(طَهور): هنا إذا كانت بالفتح فالمراد به الماء الذي يتطهر به، ومثله أيضًا في الوضوء وكذلك في الغسل، وإذا جاء بالضم فالمراد به الفعل فإذا قال: طَُهور أو غَُسل أو وُضوء فالمراد به الفعل، فعل المتوضئ والمغتسل والمتطهر وهذا عند جماهير أهل العلم قد نقله الإمام النووي عليه رحمة الله وجماعة،.
قوله - ﷺ -: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء»
هذا هو الأصل في الماء أنه باقي على طهوريته، فالله جل وعلا قد أنزله طاهرًا فلا ينتقل من أصله إلا بدليل واضح، أو بنص عن النبي - ﷺ -، وهذا الماء إذا كانت أوصافه متغيرة بنجاسه فهو نجس، أو بالخبرة والتجربة إذا علم أن ذلك الماء يكون نجسا؛ فإنه حينئذٍ يكون قد انتقل من أصله إلى النجاسة.
فالأصل في الماء الطهارة، وهذا عام كما قال النبي - ﷺ - هنا: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» .
وقوله - ﷺ -: «لا ينجسه شيء»:
هو مطلق مقيد ببقية الأخبار، أنه إذا مازجته شيء من النجاسة وتغير أحد أوصافه الثلاثة فإنه قد تنجس بالإجماع، وهذا يأتي تفسير الكلام عليه بإذن الله تعالى، في حديث أبي أمامة - ﵁ - الآتي.
***************************************
٣- وعن أبي أمامة الباهلي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على ريحه وطعمه، ولونه» . أخرجه ابن ماجه، وضعفه أبو حاتم.
وهذا الحديث قد أخرجه ابن ماجه، وكذلك قد ضعفه أبو حاتم، فقد أخرجه ابن ماجه عليه رحمة الله من حديث رِشدين بن سعد عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن أبي أمامة الباهلي - ﵁ -.
[ ٢٩ ]
وهذا الحديث قد أجمع المحدثون على ضعفه والطعن فيه، ففي إسناده رشدين بن سعد قد ضعفه جماعة من أهل العلم، ضعفه الإمام أحمد وأبو زرعة والنسائي، وقد قال أبو داود ويحي بن معين: ليس بشيء، وكذلك قال الإمام أحمد: لا بأس به في الرقائق، وقال أبو حاتم: منكر الحديث.
والصحيح في هذا الخبر أنه مرسل عن النبي - ﷺ - ولا يصح موصول عنه، كما أخرجه عبد الرزاق والدارقطني من حديث الأحوص بن حكيم عن راشد بن سعد مرسلا عن النبي - ﷺ -، وهذا هو الصحيح الذي رجحه جماعة من الحفاظ كأبي حاتم الرازي والإمام الدارقطني عليهما رحمة الله قال الدارقطني: لم يرفعه غير رشدين عن معاوية وليس بالقوي. وتابع رشدين ثور بن يزيد عن كما رواه البيهقي من حديث عطية بن بقية عن ابيه عن ثور به وهو واه، وفيه اختلاف كثير فتارة يجعل من مسند ابي امامه وتارة عن ثوبان، وهذا الحديث قد أجمع العلماء على ضعفه وقد حكى الإجماع جماعة كالإمام النووي عليه رحمة الله، إلا أن معناه صحيح وقد عمل به أهل العلم، بل حكى جماعة من أهل العلم الإجماع على صحة معناه، كما حكى ذلك الإمام ابن حبان عليه رحمة الله في صحيحه.
فالأصل في الماء طاهر ومطهر، لا ينتقل من أصله إلا بنجاسة تحدث فيه تغير أحد أوصافه.
قوله - ﷺ -: «إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه»:
أجمع أهل العلم على أنه لا فرق بين تغير الماء بأحد هذه الأوصاف الثلاثة سواء من ريح أو طعم أو لون، وأن ذلك علامة على نجاسة الماء إذا كان قد تغير بنجاسة، إلا ما روي من خلاف شاذ عن ابن ماجشون عليه رحمة الله من استثنائه الريح، وهذا لا عبرة له بمقابل إجماع أهل العلم حكى الاجماع الشافعي وابن المنذر وابن حبان في صحيحه والبيهقي وابن عبد البر وابن قدامه وابن تيميه.
