قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النُفيلي حدثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت بعث رسول الله ﷺ أُسيَد بن حُضير وأبا سامعة في طلب قلادة أضلتها عائشة فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء فأتوا النبي ﷺ فذكروا ذلك له فأنزل الله سبحانه آية التيمم فقال لها أسيد بن حضير يرحمك الله ما نزل بك امرٌ تكرهينه إلاّ جعل الله للمسلمين ولكِ فرجا.
قوله فصلوا بغير وضوء حجة لقول الشافعي فيمن لا يجد ماء ولا ترابا أنه لا يترك الصلاة إذا حضر وقتها على حال وذلك أن القوم الذين بعثهم رسول الله ﷺ في طلب العقد كانوا على غير ماء ولم يكن رخص لهم بعد في التيمم بالتراب وإنما نزلت آية التيمم بعدُ فكانوا في معنى من لا يجد اليوم ماءً ولا ترابا ولوكانوا ممنوعين من الصلاة وتلك حالهم لأنكره النبي ﷺ حين أعلموه ذلك ولنهاهم عنه فيما يستقبلونه إذ لا يجوز سكوته على باطل يراه ولا تأخيره البيان
[ ٩٧ ]
في واجب عن وقته، إلاّ أن الشافعي يرى إعادة هذه الصلاة إذا زالت الضرورة وكان الإمكان.
وقد احتج بعض من ذهب إلى أنه لا يصلي إذا لم يجد ماء ولا ترابا بقول النبي ﷺ لا يقبل الله صلاة بغير طهور. قال وهذا لا يجد طهورًا فلا صلاة عليه.
قال وهذا لا يسقط عنه الصلاة ألا تراه يقول: لا يقبل الله صلاة حائض إلاّ بخمار وهي إذا لم تجد ثوبا صلت عريانة فكذلك هذا إذا لم يجد طهورا صلى على حسب الإمكان.
وقد يؤمر الطفل بالطهارة والصلاة ويحج به ولا يصح في الحقيقة شيء منها وتؤمر المستحاضة بالصلاة وطهرها غير صحيح.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حدثه عن عمار بن ياسر أنه كان يحدث أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر فضربوا بأكفهم الصعيد ثم مسحوا بوجوههم مسحة واحدة ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى وابن أبي خلف قالا: حَدَّثنا يعقوب حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب عن عبيد الله عن ابن عباس عن عمار وذكر الحديث.
[ ٩٨ ]
قلت: لم يختلف أحد من أهل العلم أنه لا يلزم المتيمم أن يمسح بالتراب ما وراء المرفقين وإنما جرى القوم في استيعاب اليد بالتيمم على ظاهر الاسم وعموم اللفظ لأن ما بين مناط المنكب إلى أطراف الأصابع كله اسم لليد.
وقد يقسم بدن الإنسان على سبعة آراب اليدان والرجلان ورأسه وظهره وبطنه ثم قد يفصل كل عضو منها فيقع تحته اسما خاصة كالعضد في اليد والذراع والكف واسم اليد يشتمل على هذه الأجزاء كلها.
وإنما يترك العموم في الأسماء ويصار إلى الخصوص بدليل يفهم أن المراد من الاسم بعضه لا كله، ومهما عدم دليل الخصوص كان الواجب إجراء الاسم على عمومه واستيفاء مقتضاه برمته.
وفي هذا الحديث حجة لمن ذهب إلى إدخال الذراع في المرفقين في التيمم وهو قول ابن عمر وابنه سالم والحسن والشعبي. وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري وهو قول مالك والشافعي.
ووجه الاحتجاج له من صنيع عمار وأصحابه أنهم رأوا إجراء الاسم على العموم فبلغوا بالتيمم إلى الآباط وقام دليل الإجماع في إسقاط ما وراء المرفقين فسقط وبقي ما دونهما على الأصل لاقتضاء الاسم إياه.
