مالكا وتفقه به، وسمع منه "الموطأ" وأتقنه عنه، مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين. انظر ترجمته في: "تهذيب الكمال" ١/ ٢٧٨، "سير أعلام النبلاء" ٢٢/ ١٨.
(٤) "الموطأ" ١/ ٣٢ - ٣٣ (٧٣) ط. الرساله.
(٥) عبد الله بن وهب بن مسلم، أبو محمَّد الفهري، الإِمام الحبر، شيخ الإِسلام، مولاهم المصري الحافظ الفقيه أحد الأئمة الأعلام، قال أبو عمر: يقولون إن مالكًا لم يكتب لأحد بالفقيه، إلا إلى ابن وهب، مات سنة سبع وتسعين ومائة. انظر ترجمته في: "ترتيب المدارك" ١/ ٢٤٣، "سير أعلام النبلاء" ٩/ ٢٢٤.
(٦) مسلم (٢٢٧).
(٧) "الموطأ" ١/ ٣٠.
[ ١ / ٣١٨ ]
وقال عروة في كتاب مسلم: الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ الآية [البقرة: ١٥٩] (١).
والصواب قول عروة يعني: لئلا يتكل الناس، ذكر النهي عن الكتمان أوجب عليه الحديث به مخافة إثم الكتمان.
قول عمر - ﵁ - في البخاري في حديث الجنين: "أَنْتَ مَنْ نشْهَدُ مَعَكَ" (٢) كذا لبعضهم بالنون، أي: أنت سمعته أو أنت شاهد واحد من يشهد معك حتى تتم الشهادة، وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه.
وفي وصية الأمراء: "فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا" بتاء المخاطب "ذِمَّتَكُمْ" (٣) بالكاف، كذا لهم، وعند العُذْرِيّ: "فَإنَّهُمْ أَنْ يُخْفِرُوا" وهو خطأ، قاله شيخنا أبو الفضل (٤)، وليس عندي كما قاله، بل الأصوب: "فَإِنَّهُمْ"؛ إذ المسلمون ممنوعون من إخفار ذمة الله أو ذمتهم؛ لأنه عهدٌ يجب الوفاء به، لكنه - ﷺ - صان ذمَّة الله من أن يخفرها الكافرون، يقال: أخفرت العهد والذمة إذا لم توف بها، وخفرت بغير ألف إذا عقدت له ذمة وعهدًا.
وفي حديث ابن مثنى وابن بشار: "مَاتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وسِتِّينَ" (٥) كذا هنا في كتاب الشيخ أبي عبد الله محمَّد بن عيسى، وعند غيره: "ومَاتَ أَبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وأنا ابْنُ ثَلَاثٍ وسِتّينَ" (٦)، وهو الذي في كتب كافة شيوخنا، وفي بعض الروايات: "ومَاتَ أَبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وَهُمَا ابْنَا
_________________
(١) مسلم (٢٢٧/ ٦).
(٢) البخاري (٦٩٠٦، ٦٩٠٨)، مسلم (١٦٨٣) من حديث المغيرة، وفيها: "ائتِ" بدل: "أَنْتَ"، وانظر "اليونينية" ٩/ ١١.
(٣) مسلم (١٧٣١) عن بريدة، وفيه: "ذِمَمَكُمْ".
(٤) "مشارق الأنوار" ١/ ١٢٨.
(٥) مسلم (٢٣٥٢/ ١٢٠) عن معاوية.
(٦) السابق.
[ ١ / ٣١٩ ]
ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ" وهذا بين الوجه، وتأويل ما للكافة و"أبو بَكْرٍ وعُمَرُ" عطف على قوله: "مَاتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وهو ابْنُ ثَلَاثٍ وسِتِّينَ وأَبُو بَكْرٍ وعُمَرُ" وتم الكلام، ثم استأنف الخبر عن نفسه أنه في حين هذِه المقالة قد بلغ سنهم، كأنه نعى لهم نفسه، أو يكون معناه: وأبو بكر وعمر كذلك، ثم قال: "وَأَنَا ابْنُ ثَلَاثٍ وسِتِّينَ" فأنا أنتظر أجلي، وهذا أصح الوجوه، وقد جاء مفسرًا في فوائد ابن المهندس (١) عن البغوي فقال: "وتُوُفي أَبُو بَكْرٍ وهو ابْنُ ثَلَاثٍ وسِتِّينَ، وتُوُفي عُمَرُ وهو ابْنُ ثَلَاثٍ وسِتِّينَ، وأَنَا ابْنُ ثَلَاثٍ وسِتِّينَ".
