قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سليمان، قال: قيل: «لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، قال أجل لقد نهانا أن نستقبل القِبلَة بغائط أو بول وأن نستنجي باليمين وأن يستنجي أحدنا بأقلَّ من ثلاثة أحجار أو يستنجي برجيعٍ أو عظمٍ» .
الخِراءة مكسورة الخاء ممدودة الألف أدب التخلي والقعود عند الحاجة، وأكثر الرواة يفتحون الخاء ولا يمدون الألف فيفحش معناه. ونهيه عن الاستنجاء باليمين في قول أكثر العلماء نهي تأديب وتنزيه وذلك أن اليمين مرصدة في أدب السنة للأكل والشرب والأخذ والإعطاء ومصونة عن مباشرة السفل والمغابن وعن مماسة الأعضاء التي هي مجاري الأثفال والنجاسات. وامتهنت اليسرى في خدمة أسافل البدن لإماطة ما هنالك من القذارات وتنظيف ما يحدث فيها من الدنس والشعث.
وقال بعض أهل الظاهر إذا استنجى بيمينه لم يجزه كما لا يجزيه إذا استنجى برجيع أو عظم واحتج بأن النهي قد اشتمل على الأمرين معًا في حديث واحد فإذا كان أحد فصليه على التحريم كان الفصل الآخر كذلك.
[ ١١ ]
قلت والفرق بين الأمرين أن الرجيع نجس وإذا لاقى نجاسة لم يزلها بل يزيدها نجاسة وليس كالحجر الطاهر الذي يتناول الأذى فيزيله عن موضعه ويقطعه عن أصله، وأما اليمين فليست هي المباشرة لموضع الحدث وإنما هي آلة يتناول بها الحجر الملاقي للنجاسة، والشمال في هذا المعنى كاليمين إذ كل واحدة منهما تعمل مثل عمل الأخرى في الإمساك بالحجر واستعماله فيما هنالك، والرجيع النجس لا يعمل عمل الحجر الطاهر ولا ينظف تنظيفه، فصار نهيه عن الاستنجاء باليمين نهي تأديب وعن الرجيع نهي تحريم، والمعاني هي المصرفة للأسماء والمرتبة لها.
وحاصل المعنى أن المزيل للنجاسة الرجيع لا اليد، وفي قوله وأن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار بيان أن الاستنجاء بالأحجار أحد الطهرين وأنه إذا لم يستعمل الماء لم يكن بد من الحجارة أو ما يقوم مقامها وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل، وفي قوله أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار البيان الواضح أن الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار لا يجوز وإن وقع الإنقاء بما دونها. ولو كان القصد به الإنقاء حسب لم يكن لاشتراط عدد الثلاث معنى ولا في ترك الاقتصار على ما دونها فائدة إذ كان معلومًا أن الإنقاء قد يقع بالمسحة الواحدة وبالمسحتين فلمّا اشترط العدد لفظًا وكان الإنقاء من معقول الخبر ضمنًا دل على أنه إيجاب للأمرين معًا، وليس هذا كالماء إذا أنقى كفى لأن الماء يزيل العين والأثر فحل محل الحس والعيان ولم يحتج فيه إلى استظهار بالعدد، والحجر لا يزيل الأثر وإنمّا يفيد الطهارة من طريق الاجتهاد،
[ ١٢ ]
فصار العدد من شرطه استظهارًا كالعدة بالأقراء لما كانت دلالتها من جهة الظهور والغلبة على سبيل الاجتهاد شرط فيها العدد وإن كانت براءة الرحم قد تكون بالقرء الواحد. ألا ترى أن الأمة تستبرأ بحيضة واحدة فتكفي. فأمّا وضع الحمل الذي دلالته من باب اليقين والإحاطة فإنه لم يحتج فيه إلى شيء من العدد، فكذلك الماء والحجارة في معانيها.
