وفي هذا الخبر من الدلالة أيضًا ما ذكرناه في السابق أنه صارف لنهي النبي - ﷺ - أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، أو المرأة بفضل الرجل، وليغترفا جميعًا، وأن النهي يحمل على الكراهة كراهة التنزيه، وأنها ليست بكراهة التحريم، وإلا النبي - ﷺ - لما قال لزوجته عليها رضوان الله تعالى: «إن الماء لا ينجس»، واغتسل منه - ﷺ -.
١٠- وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب» أخرجه مسلم.
هذا الحديث قد أخرجه الإمام مسلم عليه رحمة الله قال حدثنا زهير بن حرب حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة - ﵁ -.
قوله - ﷺ -: «إذا ولغ الكلب»:
الولوغ هنا هو: الشرب باللسان، وهذا خاص بالكلب ونحوه من السباع، والولوغ لا يكون إلا لسائل من ماء وغيره، ومنه يؤخذ كما أخذ أهل العلم أن الكلب إذا وضع لسانه على شئ من الجامدات ونحو ذلك، أن هذا ليس بحكم السائل، وأنه لا يغسل سبعا، وإنما يأخذ ما وضع فيه الكلب لسانه ويغسل كسائر النجاسات او يزال فيرمى، ولا يقال بأن ذلك الموضع يغسل سبعًا؛ لأن النبي - ﷺ - قيد ذلك بالولوغ، والولوغ لا يكون إلا في الشرب.
وهذه اللفظة التي جاءت عن النبي - ﷺ - هنا في قوله: «إذا ولغ»، ذكرنا أنها خاصة بالكلب وما في حكمه من السباع، ولكن النبي - ﷺ - خصص هذا الحكم بالكلب ولم يعممه في سائر السباع بقوله: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم»، فهذا خاص في الكلب لا يعم سائر السباع.
[ ٥٥ ]
وقد جاء عن النبي - ﷺ - قوله: «إذا شرب»، والمعلوم أن الكلب لا يشرب وإنما يلغ، وهذا معلوم عند العرب، جاء ذلك في الصحيحين: من حديث مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: «إذا شرب الكلب»، وقال الحافظ ابن عبد البر عليه رحمة الله تفرد الإمام مالك بهذا اللفظة يعني: «إذا شرب»، والصحيح أن الإمام مالك عليه رحمة الله لم يتفرد بهذه اللفظة لفظة: «إذا شرب»، والذي يظهر والله أعلم أنها ممن فوقه أو ممن دونه، أو أن هذا الخبر روي بالمعنى عن النبي - ﷺ -، فقد جاءت هذه اللفظة عن غير الإمام مالك عليه رحمة الله، بل روى هذا الخبر عن الإمام مالك عليه رحمة الله غير راوٍ ولم يذكروا لفظة: «إذا شرب» وإنما قالوا: «إذا ولغ»، وهذا قد جاء عند أبي عبيد في كتابه (الطهور) من حديث إسماعيل بن عمر عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا ولغ» .
وكذلك قد أخرجه ابن ماجه من حديث روح بن عبادة عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: «إذا ولغ»، ولم يذكر إذا شرب، مما يدل على أن الإمام مالك عليه رحمة الله قد أتى بالحديث على وجهه، وأن هذا إما أن يكون من أبي الزناد، أو ممن روى عن الإمام مالك عليه رحمة الله، وكذلك مما يؤيد أن الخبر هذا قد جاء عن النبي - ﷺ - بالمعنى وجاء بلفظ: «إذا شرب» .
[ ٥٦ ]
وأن الصحيح عن النبي - ﷺ -: «إذا ولغ» أنه جاء عن النبي - ﷺ - من غير طريق الإمام مالك عليه رحمة الله، فقد أخرج ابن المنذر من حديث عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: «إذا شرب»، وعبد الرحمن بن أبي الزناد قد تابع الإمام مالك عليه رحمة الله هنا.
وكذلك قد أخرجه أيضًا شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبيﷺ - قال: «إذا شرب» مما يدل على أن الإمام مالك عليه رحمة الله لم يتفرد بطريقه بهذه اللفظة.
وكذلك قد أخرج من غير طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة جاء عند ابن خزيمة وكذلك ابن المنذر من طريقين عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺأنه قال: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم» فجاء بلفظ شرب.
