قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني عبد الرحمن بن فلان بن أبي ربيعة عن حكيم بن حكيم عن نافع بن جبير بن مطعم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: أتاني جبريل ﵇ عند البيت مرتين فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك وصلى بي العصر حين كان ظله مثله وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم وصلى بي العشاء حين غاب الشفق وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم فلما كان الغد صلى بي الظهر حين كان ظله مثله وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل وصلى بي الفجر فأسفر ثم التفت إلي فقال يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك والوقت ما بين هذين الوقتين.
قلت قوله وكانت قدر الشراك ليس قدر الشراك هذا على معنى التحديد
[ ١٢٢ ]
ولكن الزوال لا يستبان إلاّ بأقل ما يرى من الفيء، وأقله فيما يقدر هو ما بلغ قدر الشراك أو نحوه وليس هذا المقدار مما يتبين به الزوال في جميع البلدان إنما يتبين ذلك في مثل مكة من البلدان التي ينتقل فيها الظل فإذا كان أطول يوم في السنة واستوت الشمس فوق الكعبة لم ير لشيء من جوانبها ظل. وكل بلد يكون أقرب إلى وسط الأرض كان الظل فيه أقصر؛ وماكان من البلدان أبعد من واسطة الأرض وأقرب إلى طرفيها كان الظل فيه أطول.
وقد اعتمد الشافعي هذا الحديث وعول عليه في بيان مواقيت الصلاة إذ كان قد وقع به القصد إلى بيان أمر الصلاة في أول زمان الشرع.
وقد اختلف أهل العلم في القول بظاهره فقالت طائفة وعدل آخرون عن القول ببعض ما فيه إلى أحاديث أخر وإلى سنن سنها رسول الله ﷺ في بعض المواقيت لمّا هاجر إلى المدينة، قالوا وإنما يؤخذ بالآخر من أمر رسول الله ﷺ وسنذكر موضع الاختلاف منهم في ذلك. فمن قال بظاهر حديث ابن عباس وتوقيت أول صلاة الظهر وآخرها به مالك وسفيان الثوري والشافعي وأحمد وبه قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة آخر وقت الظهر إذا صار الظل قامتين. وقال ابن المبارك وإسحاق بن راهويه آخر وقت الظهر أول وقت العصر.
واحتج بعض من قاله بأن في بعض الروايات أنه صلى الظهر من اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر من اليوم الأول، وقد نسب هذا القول محمد بن جرير الطبري إلى مالك بن أنس وقال لو أن مصليين صليا أحدهما الظهر والآخر العصر في وقت واحد صحت صلاة كل واحد منهما.
قلت ومعنى هذا الكلام معقول أنه إنما أراد فراغه من صلاة الظهر اليوم الثاني
[ ١٢٣ ]
في الوقت الذي ابتدأ فيه صلاة العصر من اليوم الأول وذلك أن هذا الحديث إنما سيق لبيان الأوقات وتحديد أوائلها وأواخرها دون بيان عدد الركعات وصفاتها وسائر أحكامها ألا ترى أنه يقول في آخره (الوقت فيما بين هذين الوقتين) فلو كان الأمر على قدره هو لألجأ من ذلك الاشكال في أمرالأوقات واحتيج من أجل ذلك إلى أن يعلم مقدار صلاة النبي ﷺ لتعلق الوقت بها فيزداد بقدرها في الوقت ويحتسب كميتها فيه. والصلاة لا تقدر بشيء معلوم لا يزيد عليه ولا ينقص منه لأنها قد تطول في العادة وتقصر. وفي هذا بيان فساد ما ذهبوا إليه ومما يدل على صحة ما قلناه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال ووقت الظهر ما لم يحضر العصر، وهو حديث حسن ذكره أبو داود في هذا الباب.
واختلفوا في أول وقت العصر فقال بظاهر حديث ابن عباس مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال أبو حنيفة أول وقت العصر أن يصير الظل قامتين بعد الزوال فمن صلى قبل ذلك لا تجزئه صلاته وخالفه صاحباه.
واختلفوا في آخر وقت العصر، فقال الشافعي آخر وقتها إذا صار ظل كل شيء مثليه لمن ليس له عذر ولا به ضرورة على ظاهر هذا الحديث فأما أصحاب العذر والضرورات فآخر وقتها لهم غروب الشمس قبل أن يصلي منها ركعة على حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها.