وعند أصحاب الرأي أن الإنقاء إذا وقع بالحجر الواحد كفى غير أن مرجع جملة قولهم في ذلك إلى أنه استحباب لا إيجاب، وعلى هذا تأولوا الحديث، وذلك أنهم يقولون إن كانت النجاسة هناك أكثر من قدر الدرهم فإنه لا يطهره إلاّ الماء وإن كان بقدر الدرهم فلم يزله بالحجارة أو بما يقوم مقامها وصلى أجزأه. فجاء من هذا أنه إذا أمر بالاستنجاء فإن ذلك منه على سبيل الاستحباب دون الإيجاب.
قلت ولا ينكر على مذهبهم أن يكون المراد بالاستنجاء الإنقاء ويدخله مع ذلك التعبد بزيادة العدد، وقد قالوا في غسل النجاسات بإيجاب الثلاث، فإن لم تزل فإن الزيادة عليها واجبة حتى يقع الإنقاء، وقد أجاز الشافعي ثلاث امتساحات بحروف الحجر الواحد وأقامها مقام ثلاثة أحجار. ومذهبه في تأويل الخبر أن معنى الحجر أوفى من اسمه وكل كلام كان معناه أوسع من اسمه فالحكم للمعنى وكأنه قال: الحجر وحروفه وجوانبه والاستنجاء غير واقع بكل الحجر لكن ببعضه، فأبعاض الحجر الواحد كأبعاض الأحجار.
وأما نهيه عن الاستنجاء بالعظم فقد دخل فيه كل عظم من ميتة أو ذكيّ لأن الكلام على إطلاقه وعمومه، وقد قيل إن المعنى في ذلك أن العظم زلج لا يكاد يتماسك فيقلع النجاسة وينشف البلة، وقيل إن العظم لا يكاد يعرى
[ ١٣ ]
من بقية دسم قد علق به. ونوع العظام قد يتأتى فيه الأكل لبني آدم لأن الرخو الرقيق منه قد يتمشمش في حالة الوُجد والرفاهية والغليظ الصلب منه يدق ويستف عند المجاعة، وقد حرم الاستنجاء بالمطعوم والرجيع والعذرة. وسُمي رجيعًا لرجوعه عن حالة الطهارة إلى الاستحالة والنجاسة.
قال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد، حَدَّثنا ابن المبارك عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم، عَن أبي صالح، عَن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: «إنمّا أنا لكم بمنزلة الوالد أُعلِّمُكم فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولا يَسْتَطِبْ بيمينه»، وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الرَّوثِ والرِمَّة.
قوله إنمّا أنا لكم بمنزلة الوالد كلام بسط وتأنيس للمخاطبين لئلا يحتشموه ولا يستحيوا عن مسألته فيما يعرض لهم من أمر دينهم كما لا يستحي الولد عن مسألة الوالد فيما عنّ وعرض له من أمر. وفي هذا بيان وجوب طاعة الآباء وأن الواجب عليهم تأديب أولادهم وتعليمهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين.
وقوله ولا يستطب بيمينه أي لا يستنجي بها وسمى الاستنجاء استطابة لما فيه من إزالة النجاسة وتطهير موضعها من البدن يقال استطاب الرجل إذا استنجى فهو مستطيب وأطاب فهو مطيب ومعنى الطيب ههنا الطهارة، ومن هذا قوله تعالى ﴿فتيمموا صعيدا طيبًا﴾ [النساء: ٤٣] وسمى رسول الله ﷺ المدينة طابة ومعناه طهارة التربة وهي سبخة فدل ذلك على جواز التيمم بالسباخ وقيل معناه الطهارة من النفاق.
وأصل الاستنجاء في اللغة الذهاب إلى النجوة من الأرض لقضاء الحاجة والنجوة المرتفعة منها كانوا يستترون بها إذا قعدوا للتخلي فقيل على هذا قد
[ ١٤ ]
استنجى الرجل أي أزال النجو عن بدنه. والنجو كناية عن الحدث كما كنى عنه بالغائط وأصل الغائط المطمئن من الأرض كانوا ينتابونه للحاجة فكنوا به عن نفس الحدث كراهية لذكره بخاص اسمه. ومن عادة العرب التعفف في ألفاظها واستعمال الكناية في كلامها وصون الألسنة عما تصان الأسماع والأبصار عنه.