قوله في الشارب الذي أتي به فلعنوه فقال النبي - ﷺ -: "لَا تَلْعَنُوهُ فَواللهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ الله ورَسُولَهُ" (٢) وتاء المتكلم مضمومة، و"أَنَّه" بفتح الهمزة، ومعناه: فوالله الذي علمته: أنه يحب الله، أو لقد علمت، وليست "مَا" بنافية، و"أَنَّهُ" وما بعده بتأويل المفعول بـ "عَلِمْتُ"، ووقع عند بعضهم: "فَواللهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ" بكسر الهمزة من: "إِنَّهُ" (٣)، وهو وهم محيل للمعنى إلى ضدِّه، ويجعل: "مَا" نافية، والتاء عند الأصيلي مهملة، وعند ابن السكن مفتوحة: "عَلِمْتَ" بتاء المخاطب علي طريق التقرير له، وبصح علي هذا كسر: "إِنَّهُ" وفتحها، والصواب كسر: (إنَّ) وضم التاء، وتقدير الكلام: لا تلعنوه، فوالله إنه يحب الله ورسوله، ما علمت. أي: مدة علمي، و"مَا" ظرف للمحبة، وفتح التاء خطأ.
_________________
(١) أحمد بن محمَّد بن إسماعيل البناء أبو بكر ابن المهندس، محدِّث مصر، كان مكثرًا، وانتقى عليه الحفاظ. وكان ثقة، خيرا، تقيا. توفي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. انظر ترجمته في: "وفيات المصريين" ص ٣٥، "سير أعلام النبلاء" ١٦/ ٤٦٢.
(٢) البخاري (٦٧٨٠) عن عمر.
(٣) هكذا لأبي ذر الهروي، اليونينية ٨/ ١٥٩.
[ ١ / ٣٢٠ ]
قوله في حديث سفينة مولى رسول الله - ﷺ - في باب غسل الجنب: "وكانَ كبِرَ وَمَا كُنْتُ أَوْنَقُ بِحَدِيثِهِ" بالنون والواو، كذا رواه السمرقندي، أي: به أعجب، ولغيره: "وَمَا كُنْتُ أَثِقُ بِحَدِيثِهِ" (١) لكبر سنه وفنده، والمعنى متقارب.
قوله في الأئمة المضلين: "قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ في جُثْمَانِ إِنْسٍ" (٢) كذا لكافتهم، وعند بعضهم: "في جُثْمَان البَشَرِ" أي: في أشخاصها وأجسامها، والمعنى سواء.
وقول أبي بكر في بيعة علي له حين قال له عمر: "لَا تَأْتِيهِمْ فَإِنِّي لَا آمنُهُمْ عَلَيْكَ، فَقال أَبُو بَكْر: ومَا عَسَاهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي إِنِّي والله لَآتِيَنَّهُمْ" (٣) كذا لابن أبي جعفر، وسقط: "إِنِّي" لغيره من شيوخنا عن مسلم، وفي رواية بعضهم: "أَنْ يَفْعَلُوا (٤) بِي" (وكذا في البخاري) (٥)، وهو الصواب، فيحتمل أن يكون: "إِنِّي" تصحيفًا من ألف "يَفْعَلُوا" (٦) ومن "بِي" بعدها.
وفي حديث الاستخلاف: "ويَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى" (٧) كذا لِلْهَوْزَني وعن ابن ماهان وهو الوجه، وعند العُذْرِيّ: "ويَقُولُ قَائِلٌ: أنَّى ولَّاهُ"
_________________
(١) مسلم (٣٢٦).
(٢) مسلم (١٨٤٧) عن حذيفة بن اليمان.
(٣) مسلم (١٧٥٩) عن عائشة.
(٤) كذا بالنسخ الخطية، ولعل صوابه: "يَفْعَلُوه"؛ ففي اليونينية ٥/ ١٣٩ أنه وقع لأبي ذر الهروي: "يَفْعَلُوه".
(٥) ما بين القوسين مضبب عليه في (س)، والمثبت من (د، أ، ظ). وانظر "صحيح البخاري" (٤٢٤١) مع اليونينية ٥/ ١٣٩.
(٦) في النسخ الخطية: (يفعلوا بي)، والأليق بسياق الكلام إسقاط كلمة: "بي" كما في "المشارق" ١/ ١٢٩.
(٧) مسلم (٢٣٨٧) عن عائشة.
[ ١ / ٣٢١ ]
بمعنى كيف أو متى وعند السمرقندي والسجزي: "أَنَا ولي".
وفي باب النسك بشاة عن كعب بن عجرة: "أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رآه وأَنَّهُ يَسْقُطُ عَلَى رَأْسِهِ" (١) كذا لهم، ولابن السكن: "رَآهُ ودَوابُّهُ تَسْقُطُ عَلَى رَأْسِهِ" وهو المعروف كما جاء في غير هذا الباب: "وقَمْلُهُ" (٢)، وفي آخر: "وهَوامُّهُ" (٣).
