قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد في آخرين قالوا حدثنا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن كثير عن عاصم بن لقيط بن صَبرة عن أبيه لقيط بن صبرة. قال كنت وافد بني المُنتفق أو في وفد بني المنتفق إلى رسول الله ﷺ فلما قدمنا على رسول الله ﷺ لم نصادفه في منزله وصادفنا عائشة أم المؤمنين قال فأمرت لنا بخزيرة فصنعت لنا. قال واوتينا بقناع قال والقناع طبق فيه تمر. ثم جاء رسول الله ﷺ قال: هل أصبتم شيئا أو أمر لكم بشيء قال قلنا نعم يا رسول الله قال فبينما نحن مع رسول الله ﷺ جلوس إذ دفع الراعي غنمه إلى المراح ومعه سخلة تيعر. قال ما ولدت يا غلام قال بهمة. قال فاذبح لنا مكانها شاة ثم قال: لا تحسِبن، ولم يقل لا تحسَبن أنا من أجلك ذبحناها، لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد، فإذا ولد الراعي بهمة ذبحنا مكانها شاة. قال: قلت: يا رسول الله إن لي امرأة وإن في لسانها شيئا،، يَعني البذا، قال: فطلقها إذًا، قال: قلت: يا رسول الله! إن لها صحبة، ولي منها ولد. قال: فمرها، يقول عظها، فإن يك فيها خير فستفعل، ولا تضرب ظَعِينتك كضربك أُميتك. قلت: يا رسول الله! أخبرني عن الوضوء، قال: أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إلاّ أن تكون صائما.
قوله: أمرت لنا بخزيرة، فإن الخزيرة من الأطعمة ما اتخذ بدقيق ولحم، والخزيرة حساء من دقيق ودسم، والقناع الطبق، وسمي قناعا لأن أطرافه أقنعت إلى داخل، أي عطفت.
وقوله تيعر من اليُعار وهو صوت الشاة، وقوله ما ولَّدت هومشددة اللام
[ ٥٣ ]
على معنى خطاب الشاهد. وأصحاب الحديث يروونه على معنى الخبر يقولون ما ولدت خفيفة اللام ساكنة التاء أي ما ولدت الشاة، وهو غلط يقال ولَّدت الشاة إذا أحضرت ولادها فعالجتها حتى يبين منها الولد وأنشدني أبو عمر في ذكر قوم:
إذا ما ولَّدوا يومًا تنادوا أجديٌ تحت شاتك أم غلام
والبهمة ولد الشاة أول ما يولد يقال للذكر والأنثى بهمة. وقوله لا تحسبن أنا من أجلك ذبحناها معناه ترك الاعتداد به على الضيف والتبرؤ من الرياء.
وقوله ولا تحسبن مكسورة السين إنما هو لغة عُليا مضر وتحسبن بفتحها لغة سفلاها وهو القياس عند النحويين لأن المستقبل من فعل مكسورة العين يفعل مفتوحتها كقولهم علم يعلم وعجل يعجل إلاّ أن حروفا شاذة قد جاءت نحو نعِم ينعِم ويئس ييئس وحسب يحسب، وهذا في الصحيح، فأما المعتل فقد جاء فيه ورِم يرِم ووثق يثق وورع يرِع وورِي يرِي.
وقوله لا تضرب ظعينتك كضربك أميتك فإن الظعينة هي المرأة وسميت ظعينة لأنها تظعن مع الزوج وتنتقل بانتقاله. وليس في هذا ما يمنع من ضربهن أويحرمه على الأزواج عند الحاجة إليه فقد أباح الله تعالى ذلك في قوله ﴿فعظوهن واهجروهن في المضاجع﴾ [النساء: ٣٤] وإنما فيه النهي عن تبريح الضرب كما يضرب المماليك في عادات من يستجيز ضربهم، ويستعمل سوء الملكة فيهم. وتمثله بضرب المماليك لا يوجب إباحة ضربهم، وإنما جرى ذكره في هذا على طريق الذم لأفعالهم ونهاه عن الاقتداء بها.
وقد نهى ﷺ عن ضرب المماليك إلاّ في الحدود وأمرنا بالإحسان إليهم وقال: من لم يوافقكم منهم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله.
فأما ضرب الدواب فمباح لأنها لا تتأدب بالكلام ولا تعقل معاني الخطاب
[ ٥٤ ]
كما يفعل الإنسان، وإنما يكون تقويمها غالبا بالضرب، وقد ضرب رسول الله ﷺ وحرك بعيره بمحجنه ونخس جمل جابر ﵁ حين أبطأ عليه فسبق الركب حتى مايملك رأسه.
وفي الحديث من الفقه أن الاستنشاق في الوضوء غير واجب ولو كان فرضًا فيه لكان على الصائم كهو على المفطر، ونرى أن معظم ما جاء من الحث والتحريض على الاستنشاق في الوضوء إنما جاء لما فيه من المعونه على القراءة وتنقية مجرى النفس النذي يكون به التلاوة. وبإزالة ما فيه من الثفل تصح مخارج الحروف.
وقال ابن أبي ليلى وإسحاق بن راهويه إذا ترك الاستنشاق في الوضوء أعاد الصلاة وكذلك إذا ترك المضمضة.
وفي الحديث دليل على أن ما وصل إلى الدماغ من سعوط ونحوه فإنه يفطر الصائم كما يفطره ما يصل إلى معدته إذا كان ذلك من فعله أو بإذنه.
وفي الحديث دليل على أنه بالغ في الاستنشاق ذاكرا لصومه فوصل الماء إلى دماغه فقد أفسد صومه.
وقوله أخبرني عن الوضوء فان ظاهر هذا السؤال يقتضي الجواب عن جملة الوضوء إلاّ أنه ﷺ لما اقتصر في الجواب على تخليل الأصابع والاستنشاق علم أن السائل لم يسأله عن حكم ظاهر الوضوء وإنما سأله عما يخفى من حكم باطنه وذلك لأن آخذ الماء قد يأخذه بجمع الكف وضم الأصابع بعضها إلى بعض فيسد خصاص ما بينها فربما لم يصل الماء إلى باطن الأصابع وكذلك هذا في باطن أصابع الرجل لأنها ربما ركب بعضها بعضا حتى تكاد تلتحم فقدم له الوصاة بتخليلها ووكد القول فيها لئلا يغفلها والله أعلم.
[ ٥٥ ]