وقيل أصل الاستنجاء نزع الشيء عن موضعه وتخليصه منه، ومنه قولهم نجوت الرطب واستنجيته إذا جنيته واستنجيت الوتر إذا خلصته من أثناء اللحم والعظم قال الشاعر:
فتبازت فتبارخت لها قعدة الجازر يستنجي الوتر وفي قوله يأمرنا بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة دليل على أن أعيان الحجارة غير مختصة بهذا المعنى دون غيرها من الأشياء التي تعمل عمل الحجارة وذلك أنه لما أمر بالأحجار ثم استثنى الروث والرمة فخصهما بالنهي دل على أن ما عدا الروث والرمة قد دخل في الإباحة وأن الاستنجاء به جائز ولو كانت الحجارة مخصوصة بذلك وكان كل ما عداها بخلاف ذلك لم يمكن لنهيه عن الروث والرمة وتخصيصها بالذكر معنى، وإنما جرى ذكر الحجارة وسبق اللفظ إليها لأنها كانت أكثر الأشياء التي يستنجى بها وجودًا وأقربها متناولًا، والرمة العظام البالية ويقال إنها سميت رمة لأن الإبل ترمها أي تأكلها قال لبيد:
والّنيب إن تعر مني رمة خَلَقًا بعد الممات فأنى كنت اتّئر
قال أبو داود: حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن الزهري عن عطاء بن يزيد، عَن أبي أيوب رواية قال إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا بول ولكن شرقوا وغربوا، فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت
[ ١٥ ]
قبل القبلة فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله.
قوله شرقوا وغربوا هذا خطاب لأهل المدينة ولمن كانت قبلته عنى ذلك السمت فأما من كانت قبلته إلى جهة المغرب أو المشرق فإنه لا يغرب ولا يشرق، والمراحيض جمع المرحاض وهو المغتسل يقال رحضت الثوب إذا غسلته.
وقد اختلف الناس في تأويل ما اختلف من الأخبار في استقبال القبلة وتخريجها فذهب أبو أيوب إلى تعميم النهي والتسوية في ذلك بين الصحارى والأبنية وهو مذهب سفيان الثوري. وذهب عبد الله بن عمر إلى أن النهي عنه إنمّا جاء في الصحارى، فأما الأبنية فلا بأس باستقبال القبلة فيها، وكذلك قال الشعبي وإليه ذهب مالك والشافعي وقد قيل إن المعنى هو أن الفضاء من الأرض موضع للصلاة ومتعبد للملائكة والإنس والجن فالقاعد فيه مستقبلا للقبلة ومستدبرا لها مستهدف للأبصار، وهذا المعنى مأمون في الأبنية.
قلت الذي ذهب إليه ابن عمر ومن تابعه من الفقهاء أولى لأن في ذلك جمعا بين الأخبار المختلفة واستعمالها على وجوهها كلها، وفي قول أبي أيوب وسفيان تعطيل لبعض الأخبار وإسقاط له.
وقد روى أبو داود عن ابن عمر أنه قال: ارتقيت على ظهر البيت فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته. قال حدثناه عبد الله بن مسلمة عن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن عبد الله بن عمر.
وروي أيضًا عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن تستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها. قال حدثناه محمد بن بشار نا وهب
[ ١٦ ]
بن جرير نا أبي قال سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن أبان بن صالح عن مجاهد عن جابر بن عبد الله.
قلت وفي هذا بيان ما ذكرناه من صحة مذهب من فرق بين البناء والصحراء غير أن جابرًا توهم أن النهي عنه كان على العموم فحمل الأمر في ذلك على النسخ.
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا عمرو بن يحيى، عَن أبي زيد عن معقل بن أبي معقل الأسدي. قال نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط.
أراد بالقبلتين الكعبة وبيت المقدس وهذا يحتمل أن يكون على معنى الاحترام لبيت المقدس إذ كان مرة قبلة لنا. ويحتمل أن يكون ذلك من أجل استدبار الكعبة لأن من استقبل بيت المقدس بالمدينة فقد استدبر الكعبة.