هذه الرواية قد أخرجها الإمام الترمذي عليه رحمة الله قال حدثنا سوار عن المعتمر بن سليمان عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة - ﵁ -.
وهذه الرواية بالشك وليست للتخيير فقوله «أولاهن أو أخراهن» هي شك وليست بتخيير ويدل علي ذلك أن أصحاب ابن سيرين عليه رحمة الله قد رووا هذا الخبر عنه من غير الشك منهم هشام بن حسان وقتادة بن دعامة وحبيب بن الشهيد والأوزاعي وغيرهم من الحفاظ عليهم رحمة الله رووا عن ابن سيرين عن أبي هريرة - ﵁ - هذا الخبر ولم يشكوا فيه.
والصحيح في هذه الرواية أنه عن النبي - ﷺبأولاهن كما جاء عند الإمام مسلم عليه رحمة الله.
١١- عن أبي قتادة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال في الهرة: (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم) . أخرجه الأربعة وصححه الترمذي وابن خزيمة.
هذا الحديث قد أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي وغيرهم من أهل العلم كلهم أخرجوه من حديث الإمام مالك بن انس عليه رحمة الله عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن زوجته حُميدة بنت عبيد بن رفاعة عن كبشة عن أبي قتادة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -.
وهذا الحديث قد أعلّه بعض أهل العلم للجهالة في إسناده فقد أعلّه الحافظ ابن منده عليه رحمة الله تعالى فقال: لا يصح بوجه من الوجوه وأعلّه كذلك ابن عبد البر والبزار في مسنده فقال: لا يصح من جهة النقل.
وكذلك قد أعلّه غيرهم من أهل العلم كابن دقيق العيد وابن التركماني عليهم رحمة الله.
[ ٦٥ ]
ولكن إعلالهم للجهالة في إسناده مردود، فإن هذا الحديث وإن كان في إسناده شيء من الجهالة فإعلالهم بحُميدة بنت عبيد وكذلك بكبشة، فحُميدة بنت عبيد هي بالحاء المهمله المضمومة هكذا رواه سائر أصحاب الإمام مالك عليه رحمة الله ورواه يحي بن يحي الأندلسي عن الأمام مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن زوجته حَميدة فقال بفتح الحاء، وحَميدة أو حُميدة على الأشهر هي وإن كانت غير مشهورة بالرواية، إلا أنها قد روى عنها إسحاق بن أبي طلحة وهو من الثقات وكذلك قد روى عنها ابنها وقد وثقه ابن معين عليه رحمة الله وقد ذكرها ابن حبّان في كتابه الثقات.
وهذا الخبر قد صححه جماعة من أهل العلم فقد قال الإمام الدارقطني عليه رحمة الله: رجاله ثقات معروفون، وحكى النووي عن البيهقي تصحيح هذا الخبر وكذلك قد قال الإمام الترمذي عليه رحمة الله: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: قد جوّد مالك هذا الحديث وروايته أصح من رواية غيره.
[ ٦٦ ]
وهذا الحديث قد صححه غيرهم من أهل العلم من المتأخرين كالإمام النووي وغيره من المتأخرين، فإعلاله بحُميدة لجهالتها غير مسلّم فإن تضعيف الأحاديث للجهالة مطلقًا ليس من منهج الحفاظ عليهم رحمة الله، والإمام أحمد وابن المديني والبخاري ومسلم والدارقطني يصححون بعض الأحاديث إذا كان في إسنادها مجاهيل إذا احتفت القرائن ودلّت على ضبط هذه الرواية فحُميدة على الأشهر أو حَميدة كما قال يحي بن يحي الأندلسي قد روت هذا الحديث عن كبشة، وكبشة هي زوجة أبي قتادة - ﵁ - قد قال ابن حبّان عليه رحمة الله بصحبتها وذكرها في الصحابة في كتابه الثقات، وكذلك قد ذكرها في التابعين ولعله تراجع وهو احسن ما يحمل عليه واولى من القول باضطرابه وقد قال بعضهم أنه قد تراجع عن صحبتها وقال أنها من التابعين، وعلى كل فهي في طبقة متقدمة وإعلال الخبر بجهالتها غير مسلّم ولذا فإن الحفاظ عليهم رحمة الله قد مالوا إلى تقوية هذا الخبر كالإمام الدارقطني وكذلك البخاري بقوله: قد جوّد مالك هذا الحديث وروايته أصح من رواية غيره، مما يدل على استقامة متن هذا الحديث، وكذلك أنه قد جاء في قصة عن النبي - ﷺوهذا من القرائن التي يقبل فيها حديث الرواة سواء كانوا مجاهيل أو كانوا خفيفي الضبط فإنه حينئذ تقبل روايتهم إن احتفت القرائن بها.
