قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن مسعود عن جامع بن شداد عن المغيرة بن عبد الله عن المغيرة بن شعبة قال ضفت النبي ﷺ ذات ليلة فأمر بجنب فشوي وأخذ الشفرة فجعل يحز لي بها منه قال فجاء بلال فأذنه بالصلاة فألقى الشفرة وقال ما له تربت يداه وقام يصلي.
قول تربت يداه كلمة يقولها العرب عند اللوم والتأنيب، ومعناه الدعاء عليه بالفقر والعدم وهم يطلقونها في كلامهم، وهم لا يريدون وقوع الأمر كما قالوا عقرى حلقى، وكقولهم هبلته أمه، فإن هذا الباب لما كثر في كلامهم ودام استعمالهم له في خطابهم صار عندهم بمعنى اللغو، كقولهم لا والله وبلى والله وذلك من لغو اليمين الذي لا اعتبار به ولا كفارة فيه، ويقال ترب الرجل إذا افتقر وأترب بالألف إذا استغنى، ومثل هذا قوله ﷺ: فعليك بذات الدين تربت يداك.
قلت وليس هذا الصنيع من رسول الله بمخالف لقول إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء وإنما هو للصائم الذي قد أصابه الجوع وتاقت
[ ٦٨ ]
نفسه إلى الطعام فأمر بأن يصيب من الطعام قدر ما يسكن به شهوته لتطمئن نفسه في الصلاة فلا تنازعه شهوة الطعام وهذا فيمن حضره الطعام أوان العادة غداء وعشاء وهو متماسك في نفسه لا يزعجه الجوع ولا يعجله عن إقامة الصلاة وإيفاء حقها.
وفي الخبر دليل على أن الأمر بالوضوء مما غيرت النار استحباب لا أمر إيجاب. وفيه جواز قطع اللحم بالسكين وقد جاء النهي عنه في بعض الحديث ورويت الكراهة فيه وأمر بالنهي ويشبه أن يكون المعنى في ذلك كراهية زي العجم واستعمال عادتهم في الأكل بالأخلة والبارجين على مذهب النخوة والترفع عن مس الأصابع الشفتين والفم وليس يضيق قطعه بالسكين واصلاحه به والجز منه إذا كان اللحم طابقًا أو عضوًا كبيرًا كالجنب ونحوه فإذا كان عُراقًا ونحوه فنهشه مستحب على مذهب التواضع وطرح الكبر وقطعه بالسكين مباح عند الحاجة إليه غير ضيق.
قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح حدثنا عبد الملك بن أبي كريمة من خيار المسلمين حدثنا عبيدبن ثمامة المرادي. قال قدم علينا مصر عبد الله بن الحارث بن جزء الزُبيدي من أصحاب رسول الله ﷺ قال مر رسول الله ﷺ برجل وبرمته على النار فقال له: أطابت برمتك قال نعم بأبي أنت وأمي فتناول منها بضعة فلم يزل يعلكها حتى أحرم بالصلاة.
قوله يعلكها أي يلوكها في فمه والعلك مضغ ما لا يطاوع الأسنان.