والذي يظهر والله أعلم أن قوله في أول هذا الخبر «إذا شرب» جاء عن النبي - ﷺ - بالمعنى، وأنه جاء على سبيل التجوّز لكي يفهم السامع، وكذلك لكي يتبادر إلى الذهن من أن المراد هو: الشرب وليس المراد أن يمس لسان الكلب الموضع، ولكن النبي - ﷺ - قد أراد بذلك الخبر كما ذكرنا الولوغ.
والولوغ لا يكون إلا بالسائل وأن الكلب إذا مس لسانه شئ من الجامدات ونحو ذلك أنه لا يغسل سبعًا ولا بالتراب، وإنما يُزال ذلك الموضع إن كان ذلك من الجامدات من سمن جامد ونحو ذلك، يزال ما مسه الكلب من لسانه ولا يقال بأنه يغسل سبعا ونحو ذلك، ثم يستعمل ذلك الشيء الذي مسه لسان الكلب.
وقوله - ﷺ -: «إذا ولغ الكلب»:
والكلب هنا: هو دابة من السباع معروفة، وهذا الحكم خاص بالكلاب ولا يشمل سائر السباع عند عامة أهل العلم.
[ ٥٧ ]
ولكنهم اختلفوا في الخنزير هل يغسل سبعًا ويكون حكمه كحكم الكلب كما جاء عن النبي - ﷺ -؟
- ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الخنزير ليس حكمه كحكم الكلب، وأن النبي - ﷺ - قد خصص ذلك بالكلب ولم يطلقه، وإلا لو كان ذلك عام لقال النبي - ﷺ -: «إذا وُلِغ في إناء أحدكم»، ولم يذكر الكلب بعينه.
- وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخنزير يغسل سبعًا إحداهن بالتراب، وذلك لتعليلهم بقولهم أن الخنزير أشد نجاسة من الكلب، فيكون ذلك القياس من باب أولى، ولكن هذا لا يسلم؛ لأن تخصيص النبي - ﷺ - للكلب لحكمة، وكذلك تخصيصه لريقه لحكمة معلومة، ومعلوم أن ثمة أشياء هي من المستخبثات، إلا أن النبي - ﷺ - لم ينص على ذلك العدد، ولم ينص على التراب إلا في الكلب مما يدل على أن الكلب له ميزة معلومة في علم الله جل وعلا من باب النجاسة، خص النبي - ﷺ - إزالتها بالغسل سبعًا أولاهن بالتراب، كما جاء عن النبي - ﷺ -.
[ ٥٨ ]
والكلب هنا يشمل جميع أنواع الكلاب، حتى ما رخص النبي - ﷺ - باقتنائه من كلب صيد أو ماشية أو حراسة ونحو ذلك، وقال بعض أهل العلم أنه يستثنى من ذلك ما رخص فيه النبي - ﷺ - من كلب الحراسة وكلب الصيد ونحو ذلك، وقالوا أن ذلك أولى بسماحة الإسلام، فإن الشارع الحكيم حينما أباح اقتناء الكلب، وهو الذي الأصل فيه أن من اقتناه قد كسب إثمًا وذلك من محبطات الأعمال، فإنه حينئذ يغتفر النجاسة، كما غفر الله جل وعلا الذنب تغتفر النجاسة؛ لأنه مما تعم به البلوى فإن كلاب الحراسة وكلاب الصيد ونحو ذلك، تعم بمخالطتها البلوى فاغتفار نجاستها من باب الشارع الحكيم يدل على سماحة الإسلام، ولكن هذا القول ليس بمسلم، فإن النبي - ﷺ - قد أطلق هذا القول ولم يقيده - ﷺ - لا بكلب صيد ولا ماشية ولا غيرها مما خصصه النبي - ﷺ -، ولو كان النبي - ﷺ - يريد تخصيص شئ لخصصها كما خصص كلاب الصيد وغيرها من الاستثناء، مما خصه النبي - ﷺ - من التحريم، وهذا هو الصحيح الذي تعضده الأدلة أن نجاسة الكلب عامة، وأن الأمر بالغسل عام لجميع أنواع الكلاب.