[ ٦٧ ]
وكذلك فإن الحفاظ عليهم رحمة الله يتسامحون في رواية النساء إذا كن من طبقة متقدمة لذلك يقول الإمام الذهبي عليه رحمة الله: لا يعرف في النساء متهمة ولا متروكة، أي من جهة الرواية وإنما سائر النساء أو أكثر النساء التي يأتين في الروايات إنما هن في عداد المجاهيل وفي عداد المستورين ولا يعرف امرأة هي في عداد الكذابين أو في عداد المتروكين وهذا من القرائن التي يقبل فيها الخبر، ولا يطلق قبول رواية النساء مطلقًا ولكن إذا احتفت القرائن بأحاديث المجاهيل ومنهم النساء فإن الحفاظ عليهم رحمة الله يقبلونها، ومنها هذا الحديث فإنه حديث مستقيم وقد اختفت القرائن به، منها أن رواته من المستورات من النساء ممن روين عن طبقة متقدمة، وكذلك قد جاء في قصة مما يدل على ضبط الناقل لها.
وكذلك يعتضد بتصحيح الحفاظ وكذلك توثيقهم لرواته كما قال الإمام الدارقطني عليه رحمة الله: رجاله ثقات معروفون، وهو يعلم أن في إسناده حميدة وكذلك كبشة عن أبي قتادة - ﵁ -.
وهذا الخبر قد أخرجه ابن خزيمة وابن حبّان وهما لا يخرجان إلا الصحيح عندهما في صحيحهما عليهما رحمة الله.
وقوله - ﷺ -: (إنها ليست بخس):
النجس: هنا هو من النجاسة ويقابله الطهارة، فيدل على أن الهرة وما في حكمها في عداد الطاهرات، والهرة هي:دابة صغيرة من فصيلة السنور، ويدخل في حكمها ما عمت به البلوى مما هو في حجمها.
واختلف أهل العلم هل مراد النبي - ﷺ - هنا بعدم نجاسة الهرة هل هو لخلقتها لحجمها أو لأنه عمت بها البلوى فكانت من الطوافين؟
فذهب جمهور أهل العلم إلى أنها مما تعم بها البلوى وأنها من الطوافين ولذلك نص النبي - ﷺ - على ذلك بقوله إنها من الطوافين عليكم.
[ ٦٨ ]
وذهب الحنابلة وبعض اهل العلم إلى أن النبي - ﷺ - أراد كلا الأمرين وأن ترخيص النبي - ﷺ - يكون للهرة وما في حكمها مما هو في خلقتها مما هو ليس بنجس بنص النبي - ﷺ - أو اشتهرت وثبتت نجاسته وما تعم به البلوى.
فعلى قول جماهير اهل العلم إن إباحة النبي - ﷺ - وتيسيره لأمر الهرة بسبب عموم البلوى وأنها من الطوافين يدخل في ذلك ما كان أعظم منها لاشتراك العلة كالحمار والبغل لأنها مما تعم به البلوى ويخالط الناس.
والعلة التي يذكرها أهل الأصول في مصنفاتهم يقسمونها إلى قسمين:
علة منصوصة - وعلة مستنبطة
والعلة المنصوصة: التي ينص النبي - ﷺ - بها عند ذكر حكم من الأحكام.
والعلة المستنبطة: هي التي يجتهد فيها العالم ويقيس عليها.
فإذا كان الإعلال من النبي - ﷺ - منصوصًا فإنه حينئذ لا خلاف في القياس إلا عند من نفاه من الظاهرية كابن حزم وغيره أما إذا كانت العلة مستنبطة فإنه حينئذ لا يقاس عليها إلا لقرينة ظاهرة تؤيد هذا الاستنباط للعلة، فالعلة هنا في الترخيص في الهره وتطهيرها بحكم النبي عليه الصلاة السلام عليها بأنها ليست بنجس هل هي علة مستنبطة أم علة منصوصة؟
هي علة منصوصة عن النبي - ﷺ - والعلة هنا قوله عليه الصلاة السلام «إنها من الطوافين عليكم» فهذه هي العلة التي جعل النبي عليه الصلاة السلام الهرة ليست بنجس.
[ ٦٩ ]
ولا ينبغي التوسع في باب العلة المستنبطة، لأن الشارع الحكيم كثيرًا ما يذكر الأحكام فيستنبط العلماء من الفقهاء وغيرهم من نص النبي - ﷺ - ويقيسون عليها غيرها وحينئذ يقعون فيما يخالف الشرع وذلك بتقدم العصور وكذلك بتنوع حاجات الناس ومن تأمل كثيرًا من الأحكام التي يقيس فيها أهل الرأي العلة المستنبطة على غيرها يتوسعون في ذلك ويقعون فيما يخالف النبي - ﷺ -.
