قال أبو داود: حدثنا ابن أبي عقيل ومحمد بن سلمة المصريان قالا: حَدَّثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير وعمرة عن عائشة أن أم حبيبة بنت جحش ختنة رسول الله ﷺ: استحيضت سبع سنين. فقال رسول الله ﷺ: إن هذه ليست بالحيضة ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي.
قال أبو داود: زاد الأوزاعي في هذا الحديث عن الزهري عن عروة
[ ٨٦ ]
أن عائشة ﵂ قالت فأمرها النبي إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي.
قلت وهذا خلاف الأول وهو حكم المرأة التي تميز دمها فتراه زمانا أسود ثخينا فذلك إقبال حيضها ثم تراه رقيقا مشرقا فذلك حين إدبار الحيضة ولا يقول لها رسول الله ﷺ هذا القول إلاّ وهي تعرف إقبالها وإدبارها بعلامة تفصل بها بين الأمرين وبين ذلك حديثه الآخر.
قال أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي عن محمد، يَعني ابن عمرو حدثني ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض فقال لها النبي ﷺ: إذا كان دم الحيضة فإنه دم أسود يعرف فإذا كان ذلك فامسكي عن الصلاة وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما هو عرق.
قال أبو داود: وقد روى أنس بن سيرين عن ابن عباس في المستحاضة قال إذا رأت الدم البحراني فلا تصلي وإذا رأت الطهر ولو ساعة فلتغتسل وتصلي. قلت فهذا يبين لك أن الدم إذا تميز كان الحكم له وإن كانت لها أيام معلومة. واعتبار الشيء بذاته وبخاص صفانه أولى من اعتباره بغيره من الأشياء الخارجة عنه فإذا عدمت التمييز فالاعتبار للأيام على معنى حديث أم سلمة.
وقول ابن عباس إذا رأت الدم البحراني يريد الدم الغليظ الواسع الذي يخرج من قعر الرحم ونسب إلى البحر لكثرته وسعته والتبحر التوسع في الشيء والانبساط فيه.
قال أبو داود: حدثنا زهير بن حرب حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا زهير بن محمد حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عمه عمران بن طلحة عن أمه حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة
[ ٨٧ ]
شديدة، فأتيت رسول الله ﷺ استفتيه وأخبره فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش فقلت يا رسول الله إني امرأة أستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها قد منعتني الصلاة والصوم فقال: أنعت لك الكُرسُف فإنه يذهب الدم. قالت هو أكثر من ذلك قال فاتخذي ثوبًا فقالت هو أكثر من ذلك إنما اثُج ثجا قال رسول الله ﷺ سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك من الآخر وإن قويت عليهما فأنت أعلم وقال لها إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتحيِّضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي ثلاثا وعشرين ليلة أو أربعا وعشرين ليلة وأيامها وصومي فإن ذلك يجزيك وكذلك فافعلي كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهن وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي وتغتسلين مع الفجر فافعلي وصومي إن قدرت على ذلك. قال رسول الله ﷺ وهذا أعجب الأمرين إليّ.
قال أبو داود: روى هذا الحديث عمرو بن ثابت عن ابن عقيل لم يجعل قوله وهذا أعجب الأمرين إليّ كلام النبي ﷺ جعله كلام حمنة.
قلت وهذا خلاف الحكم الأول في حديث أم سلمة وخلاف الحكم الثاني في حديث عائشة وإنما هي امرأة مبتدأة لم يتقدم لها أيام ولا هي مميزة لدمها وقد استمر بها الدم حتى غلبها فرد رسول الله ﷺ أمرها إلى العرف الظاهر
[ ٨٨ ]
والأمر الغالب من أحوال النساء كما حمل أمرها في تحيضها كل شهر مرة واحدة على الغالب من عاداتهن ويدل على ذلك قوله كما تحيض النساء ويطهرن من ميقات حيضهن وطهرهن، وهذا أصل في قياس أمرالنساء بعضهن على بعض في طب الحيض والحمل والبلوغ وما أشبه هذا من أمورهن ويشبه أن يكون ذلك منه ﷺ على غير وجه التخيير بين الستة والسبعة لكن على معنى اعتبارحالها بحال من هي مثلها وفي مثل سنها من نساء أهل إقليمها فإن كانت عادة مثلها منهن أن تقعد ستا قعدت ستا وإن سبعا فسبعا.
وفيه وجه آخر وذلك أنه قد يحتمل أن تكون هذه المرأة قد ثبت لها فيما تقدم أيام ستة أو سبعة، إلاّ أنها قد نسيتها فلا تدري أيتهما كانت فأمرها أن تتحرى وتجتهد وتبني أمرها على ما تتيقنه من أحد العددين. ومن ذهب إلى هذا استدل بقوله في علم الله أي فيما علم الله من أمرك من ستة أوسبعة.
وقد ترك بعض العلماء القول بهذا الخبر لأن ابن عقيل راويه ليس بذلك وصار في المبتدأة التي لا تمييز للدم معها إلى أنها تحتاط وتأخذ باليقين فلا تترك الصلاة إلاّ أقل مدة الحيض عنده وهي يوم وليلة، ثم تغتسل وتصلي سائر الشهرلأن الصلاة لا تسقط بالشك وإلى هذا مال الشافعي في أحد قوليه.
وقوله أنعت لك الكرسف يريد القطن وقولها أثج ثجا، الثج شدة السيلان.
وقوله إنما هي ركضة الشيطان فإن أصل الركض الضرب بالرجل والإصابة بها يريد به الإضرار والإفساد كما تركض الدابة وتصيب برجلها ومعناه والله أعلم
[ ٨٩ ]
أن الشيطان قد وجد بذلك طريقا إلى التلبيس عليها في أمردينها ووقت طهرها وصلاتها حتى أنساها ذلك فصار في التقدير كأنه ركضة نالتها من ركضاته وإضافة النسيان في هذا إلى فعل الشيطان كهو في قوله سبحانه ﴿فأنساه الشيطان ذكر ربه﴾ [يوسف: ٤٢] وكقول النبي ﷺ: إن نساني الشيطان شيئا من صلاتي فسبحوا أوكما قال أي إن لبس علي.