وقوله - ﷺ -: "نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ" (٤) كذا روايتنا فيه عن جميعهم، ومعناه: منعني أو حجبني من رؤيته نور فكيف أراه؟ كما جاء في الحديث الآخر: "رَأَيْتُ نُورًا" (٥)، وفي آخر: "حِجَابُهُ النُّورُ" (٦) فبعضها يفسر بعضًا، ولا يكون النور ها هنا راجعًا إلى الذات ولا إلى صفات الذات، ولا يكون بمعنى هو نور، ولا يفهم منه ما يفهم من الأجسام اللطيفة المنيرة، هذا كله في وصف الباري محال يتنزه عن ذلك، وكذلك لا يجوز أن يعتقد أنه ينفصل منه نور، فكل ذلك من صفات المحدثين، بل هو خالق كل نور، ومنوّر كل ذي نور، كما أن ذاته لا يحجبه شيء، لكنه يحجب أبصار العباد عن رؤيته، كما قال: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] ثم يكشف الحجاب إذا
_________________
(١) البخاري (١٨١٧) وفيه: "عَلَى وَجْهِهِ".
(٢) البخاري (١٨١٨، ٤١٥٩).
(٣) بهذا اللفظ رواه الطبراني ١٩ (٢١٥)، ورواه البخاري (٤١٩١) بلفظ: "فَجَعَلَتِ الهَوَامُّ تَسَّاقَطُ عَلَى وَجْهِي"
(٤) مسلم (١٧٨/ ٢٩١) عن أبي ذر.
(٥) مسلم (١٧٨/ ٢٩٢).
(٦) مسلم (١٧٩).
[ ١ / ٣٢٢ ]
شاء. وزعم أبو عبد الله المازري (١) في إملاءاته (٢) علي مسلم أنه رواه: "نُورَانِيّ" (٣)، وهو تصحيف (٤).
وفي باب غزوة الفتح: "ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَشَرِبَ" (٥) كذا لهم، وعند الجُرْجَانِي: "بِمَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَشَرِبَ" ومعناه أنه دعا بماء من ماء هنالك فشرب، فالماء الأول هو المشروب، والماء الثاني اسم للعين أو الحاضر التي هناك.
_________________
(١) تحرفت في (س، أ) إلى: (المازني)، والمازري هو: محمَّد بن علي بن عمر بن محمَّد التميمي، المالكي، أبو عبد الله - ومازر: بليدة من جزيرة صقلية، بفتح الزاي وقد تكسر - الشيخ الإِمام العلامة البحر المتفنن، صاحب كتاب: "المعلم بفوائد مسلم"، و"إيضاح المحصول" في الأصول، وله تواليف في الأدب، وكان أحد الأذكياء، بصيرًا بعلم الحديث، حدَّث عنه القاضي عياض، وغيره، مات بالمهدية من إفريقية سنة ستٍّ وثلاثين وخمسمائة. انظر "وفيات الأعيان" ٤/ ٢٨٥، "مرآة الجنان" ٣/ ٢٦٧، "سير أعلام النبلاء" ٢٠/ ١٠٤ - ١٠٧.
(٢) في (د، أ، ظ): (إملائه).
(٣) "المعلم بفوائد مسلم" ١/ ٩٩، وقد عقَّب القاضي في "إكمال المعلم" ١/ ٥٣٣ قائلًا: هذه الرواية لم تقع إلينا ولا رأيتها في شيء من الأصول إلا ما حكاه الإِمام أبو عبد الله. اهـ.
(٤) قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ٦/ ٥٠٧: وقد أُعضل أمر هذا الحديث على كثير من الناس؛ حتى صحفه بعضهمٍ فقال: "نُورَانِيٌّ أَرَاهُ" على أنها ياء النسب والكلمة كلمة واحدة، وهذا خطأ لفظًا ومعنى، وإنما أوجب لهم هذا الإشكال والخطأ أنهم لما اعتقدوا أن رسول الله - ﷺ - رأى ربه، وكان قوله: "أَنَّى أَرَاهُ؟ " كالإنكار للرؤية، حاروا في الحديث، ورده بعضهم باضطراب لفظه، وكل هذا عدول عن موجب الدليل. اهـ ولمزيد بيان في الرد على تأويل المصنف لصفة النور انظر "المجموع" ٦/ ٣٧٤ - ٣٩٦.
(٥) البخاري (٤٢٧٩) عن ابن عباس.
[ ١ / ٣٢٣ ]
قوله في باب التَّمَتُّعِ والْقِرَانِ في حديث عُثْمَانَ عَنْ جَرِيرٍ: "يَرْجِعُ النَّاسُ بِحَجَّةٍ وعُمْرَةٍ وأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ" كذا للقابسي وأبي ذرٍّ، وللباقين: "وأَرْجِعُ لِي بِحَجَّةٍ" يعني: وأرجع وإنما لي حجة، والأول الوجه.