فعلى سبيل المثال تحريم الذهب والفضة جاء عن الشارع الحكيم التحريم بنص صريح بالنسبة للرجال، وما العلة في ذلك؟
لم تأتي علة منصوصة عن النبي - ﷺ - ولكن العلة مستنبطة اختلفت باختلاف أفهام العلماء عليهم رحمة الله، فمنهم من قال أن العلة من تحريم الذهب والفضة هي حاجة الناس للنقدين من الذهب والفضة فإذا استعمل الرجال حلي الذهب بلبسهم واستعملوه في أكلهم وطعامهم وشرابهم فإن الناس يفتقرون إلى النقدين من الذهب والفضة، وقال بذلك بعض العلماء فلو قيل بأن هذه العلة مسلّمة فإنها في وقتنا لا يمكن أن يقال بأن هذه العلة هي العلة التي نهى النبي - ﷺ - لاجلها، ففي وقتنا الناس ليسوا بحاجة إلى النقدين الذهب والفضة من جهة المعاملة البيع والشراء فحينئذ فالحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا، فهل يقال هنا أن الذهب والفضة مباح لبسه بالنسبة للرجال والأكل فيه والشرب منه؟
لا شك أن ذلك لا يقال وحينئذ يعلم فساد العلة المستنبطة التي قال بها هؤلاء من أن النبي - ﷺ - حينما نهى عن استعمال آنية الذهب والفضة لأجل حاجة الناس إلى النقدين وهذا يعلم بتقادم الوقت أو تغير الأعصار وكذلك يختلف من إمام إلى إمام.
[ ٧٠ ]
والذي ينبغي ان يعلم هنا أن النصوص التي تأتي عن النبي - ﷺ - ينبغي فيها أن يسلم للنبي - ﷺ - ما قال به، وإن استنبط العلماء العلة من قوله - ﷺ - من تحليل أو تحريم فإنهم يستنبطونها لبيان الحكمة التي جاءت عن النبي عليه الصلاة السلام لاطمئنان النفس وأنه لا يشرع إلا ما فيه مصلحة للناس ولا ينهى إلا ما فيه مفسدة للناس فإنه حينئذ يعلم الناس حكمة الشارع الحكيم ولكن لا يقاس عليها ولا يقطع بأن هذه العلة هي التي أرادها النبي عليه الصلاة السلام مالم تكن العلة منصوصة او ظاهرة ظهورا بينا لقرينة ونحو ذلك.
فالشارع الحكيم قد يأتي عنه أمور كثيرة من أوامر ونواهي لكن العلة تكون خافية وإذا كانت منصوصة فإنه حينئذ لا كلام لأحد والعلة منصوصة عن النبي - ﷺ - كما في هذا الحديث بقوله (من الطوافين) أما إذا كانت مستنبطة ليس لأحد أن يقيس عليها غيرها فإنه حينئذ ما فسد كثير من أهل الرأي إلا لأجل أقيستهم في هذا الباب من أنواع العلة.
وبالنسبة للهرة وما في حكمها فالنبي - ﷺ - قد ذكر العلة ونص عليها وهي قوله - ﷺ - «إنما هي من الطوّافين عليكم» .
(والطوّافين):
الطوّاف: هو ما يكثر الدخول والخروج ويكثر الذهاب والإياب والغدو والرواح، فإنه يسمّى من الطوافين والطواف، ولذلك يسمى الطواف طوافا لكثرة الذهاب والمجيء فيه.
[ ٧١ ]
وكذلك يطلق على السعي بين الصفا والمروة طوافا من جهة اللغة، وكذلك قد جاء في بعض ألفاظ النبي - ﷺ - وفي بعض ألفاظ السلف الصالح إطلاق طواف على السعي بين الصفا والمروة لأن فيه ذهاب وإياب فيسمى طواف وكذلك إطلاق النبي - ﷺ - لهذه العلة ونصه عليها يقاس لأجل هذه العلة ما في حكم الهرة من الدواب من الطوافين كالحمار والبغل وغيرهما من الدواب كالخيل ونحو ذلك مما تعم بها البلوى، لأن النبي - ﷺ - قد نص على هذه العلة فلا بأس من القياس في مثل هذه الحالة.
١٢-: عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس فنهاهم النبي - ﷺ - فلما قضى بوله أمر النبي - ﷺ - بذنوب من ماء فأهريق عليه. متفق عليه
هذا الحديث قد أخرجه البخاري ومسلم من طرق متعددة وقد أخرجاه أيضًا من طريق حماد عن ثابت عن أنس بن مالك - ﵁ -.
وهذا الحديث هو من المهمات في باب الطهارة.
قول انس بن مالك - ﵁ - (جاء أعرابي):
الأعرابي: هو من سكن البادية سواء كان عربيًا أو عجميًا.فساكن البادية حتى وإن كان أعجميا فيسمى اعرابيا، وكلمة أعرابي لا مفرد لها من لفظها وإنما يفرق أهل العلم بين الجمع والمفرد بإضافة ياء النسبة في آخره فيقال أعراب للجمع وأعرابي بإضافة الياء للفرد.