قال أبو داود: حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن مَوْهب الهمداني حدثني المفضل بن فضالة عن عياش بن عباس القِتباني أن شُييم بن بينان أخبره عن شيبان القتباني عن رُوَيفع بن ثابت قال إن كان أحدنا في زمن رسول الله ﷺ ليأخذ نضو أخيه على أن له النصف مما يغنم ولنا النصف وإن كان أحدنا ليطير له النصلُ والريشُ وللآخر القدح. ثم قال قال لي رسول الله ﷺ: يا رويفع لعل الحياة ستطول بك بعدي فأخبر الناس أنه من عقد لحيته أو تقلد وترًا أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدًا منه بريء.
النضو ههنا البعير المهزول يقال بعير نضو وناقة نضو ونضوة وهو الذي أنضاه العمل وهزله الكد والجهد، وفي هذا حجة لمن أجاز أن يعطي الرجل فرسه أو بعيره على شطر ما يصيبه المستأجر من الغنيمة، وقد أجازه الأوزاعي وأحمد ولم يجز أكثر الفقهاء، وإنما رأوا في مثل هذا أجرة المثل. وقوله وإن كان أحدنا ليطير له النصل أي يصيبه في القسمة يقال طار لفلان النصف ولفلان الثلث إذا وقع له ذلك في القسمة والقدح خشب السهم قبل أن يراش ويركب فيه النصل، وفيه دليل على أن الشيء المشترك بين الجماعة إذا احتمل القسمة وطلب أحد الشركاء المقاسمة كان له ذلك ما دام ينتفع بالشيء الذي يخصه منه وان قل ونزر وذلك لأن القدح قد ينتفع به عريا من الريش والنصل، وكذلك قد ينتفع بالنصل والريش وإن لم يكونا مركبين في قدح. فأما ما لا ينتفع بقسمته أحد من الشركاء وكان في ذلك الضرر والإفساد للمال كاللؤلؤة تكون بين الشركاء ونحوها من الشيء الذي إذا فرق بين أجزائه بطلت قيمته وذهبت منفعته فإن المقاسمة لا تجب فيه
[ ٢٦ ]
لأنها حينئذ من باب إضاعة المال ويبيعون الشيء ويقتسمون الثمن بينهم على قدر حقوقهم منه.
وأما نهيه عن عقد اللحية فإن ذلك يفسر على وجهين: أحدهما ما كانوا يفعلونه من ذلك في الحروب كانوا في الجاهلية يعقدون لحاهم وذلك من زي الأعاجم يفتلونها ويعقدونها، وقيل معناه معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد وذلك من فعل أهل التوضيع والتأنيث.
وأما نهيه عن تقليد الوتر فقد قيل إن ذلك من أجل العوذ التي يعلقونها عليه والتمائم التي يشدونها بتلك الأوتار وكانوا يرون أنها تعصم من الآفات وتدفع عنهم المكاره فأبطل النبي ﷺ ذلك من فعلهم ونهاهم عنه وقد قيل إن ذلك من جهة الأجراس التي يعلقونها بها. وقيل أنه نهى عن ذلك لئلا تختنق الخيل بها عند شدة الركض.
قال أبو داود: حدثنا حيوة بن شُريح الحمصي حدثنا ابن عياش عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني عن عبد الله بن الديلمي عن عبد الله بن مسعود قال قدم وفد الجن على رسول الله ﷺ فقالوا يا محمد انه أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممةٍ فإن الله جعل لنا فيها رزقًا قال فنهى النبي ﷺ.
الحمم الفحم وما أحرق من الخشب والعظام ونحوهما، والاستنجاء به منهي عنه لأنه جعل رزقًا للجن فلا يجوز إفساده عليهم، وفيه أيضًا أنه إذا مس ذلك المكان وناله أدنى غمز وضغط تفتت لرخاوته فعلق به شيء منه متلوثًا بما يلقاه من تلك النجاسة وفي معناه الاستنجاء بالتراب وفتات المدر ونحوهما.
[ ٢٧ ]