ويؤيد هذا المذهب أن التيمم بدل من الطهارة بالماء والبدل يسد مسد الأصل ويحل محله وإدخال المرفقين في الطهارة بالماء واجب فليكن التيمم بالتراب كذلك.
وقد يقول من يخالف في هذا لوكان حكم التيمم حكم الطهارة بالماء لكان التيمم على أربعة أعضاء، فيقال له إن العضوين المحذوفين لا عبرة بهما لأنهما
[ ٩٩ ]
إذا سقطا سقطت المقايسة عليهما. فأما العضوان الباقيان فالواجب أن يراعى فيهما حكم الأصول ويستشهد لهما بالقياس ويستوفى شرطه في أمرهما كركعتي السفر قد اعتبر فيهما حكم الأصل وإن كان الشطر الآخر ساقطا. وذهب هؤلاء إلى حديث ابن عمر.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن إبراهيم أبو علي الموصلي حدثنا محمد بن ثابت العبدي حدثنا نافع قال انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس فقضى ابن عمر حاجته. وكان من حديثه يومئذ أن قال مر رجل على رسول الله ﷺ في سكة من السكك وقد خرج من غائط أو بول فسلم عليه فلم يرد عليه حتى إذا كاد الرجل يتوارى في السكة ضرب بيده على الحائط ومسح بها وجهه ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه ثم رد على الرجل.
ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين وهو قول عطاء بن أبي رباح ومكحول، وبه قال الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وعامة أصحاب الحديث.
وذكر أبو داود في هذا الباب حديث ابن أبزى من طريق أبي قتادة وهو أصح الأحاديث وأوضحها.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن المنهال حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمار بن ياسر قال سألت رسول الله ﷺ عن التيمم فأمرني ضربة واحدة للوجه والكفين.
وروي من طريق الأعمش عن سلمة بن كهيل عن ابن أبزى عن عمار. وذكر الحديث فقال يا عمار إنما كان يكفيك هكذا ثم ضرب بيده إلى الأرض
[ ١٠٠ ]
أحدهما على الأخرى ثم مسح وجهه والذراعين إلى نصف الساعد ولم يبلغ المرفقين ضربة واحدة.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حفص عن الأعمش قالوا فالمعول في هذا إنما هو على تعليم النبي ﷺ إياهم لا على فعلهم الأول واجتهادهم من حيث سبق إلى أوهامهم في وجوب استيعاب اليد كلها.
قالوا وحديث ابن عمر لا يصح لأن محمد بن ثابت العبدي ضعيف جدا لا يحتج بحديثه.
قلت وهذا المذهب أصح في الرواية والمذهب الأول أشبه بالأصول وأصح في القياس. واختلفوا في نفض الكفين أو النفخ فيهما، فقال مالك ينفضهما نفضا خفيفا. وقال أصحاب الرأي ينفضهما، وقال الشافعي إذا علقت الكفان غبارًا كثيرا نفض. وقال أحمد بن حنبل لا يضرك نفضت أولم تنفض.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق، قال كنت جالسًا بين عبد الله وأبي موسى فقال أبو موسى يا أبا عبد الرحمن أرأيت لو أن رجلًا أجنب فلم يجد الماء شهرًا، قال أبو موسى كيف تصنعون بهذه الآية ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدًا طيبًا
﴾ [النساء: ٤٣] فقال عبد الله لو أرخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد.
فقال له أبو موسى ألم تسمع قول عمار لعمر بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال إنما كان يكفيك أن تضع هكذا فضرب بيده على الأرض فنفضها ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين ثم مسح
[ ١٠١ ]
وجهه. وقال عبد الله أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمار.
قلت في دلالة هذا الحديث أن مذهب عمر في تأويل آية الملامسة أن المراد بها غير الجماع وإن اللمس باليد ونحوه ينقض الطهارة.
وكذلك مذهب ابن مسعود ولولا أنه كذلك عندهما لم يكن لهما عذر في ترك التيمم مع ورود النص فيه.