ومن قال تدع الصلاة عدد الأيام التي كانت تحيض
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن سليمان بن يسارعن أم سلمة أن امرأة كانت تُهَراقُ الدماء على عهد رسول الله ﷺ فاستفتت لها أم سلمة رسول الله ﷺ قال: لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن في الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة
[ ٨٤ ]
قدر ذلك من الشهر فإذا خلَّفت ذلك فلتغتسل ثم لتستثفربثوب ثم لتصلّ.
قلت هذا حكم المرأة يكون لها من الشهر أيام معلومة تحيضها في أيام الصحة قبل حدوث العلة، ثم تستحاض فتهريق الدماء ويستمر بها السيلان. أمرها رسول الله ﷺ أن تدع الصلاة من الشهر قدر الأيام التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها ما أصابها، فإذا استوفت عدد تلك اليام اغتسلت مرة واحدة وصار حكمها حكم الطواهر في وجوب الصلاة والصوم عليها وجواز الطواف إذا حجت وغشيان الزوج إياها، إلاّ أنها إذا أرادت أن تصلي توضأت لكل صلاة تصليها لأن طهارتها طهارة ضرورية فلا يجوز أن تصلي بها صلاتي فرض كالمتيمم ولولا أنها قد كانت تحفظ عدد أيامها التي كانت تحيضها أيام الصحة لم يكن لقوله ﷺ: لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها معنى. إذ لا يجوز أن يردها إلى رأيها ونظرها في أمر هي غير عارفة بكنهه والاستثفار أن تشد ثوبا تحتجز به يمسك موضع الدم ليمنع السيلان وهومأخوذ من الثفر.
وفيه من الفقه أن المستحاضة يجب عليها أن تستثفر وأن تعالج نفسها بما يسد المسلك ويرد الدم من قطن ونحوه كما قال في حديث حمنة أنعت لك الكرسف وقال لها تلجمي واستثفري.
وفيه دليل على أنها إذا لم تفعل ذلك كان عليها إعادة الوضوء إذا خرج منها دم. وإنما جاء قوله ﷺ تصلي المستحاضة وإن قطر الدم على الحصير فيمن قد تعالجت بالاستثفار ونحوه فإذا جاء بعد ذلك شيء غالب لا يرده الثفر حتى تقطر لم يكن عليها إعادة الوضوء. فأما إذا لم تكن قدمت العلاج فهي غير معذورة
[ ٨٥ ]
وإنما أتيت من قبل نفسها فلزمها الوضوء.
وهكذا حكم من به سلس البول يجب عليه أن يسد المجرى بقطن ونحوه، ثم يشده بالعصائب فإن لم يفعل فقطر أعاد الوضوء.
وفي هذا الباب حروف منها أن عائشة قالت رأيت مِركنها مَلآن دما والمرْكنُ شبه الجفنة الكبيرة ومنها قوله إذا أتاك قرؤك فلا تصلي وإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء يريد بالقرء هنا الحيض يقال قرء وقرء ويجمع على القروء وحقيقة القرء الوقت الذي يعود فيه الحيض أو الطهر ولذلك قيل للطهر قرء كما قيل للحيض قرء، وذهب إلى أن الأقراء في العدة الحيض عمر بن الخطاب ﵁ وإلى أنها الأطهار عائشة. وروي ذلك أيضًا عن زيد بن ثابت ومنها قوله ﷺ: إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، يريد أن ذلك علة حدثت بها من تصدع العروق فاتصل الدم وليس بدم الحيض الذي يقذفه الرحم لميقات معلوم فيجري مجرى سائر الأثفال والفضول التي تستغني عنها الطبيعة فتقذفها عن البدن فتجد النفس راحة لمفارقتها وتخلصها عن ثفلها وأذاها.