قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك، عَن أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال رسول الله ﷺ: خمس صلوات في اليوم والليلة قال هل عليّ غيرُهن قال لا إلاّ أن تطوع قال وذكر له رسول الله ﷺ صيام شهر رمضان قال هل علي غيره قال لا إلاّ أن تطوع قال وذكر رسول الله ﷺ له الصدقة قال فهل علي غيرها قال لا إلاّ أن تطوع قال فأدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد على هذا ولا أنقص فقال رسول الله ﷺ أفلح إن صدق.
قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني، عَن أبي سهيل نافع بن مالك بن أبي عاص بهذا الحديث بإسناده وقال أفلح
[ ١٢٠ ]
وأبيه إن صدق دخل الجنة وأبيه إن صدق.
قوله عند ذكر الصلاة هل علي غيرهن فقال لا إلاّ أن تطوع دليل على أن الوتر غير مفروض ولا واجب وجوب حتم ولوكان فرضًا لكانت الصلوات المفروضة ستا لا خمسا وفيه بيان أن فرض صلاة الليل منسوخ.
وقوله أفلح وأبيه هذه كلمة جارية على ألسن العرب تستعملها كثيرا في خطابها تريد بها التوكيد. وقد نهى رسول الله ﷺ أن يحلف الرجل بأبيه فيحتمل أن يكون هذا القول منه قبل النهي ويحتمل أن يكون جرى ذلك منه على عادة الكلام الجاري على الألسن وهو لا يقصد به القسم كلغو اليمين المعفوعنه قال الله تعالى ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ [البقرة: ٢٢٥] الآية قالت عائشة هو قول الرجل في كلامه لا والله وبلى والله ونحو ذلك. وفيه وجه آخر وهو أن يكون النبي ﷺ ضمر فيه اسم الله كأنه قال لا ورب أبيه، وإنما نهاهم عن ذلك لأنهم لم يكونوا يضمرون ذلك في أيمانهم وإنما كان مذهبهم في ذلك مذهب التعظيم لآبائهم. ويحتمل أن يكون النهي إنما وقع عنه إذا كان ذلك منه على وجه التوقير له والتعظيم لحقه دون ما كان بخلافه، والعرب قد تطلق هذا اللفظ في كلامها على ضربين أحدهما على وجه التعظيم والاخر على سبيل التوكيد للكلام دون القسم قال ابن ميادة:
أظنت سفاهًا من سفاهة رأيها لأهجوها لما هجتنى محارب
فلا وأبيها إنني بعشيرتي ونفسي عن ذاك المقام لراغب
وليس يجوزأن يقسم بأب من يهجوه على سبيل الإعظام لحقه. وقال
[ ١٢١ ]
آخر لعبيد الله بن عبد الله بن مسعود أحد الفقهاء السبعة:
لعمر أبي الواشين أيام نلتقي لما لا تلاقيها من الدهر أكثر
يعدون يومًا واحدًا إن لقيتها وينسون ما كانت على النادي تهجر
وقال آخر:
لعمر أبي الواشين لا عمر غيرهم لقد كلفتني خطة لا أريدها
وفيه دليل على أن صلاة الجمعة فريضة، وفيه بيان أن صلاة العيد نافلة. وكان أبو سعيد الإصطخري يذهب إلى أن صلاة العيد من فرض الكفاية، وعامة أهل العلم على أنها نافلة.