وفي باب الرَّمَل: "مَا أَنَا وللرَّمَلِ" كذا للقابسي، ولجميعهم: "مَا لنَا وللرَّمَلِ" (١) وهو الصواب، والأول تغيير، انفصلت الألف من اللام فجاء منها: "أَنَا".
قوله: "فَحَمِيَ مَعْقِلٌ مِنْ ذَلِكَ أَنْفًا" كذا ضبطناه (٢)، أي: اشتدَّ غيظًا وامتلأ غضبًا، كما يقال للمتغيظ: ورم أنفه وتمزع أنفه، ورواه بعضهم: "آنِفًا" بالمد والكسر، وهو وهم؛ وإنما اسم الفاعل منه "أَنِفًا" مقصور، ويمكن أن يكون: "أَنَفًا" بفتح النون، أي: حميَّة وغضبًا، كما قال في آخر الحديث: "فَتَرَكَ الحَمِيَّةَ" (٣).
وفي حديث عبد الرحمن بن الزبير: "فَشَكَتْ إِلَيْهَا وأَنَّ بِهَا خُضْرَةً في جَسَدِهَا" كذا لِلنَّسفي في أصل الأصيلي، وعند المَرْوزِي وأبي ذَرٍّ: "وأَرَتْهَا خُضْرَةً" (٤) وهو الصواب، وللرواية الأولى (٥) وجه.
وفي باب ما يؤكل من البدن: "أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَحِلَّ" (٦) كذا لرواة البخاري، وعند الأصيلي والقابسي: "لَمْ يَحِلَّ" وهو
_________________
(١) البخاري (١٦٠٥) عن عمر.
(٢) قال القاضي في "المشارق" ١/ ١٣١: بسكون النون. البخاري (٥٣٣١) عن معقل بن يسار، وفيه: "أَنَفًا" أي بفتح النون.
(٣) البخاري (٥٣٣١).
(٤) البخاري (٥٨٢٥) عن عائشة، وفيه: "خُضْرَةً بِجِلْدِهَا".
(٥) في (س): (الأخرى).
(٦) البخاري (١٧٠٩)، مسلم (١٢١١) عن عائشة.
[ ١ / ٣٢٤ ]
وهم، وصوابه: "أَنْ يَحِلَّ".
وفي "الموطأ" في باب قضاء التطوع: "أَنَّ عَائِشَةَ وحَفْصَةَ أَصْبَحَتَا صَائِمَتَيْنِ" (١)، عند ابن (٢) المرابط (٣): "عَنْ عائشة وحَفْصَةَ"، جعل: "عَنْ" بدلًا من: "أَنْ" وهو خطأ، والحديث على الوجهين مرسل؛ ابن شهاب لم يسمع من عائشة.
وفي كتاب مسلم في باب ويل للأعقاب من النار عن سالم مولى شداد: "كنْتُ أَنَا مَعَ عَائِشَةَ - ﵂ -" (٤) كذا من طريق الأَسَدِي والصَّدفي، وعند التَّمِيمِي والخُشَنِيّ: "كنْتُ أُبَايعُ من البيع - عائشة"، وهو الصواب، وقد جاء مبينًا في حديث آخر: "كنْتُ أُبَايعُ عائشة وأَدْخُلُ عَلَيْهَا وأَنَا مُكَاتَبٌ".
وفي حديث الخضر ﵇ في مسلم: "فَقال أُبَيٌّ: سَمِعْتُ" (٥) كذا للسجزي، ولكافتهم: "فَقال: إنِّي سَمِعْتُ (٦) " وكلاهما صحيح، لكن في البخاري: "فَقال أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: نَعَمْ" للقابسي، وعند الأصيلي: "فَقَالَ لِي: نَعَمْ" وعثد غيرهما: "فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ" (٧).
_________________
(١) "الموطأ" ١/ ٣٠٦.
(٢) ساقطة من (س، أ).
(٣) هو الإِمام مفتي مدينة المريَّة وقاضيها أبو عبد الله محمَّد بن خلف بن سعيد بن وهب الأندلسي، المريي، ابن المرابط صاحب "شرح صحيح البخاري"، أجاز له أبو عمر الطلمنكي، وأبو عمرو الداني، وارتحل إليه الطلبة وأخذ عنه أبو عبد الله بن عيسى التميمي، وأبو علي بن سكرة وآخرون، توفي سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وقد شاخ، وكان من كبار المالكية. انظر "الصلة" ٢/ ٥٥٧، "سير أعلام النبلاء" ١٩/ ٦٦، "الوافي بالوفيات" ٣/ ٤٦.
(٤) مسلم (٢٤٠) باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما.
(٥) مسلم (٢٣٨٠/ ١٧٤).
(٦) ساقطة من (س، أ).
(٧) البخاري (٧٨).
[ ١ / ٣٢٥ ]