قال أبو داود: حدثنا محمد بن الصباح أنا سفيان بن عيينة عن سفيان الثوري، عَن أبي فزارة عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: ما أمرت بتشييد المساجد. قال ابن عباس لتُزَخرفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى.
التشييد رفع البناء وتطويله وقوله لتُزَخرفُنَّها معناه لتزيننها، وأصل الزخرف الذهب يريد تمويه المساجد بالذهب ونحوه، ومنه قولهم زخرف الرجل كلامه إذا موهه وزينه بالباطل، والمعنى أن اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرفوا وبدلوا وتركوا العمل بما في كتبهم يقول فأنتم تصيرون إلى مثل حالهم
[ ١٤٠ ]
إذا طلبتم الدنيا بالدين وتركتم الإخلاص في العمل وصار أمركم إلى المراياة بالمساجد والمباهاة بتشييدها وتزيينها.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس ومجاهد بن موسى وهو أتم قالا: حَدَّثنا يعقوب بن إبراهيم حدثني أبي عن صالح حدثنا نافع عن ابن عمر أن المسجد كان مبنيا على عهد رسول الله ﷺ باللبن وسقفه بالجريد وعمده خُشُب النخل وغيَّره عثمان وزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقَصَّة.
العمد السواري يقال عمود وعمد بفتح العين والمين وضمها والقصة شيء شبه الجص وليس به.
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث، عَن أبي التيَّاح عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ أمر ببناء المسجد فأرسل إلى بني النجار فقال: ثامنوني بحائطكم فقالوا. والله لا نطلب ثمنه إلاّ إلى الله. قال أنس وكان فيه قبور المشركين فأمر بها رسول الله ﷺ فنُبشت وذكر الحديث.
قلت: فيه من الفقه أن المقابر إذا نبشت ونقل ترابها ولم يبق هناك نجاسة تخالط أرضها فإن الصلاة فيها جائزة وإنما نهى ﷺ عن الصلاة في المقبرة إذا كان قد خالط ترابها صديد الموتى ودماؤهم فإذا نقلت عنها زال ذلك الاسم وعاد حكم الأرض إلى الطهارة.
وفيه من العلم أنه أباح نبش قبور الكفار عند الحاجة إليه وقد روي عنه ﷺ أنه أمر أصحابه بنبش قبر أبي رغال في طريقه إلى الطائف وذكر لهم أنه دفن معه غصن من ذهب فابتدروه فأخرجوه. وفي أمره بنبش قبور المشركين بعدما جعل أربابها تلك البقعة لرسول الله ﷺ دليل على أن الأرض التى يدفن فيها
[ ١٤١ ]
الميت باقية على ملك أوليائه. وكذلك ثيابه التي يكفن فيها وأن النباش سارق من حرز في ملك مالك ولوكان موضع القبر وكفن الميت مبقَّى على ملك الميت حتى ينقطع ملك الحي عنه من جميع الوجوه لم يكن يجوز نبشها واستباحتها بغير إذن مالكها.
وفيه دليل أن من لا حرمة لدمه في حياته فلا حرمة لعظامه بعد مماته، وقد قال ﷺ: كسر عظم المسلم ميتًا ككسره حيًا فكان دلالته أن عظام الكفار بخلافه.