قال أبو داود: حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي حدثنا عيسى عن ثور عن الحصين الجبراني، عَن أبي سعد، عَن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: من استجمر فليوتر ومن فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج ومن أتى الغائط فليستتر فإن لم يجد إلاّ أن يجمع كثيبًا من رمل فليستدبره فإن الشيطان يلعب بمقاعد ابن آدم.
قوله من استجمر فليوتر الاستجمار الاستنجاء بالأحجار ومنه رمي الجمار في الحج، وهي الحصا التي يرمى بها في أيام منى، وحدثني محمد بن الحسين بن عاصم وإبراهيم بن عبد الله القصار ومحمد بن الحباب قالوا حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة قال سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول سئل ابن عيينة عن معنى قوله ﷺ من استجمر فليوتر فسكت ابن عيينة، فقيل له أترضى بما قال مالك؟ فقال وما قال مالك؟ قيل قال مالك الاستجمار الاستطابة بالأحجار. فقال ابن عيينة إنمّا مثلي ومثل مالك كما قال الأول:
[ ٢٤ ]
وابن اللبون إذا ما لز في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس
وقوله ﷺ: من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج معناه التخيير بين الماء الذي هو الأصل في الطهارة وبين الأحجار التي هي للترخيص والترفيه يريد أن الاستنجاء ليس بعزيمة لا يجوز تركها إلى غيره لكنه إن استنجى بالحجارة فليجعلها وترًا ثلاثًا وإلا فلا حرج إن تركه إلى غيره، وليس معناه رفع الحرج في ترك التعبد أصلا بدليل حديث سلمان الذي رويناه متقدما وهو قوله نهانا أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، وفيه وجه آخر وهو رفع الحرج في الزيادة على الثلاث، وذلك أن ما جاوز الثلاث في الماء عدوان وترك للسنة. والزيادة في الأحجار ليست بعدوان وإن صارت شفعا وقوله ﷺ إن الشيطان يلعب بمقاعد ابن آدم، فمعناه أن الشياطين تحضر تلك الأمكنة وترصدها بالأذى والفساد لأنها مواضع يهجر فيها ذكر الله وتكشف فيها العورات، وهو معنى قوله إن هذه الحشوش محتضرة فأمر ﵇ بالتستر ما أمكن وأن لا يكون قعود الإنسان في براح من الأرض تقع عليه أبصارالناظرين فيتعرض لانتهاك الستر أو تهب عليه الريح فيصيبه نشر البول عليه والخلاء فيلوث بدنه وثيابه وكل ذلك من لعب الشيطان به وقصده إياه بالأذى والفساد.
وفي قوله: من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، دليل على أن أمر النبي ﷺ على الوجوب واللزوم ولولا أن ذلك حكم الظاهر منه ما كان يحتاج فيه إلى بيان سقوط وجوبه وإزالة الإثم والحرج فيه.
[ ٢٥ ]