قال أبو داود: حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا: حَدَّثنا عباد بن عباد حدثنا محمد بن عمرو عن سعيد بن الحارث الأنصاري عن جابر بن عبد الله: قال كنت أصلي الظهر مع رسول الله ﷺ فآخذ قبضة من الحصباء لتبرد في كفي أضعها لجبهتي أسجد عليها لشدة الحر.
قلت فيه من الفقه تعجيل صلاة الظهر. وفيه أنه لا يجوز السجود إلاّ على الجبهة ولو جاز السجود على ثوب هو لابسه أو الاقتصار من السجود على الأرنبة دون الجبهة لم يكن يحتاج إلى هذا الصنيع، وفيه أن العمل اليسير لا يقطع الصلاة.
قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عبيدة بن حميد، عَن أبي مالك الأشجعي سعد بن طارق عن كثير بن مدرك عن الأسود أن عبد الله بن مسعود قال كان قدر صلاة رسول الله ﷺ في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام.
[ ١٢٧ ]
قلت وهذا أمر يختلف في الأقاليم والبلدان ولا يستوي في جميع المدن والأمصار لأن العلة في طول الظل وقصره هو زيادة ارتفاع الشمس في السماء وانحطاطها فكلما كانت أعلى وإلى محاذاة الرؤوس في مجراها أقرب كان الظل أقصر. وكلما كانت أخفض ومن محاذاة الرؤوس أبعد كان الظل أطول ولذلك ظلال الشتاء تراها أبدًا أطول من ظلال الصيف في كل مكان. وكانت صلاة رسول الله ﷺ بمكة والمدينة وهما من الإقليم الثانى. ويذكرون أن الظل فيهما في أول الصيف في شهر آذار ثلاثة أقدام وشيء ويشبه أن يكون صلاته إذا اشتد الحر متأخرة عن الوقت المعهود قبله فيكون الظل عند ذلك خمسة أقدام.
وأما الظل في الشتاء فإنهم يذكرون أنه في تشرين الأول خمسة أقدام أو خمسة وشيء وفي الكانون سبعة أقدام أو سبعة وشيء. فقول ابن مسعود منزل على هذا التقدير في ذلك الإقليم دون ساتر الأقاليم والبلدان التي هي خارجة عن الإقليم الثاني والله أعلم.
قال أبو داود: حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الهمداني وقتيبة بن سعيد الثقفي أن الليث حدثهم عن ابن شهاب عن ابن المسيب وأبي سلمة، عَن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم.
معنى الإبراد في هذا الحديث انكسار شدة حر الظهيرة وقال محمد بن كعب القرظي نحن نكون في السفر فإذا فات الأفياء وهبت الأرواح قالوا أبردتم فالرواح. قلت ومن تأول على بردى النهار فقد خرج عن جملة قول الأمة.
[ ١٢٨ ]
وقد اختلف العلماء في تأخير صلاة الظهر في الصيف والإبراد بها فذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه إلى تأخيرها والإبراد بها في الصيف. وإليه ذهب أصحاب الرأي، وقال الشافعي تعجيلها أولى إلاّ أن يكون امام جماعة ينتابه الناس من بعد فإنه يبرد بها في الصيف عند شدة الحر، وأما من صلاها وحده أو صلاها بجماعة بفناء بيته لا يحضره إلاّ من بحضرته فإنه يصليها في أول وقتها لأنه لا أذى عليهم في حرها. ولا يؤخر في الشتاء بحال.
وقوله عليه الصلاه والسلام فيح جهنم معناه سطوع حرها وانتشاره وأصله في كلامهم السعة والانتشار. ومنه قولهم في الغادة فيحي فياح، ومكان أفيح أي واسع، وأرض فيحاء أي واسعة ومعنى الكلام يحتمل وجهين أحدهما أن شدة الحر في الصيف من وهج حر جهنم في الحقيقة. وروي أن الله تعالى أذن لجهنم في نفسين نفس في الصيف ونفس في الشتاء فأشد ما تجدونه من الحر في الصيف فهو من نفسها وأشد ما ترونه من البرد في الشتاء فهو منها.
والوجه الاخر أن هذا الكلام إنما خرج مخرج التشبيه والتقريب أي كأنه نار جهنم في الحر فاحذروها واجتنبوا ضررها.
قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن سماك بن حرب عن جابر بن سَمُرة أن بلالًا كان يؤذن للظهر إذا دحضت الشمس.
قوله دحضت معناه زالت وأصل الدحض الزلق يقال دحضت رجله أي زلت عن موضعها وأدحضت حجة فلان أي أزالتها وأبطلتها.
[ ١٢٩ ]