وهل نجاسة الكلب في فمه وريقه أم في سائر جسده؟
ذهب جمهور أهل العلم من الشافعية والحنفية والحنابلة إلى أن نجاسة الكلب كاملة في جميع جسده، إلا أن الغسل سبعًا لا يكون إلا لما ولغ فيه الكلب، وسائر جسد الكلب يعتبر نجسًا؛ وعللوا ذلك فقالوا: إذا كان ريق الكلب نجس، فإن الريق يخرج من باطن الكلب من أمعاءه ونحو ذلك، وهي ما ينبت منه جسد الحيوان فيدل ذلك على أنه ينبت من نجاسة.
[ ٥٩ ]
وذهب الإمام مالك وداود الظاهري وهو قول للظاهرية عامة إلى أن نجاسة الكلب في فمه وريقه؛ وعللوا قالوا: بأن النبي - ﷺ - أمر بغسل نجاسة الكلب إذا ولغ فحسب، مع أن مخالطة الكلب للناس ككلاب الحراسة وما أذن فيه النبي - ﷺ - أكثر من ولوغها في الآنية، ولم يأمر النبي - ﷺ - بشيء من الاحتراز الذي يزيل نجاسة الكلب في جسده ونحو ذلك، وهذا قول مردود فإن النبي - ﷺ - إغفاله لذكر نجاسة جسد الكلب وهو مما تعم به البلوى، لا يعني أن جسد الكلب ليس بنجس، وإنما غاية ما يدل عليه ذلك، أن جسد الكلب وشعره أنه لا ينطبق عليه ولوغ الكلب فلا يغسل سبعًا ولا بالتراب، هذا غاية ما يفهم من نص النبي - ﷺ -، أي أن حكم نجاسة ريق الكلب ولعابه هي أشد من نجاسة جسده، هذا غاية ما يدل عليه النص الذي جاء عن النبي - ﷺ -.
والغسل سبعًا واجب عند عامة أهل العلم، ولا يجزئ غسل لعاب الكلب أو الإناء الذي يلغ فيه الكلب بأقل من ذلك، ومن غسل أقل من ذلك فإنه لا يجزئه عند عامة الفقهاء عليهم رحمة الله.
ولكنهم اختلفوا في غسلة التراب هل هي واجبة أم لا؟
فذهب الحنفية والمالكية إلى أن الواجب هو الغسل سبعًا، وأن غسلة التراب ليست بواجبة؛ وعللوا بتعليل قالوا: أن غسلة التراب قد اختلفت الروايات فيها وفي محلها عن النبي - ﷺ -، مما يدل على عدم تأكيد الشارع عليها وإلا لضبطها الرواة.
[ ٦٠ ]
وذهب جمهور أهل العلم وهو قولٌ للشافعي وللإمام أحمد عليهم رحمة الله، إلى أن غسلة التراب واجبة، وأن من غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا ولم يغسله بالتراب أن ذلك لا يجزئ عنه، واستدلوا بظاهر ما جاء عن النبي - ﷺ - في هذا الخبر حديث أبي هريرة - ﵁ -، وأن ذلك ثابت عن النبي - ﷺ - ولا غبار عليه، وأن ما جاء عن النبي - ﷺ - من اختلاف الرواة في ذكر موطن غسلة التراب أو الشك فيها، أن ذلك لا يعني عدم ثبوتها عن النبي - ﷺ -، فكما أنها شك فيها بعض الرواة واضطرب فيها، فإن هناك من الرواة من ضبطها عن النبي - ﷺ -، وأثبت محلها، وذلك معلوم عند من تأمل أخبار النبي - ﷺ - وتأمل كذلك طرق حديث أبي هريرة - ﵁ - وغيره من الأخبار التي جاءت عن النبي - ﷺ - في غسل الإناء من ولوغ الكلب.
وهذا هو القول الصحيح الذي يعضده ظاهر الأدلة عن النبي - ﷺمن أن الغسلات السبع وغسلة التراب واجبة وأن من غسل الإناء بأقل من ذلك أو لم يغسله بالتراب أنه لا يجزئ عنه وهذا قد علم بالتجربة وكذلك قد علم عند أهل الطب أن للتراب مزية عن غيره من المنظفات وهذا لم يخصه النبي - ﷺإلا لعلم من الغيب أخبره الله جل وعلا به ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ .
قوله - ﷺ -: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم):
ذكر النبي - ﷺهنا الإناء وخصص الولوغ به وذكرنا أن جماهير أهل العلم على أن الغسل لا يكون إلا في ولوغ الكلب في السائل وأنه إذا مس لسان الكلب شيئا من الجمادات أنه لا يغسل، ولكن أهل العلم اختلفوا في باقي جسد الكلب إذا غمس في الإناء ونحو ذلك.