[ ٣٠ ]
وأهل العلم جمهورهم يقسمون الماء إلى ثلاثة أقسام، وهو قول الحنابلة والشافعية والمالكية وكذلك الحنفية، على أن الماء ينقسم إلى ثلاث أقسام: طهور، وطاهر، ونجس، واستدلوا بحديث البحر وان السائل يعلم بان ماء البحر ليس بنجس، لكنه اراد هل هو طاهر ام طهور، واستدلوا باحاديث النهي عن الاغتسال في الماء الراكد وغسل اليد بعد النوم قبل غمسها وياتي بيان هذه الاخبار ومعانيها.
وذهب بعض أهل العلم وهو رواية عن الإمام أحمد عليه رحمة الله، ويروى عن أبي حنيفة وقال به جماعة من المحققين من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية: على أن الماء على قسمين: طاهر ونجس واستدلوا بحديث بئر بضاعة وغيره.
والتحرير أنه عند جمع الأدلة يتضح أن الماء ينقسم إلى قسمين: طاهر ونجس، وأن ما أسماه أهل العلم طهورًا؛ أنه يدخل في قسم الطاهر.
والماء إذا تغير بنجاسةٍ قد خالطته وتغير أحد أوصافه؛ فإنه حينئذٍ يُعد نجسًا، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة، بل حُكي الإجماع على ذلك.
وإذا تغير الماء بأحد أوصافه بمجاورة النجاسة له لا بالمخالطة؛ فإنه يعد نجسًا كذلك، وقد حُكي الإجماع على ذلك، فإنه إذا تغيرت أحد أوصاف الماء بالمجاورة أو بالممازجة فإنه حينئذٍ يُعد ذلك الماء نجسًا، وقد حَكى الإجماع على ذلك جماعة من أهل العلم كالإمام النووي عليه رحمة الله.
وإذا تغير الماء بشيء من الطاهرات كالنبيذ ونحو ذلك هل يعد طاهرًا أم لا؟
اختلف أهل العلم في ذلك:
- فذهب الإمام أبو حنيفة عليه رحمة الله إلى أنه يتوضأ به في حالة واحدة؛ أنه إذا لم يجد شيء غيره فإنه يتوضأ به، وذهب بعض الحنفية وهو قولٌ لمحمد بن حسن عليه رحمة الله إلى أنه طاهر مطهر، إلا أنه يتيمم معه احتياطا، وهذا القول فيه شيء من المخالفة، فلم يرد عن النبي - ﷺ - في حالة من الأحوال أن يجمع الرجل بين الوضوء والتيمم، وهذا فيه شيء من التشدد.
[ ٣١ ]
- وذهب المالكية والشافعية والحنابلة وهو قول جمهور أهل العلم، إلى أنه يتيمم ولا يتوضأ به، وهذا مروي عن جماعة كما هو مروي عن الإمام أبي حنيفة عليه رحمة الله ومروي أيضًا عن الإمام ابن حزم، وقالوا إن هذا الماء لا يسمى ماء إلا بالإضافة، وقالوا إن الإجماع قد انعقد أن رفع الحدث لا يكون إلا بالماء الخالص، قالوا: وقد حكى ذلك الإمام ابن المنذر عليه رحمة الله من أن الحدث لا يرفع بسائل إلا بماء، وهذا قد مازجه غيره فغير لونه مع بقائه على طهارته إلا أنه لا يرفع الحدث.
- وذهب مجيزُ الوضوء بالنبيذ، إلى ما رواه الإمام أحمد عليه رحمة الله فقال حدثنا يحي بن زكريا عن إسرائيل عن أبي فزارة عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود قال: كنت مع النبي - ﷺ - ليلة لقي الجن، فقال: «أمعك ماء؟»، فقلت: لا، فقال: «ماهذه الإداوة؟»، قلت: نبيذ، قال: «أرينيها»، فقال النبي - ﷺ -: «تمرة طيبة وماء طهور»، فتوضأ منها ثم صلى، ولكن هذا الحديث حديث ضعيف لا يصح، ففي إسناده أبو زيد وهو في عداد المجاهيل، وقد قال فيه الإمام الترمذي عليه رحمة الله: أبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث لا يعرف له رواية غير هذا الحديث، وكذلك قد قال بجهالته البخاري والحاكم وابن عدي، وهو الراوي عن عبد الله بن مسعود في هذا الخبر، إذًا فلا يصح الاستدال به، ولذا قد أعلَّه الحافظ ابن عدي عليه رحمة الله بقوله: وهذا الحديث مداره على أبي فزارة عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود، وأبو فزارة مشهور واسمه: راشد بن كيسان، وأبو زيد مولى عمرو بن حريث مجهول ولا يصح هذا الحديث عن النبي - ﷺ -، وهو خلاف القرآن.
[ ٣٢ ]