وقال سفيان الثوري وأبو يوسف ومحمد وأحمد بن حنبل أول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله ما لم تصفر الشمس. وقال بعضهم ما لم تتغير الشمس.
[ ١٢٤ ]
وعن الأوزاعي نحو من ذلك ويشبه أن يكون هؤلاء ذهبوا إلى حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال وقت العصر ما لم تصفر الشمس.
وأما المغرب فقد أجمع أهل العلم على أن أول وقتها غروب الشمس.
واختلفوا في آخر وقتها فقال مالك والأوزاعي والشافعي لا وقت للمغرب إلاّ وقت واحد قولًا بظاهر الحديث حديث ابن عباس وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق وقت المغرب إلى أن يغيب الشفق.
قلت وهذا أصح القولين للأخبار الثابتة وهي خبر أبي موسى الأشعري وبريدة الأسلمي وعبد الله بن عمرو. ولم يختلفوا في أن أول وقت العشاء الآخرة غيبوبة الشفق إلاّ أنهم اختلفوا في الشفق ما هو فقالت طائفة هو الحمرة، روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وهو قول مكحول وطاوس وبه قال مالك وسفيان الثوري وابن أبي ليلى وأبي يوسف ومحمد والشافعي وأحمد وإسحاق.
وروي، عَن أبي هريرة أنه قال: الشفق البياض. وعن عمر بن عبد العزيز مثله.
وإليه ذهب أبو حنيفة وهو قول الأوزاعي. وقد حكي عن الفراء أنه قال: الشفق الحمرة وأخبرني أبو عمر، عَن أبي العباس أحمد بن يحيى قال: الشفق البياض وأنشد لأبي النجم:
حتى إذا الليل جلاه المجتلي بين سماطي شفق مُهَوَّل
يريد الصبح وقال بعضهم الشفق اسم للحمرة والبياض معًا إلاّ أنه إنما يطلق في أحمر ليس بقاني وأبيض ليس بناصع، وإنما يعلم المراد منه بالأدلة لا بنفس اللفظ كالقُرء الذي يقع اسمه على الطهر والحيض معًا وكسائر نظائره من الأسماء المشتركة.
[ ١٢٥ ]
واختلفوا في آخر وقت العشاء الآخرة فروي عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة أن أخر وقتها ثلث الليل، وكذلك قال عمر بن عبد العزيز وبه قال الشافعي قولا بظاهر حديث ابن عباس. وقال الثوري وأصحاب الرأي وابن المبارك وإسحاق بن راهويه آخر وقت العشاء إلى نصف الليل، وحجة هؤلاء حديث عبد الله بن عمرو قال ووقت العشاء إلى نصف الليل، وكان الشافعي يقول به إذ هو بالعراق وقد روي عن ابن عباس أنه قال لا يفوت وقت العشاء إلى الفجر وإليه ذهب عطاء وطاوس وعكرمة.
واختلفوا في آخر وقت الفجر فذهب الشافعي إلى ظاهر حديث ابن عباس وهو الإسفار، وذلك لأصحاب الرفاهية ومن لا عذر له وقال من صلى ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس لم تفته الصبح، وهذا في أصحاب العذر والضرورات وقال مالك وأحمد من صلى ركعة من الصبح وطلعت له الشمس أضاف إليها أخرى وقد أدرك الصبح فجعلوه مدركا للصلاة على ظاهر حديث أبي هريرة. وقال أصحاب الرأي من طلعت عليه الشمس وقد صلى ركعة من الفجر فسدت صلاته إلاّ أنهم قالوا فيمن صلى من العصر ركعة أو ركعتين فغربت الشمس قبل أن يتمها إن صلاته تامة.
قال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن قتادة سمع أبا أيوب عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال وقت الظهر ما لم يحضر العصر ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ووقت المغرب ما لم يسقط فور الشفق ووقت العشاء إلى نصف الليل ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس.
قوله فور الشفق بقية حمرة الشمس في الأفق. وسمي فورا لفورانه وسطوعه
[ ١٢٦ ]
وروي أيضًا ثور الشفق وهو ثوران حمرته.