قال أبو داود: حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل قالا: حَدَّثنا أبان حدثنا يحيى عن عبد الله بن قتادة عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ: إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه وإذا شرب فلا يشرب نفسًا واحدًا.
إنما كره مس الذكر باليمين تنزيها لها عن مباشرة العضو الذي يكون منه الأذى والحدث وكان ﷺ يجعل يمناه لطعامه وشرابه ولباسه ويسراه لما عداها من مهنة البدن. وقد تعرض ههنا شبهة ويشكل فيه مسألة فيقال قد نهى عن الاستنجاء باليمين ونهى عن مس الذكر باليمين فكيف يعمل إذا أراد الاستنجاء من البول فإنه إن أمسك ذكره بشماله احتاج إلى أن يستنجي بيمينه، وان أمسكه بيمينه يقع الاستنجاء بشماله فقد دخل في النهي. فالجواب أن الصواب في مثل هذا أن يتوخى الاستنجاء بالحجر الضخم الذي لا يزول عن مكانه بأدنى حركة تصيبه أو بالجدار أو بالموضع الناتىء من وجه الأرض وبنحوها من الأشياء، فإن أدته الضرورة إلى الاستنجاء بالحجارة والنبل ونحوها فالوجه أن يتأتى لذلك بأن يلصق مقعدته إلى الأرض ويمسك الممسوح بين عقبيه ويتناول عضوه بشمال فيمسحه به وينزه عنه يمينه.
وسمعت ابن أبي هريرة يقول حضرت مجلس المحاملي، وقد حضر شيخ من أهل أصفهان نبيل الهيئة قدم أيام الموسم حاجا فأقبلت عليه وسألته عن مسألة
[ ٢٣ ]
من الطهارة فضجر وقال: مثلي يسأل عن مسائل الطهارة. فقلت لا والله إن سألتك إلاّ عن الاستنجاء نفسه وألقيت عليه هذه المسألة فبقي متحيرا لا يحسن الخروج منها إلى أن فهمته.
وأما نهيه عن الشرب نفسًا واحدًا فنهي تأديب وذلك أنه إذا جرعه جرعًا واستوفى ريه نفسًا واحدًا تكابس الماء في موارد حلقه وأثقل معدته. وقد روي أن الكُباد من العب وهو إذا قطع شربه في أنفاس ثلاثة كان أنفع لريه وأخف لمعدته وأحسن في الأدب وأبعد من فعل ذوي الشره.