[ ٦١ ]
فذهب جمهور أهل العلم الى أن جسد الكلب كيده ورجله وشعره إذا انغمس في إناء من ماء أو شراب غيره كلبن وعصير ونحو ذلك انه لا يغسل سبعًا.
وإنما إذا كان الماء كثيرًا ولم يتغير شئ من أوصافه فإنه حينئذ يبقى على طهوريته وإن تغير شئ من أوصافه فإنه حينئذ يكون نجسًا.
وذهب الشافعي عليه رحمة الله إلى أن الكلب أذنه وفمه ولعابه ورجله إذا انغمست في السائل أنه يغسل سبعًا إحداهن بالتراب وعمم ذلك الحكم، ولكن هذا لا يعضده الدليل فالذي جاء عن النبي - ﷺهو الولوغ في الإناء وهذا لا يكون إلا في السائل ولا يكون إلا من لسان الكلب وغيره من السباع وهذا خاص بالكلب تخصيص النبي - ﷺله بقوله «إذا ولغ الكلب» فهنا تقييدات متعاقبة من النبي - ﷺفي هذا الخبر:
أولاها: بقوله - ﷺ - «إذا ولغ» خصص الولوغ وهذا عام ثم قال «الكلب» يخصص سائر السباع منها الكلب، وذلك يدل على أن الحكم خاص بالكلب لا يعمه إلى غيره من السباع.
ثم قال - ﷺ - «في إناء أحدكم» مما يدل على تخصيصه في الشراب وأن ذلك لا يكون في بقية جسد الكلب من أذنه أو غمس فمه من غير ولوغ ونحو ذلك أو غمس قدمه فإن ذلك لا يوجب الغسل سبعًا ولا يوجب الغسلة بالتراب لظاهر النص عن النبي - ﷺ -.
قوله - ﷺ - في هذا الخبر: (أولاهن بالتراب):
هذا هو الصحيح عن النبي - ﷺ - فما جاء عن النبي - ﷺأولاهن أو أخراهن فهو بالشك وليس بالتخيير شك عند بعض الرواة والصحيح أنه بأولاهن.
قال المؤلف ﵀: وفي لفظ له (فليرقه):
[ ٦٢ ]
هذه اللفظة أخرجها الإمام مسلم عليه رحمة الله من حديث علي بن حجر عن علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي صالح وأبي رزين عن أبي هريرة - ﵁ - وهذه اللفظة لفظة شاذة قد خالف فيها علي بن مسهر سائر أصحاب الأعمش الذين رووا هذا الخبر عنه.
وعلي بن مسهر هو من الثقات وهو من المعروفين المشهورين بالرواية، وقد أخرج له الجماعة وغيرهم، وهو وإن كان من الثقات المعروفين إلا أنه خالف الثقات الحفاظ من أصحاب الأعمش عليه رحمة الله فإنهم لم يذكروا هذه الزيادة فقد رواه عن الأعمش جماعة منهم شعبة بن الحجاج وكذلك أبو معاوية كما عند الإمام أحمد عليه رحمة الله وإسماعيل بن زكريا عند الإمام مسلم وحماد بن أسامة عند ابن أبى شيبة ورواه ايضا غيرهم وشعبة وابو معاوية من أوثق الناس وأثبتهم في حديث الأعمش، وكذلك قد رواه جماعة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة - ﵁ - من غير ذكر لفظه «فليرقه» وهذه الزيادة هي زيادة شاذة قد نص الحفاظ على شذوذها فقد قال الإمام النسائي عليه رحمة الله في سننه بشذوذها وقال: لا أعلم أحدا من الرواة وافق علي بن مسهر على هذه اللفظة يعني «فليرقه»، وكذلك قال ذلك ابن عبد البر عليه رحمة فقال: وهذه اللفظة لم يأت بها أصحاب الأعمش الثقات الحفاظ كشعبه وغيره، وكذلك قد قال بشذوذها حمزة الكناني عليه رحمة الله وهو من الحفاظ النقاد فقال أنها غير محفوظة. واذا فهي زيادة شاذة لا تثبت عن النبي - ﷺ - من جهة الرواية.
[ ٦٣ ]
وبها استدل الذين يقولون بأن ولوغ الكلب في الإناء يدل على نجاسة الماء سواء كان كثيرًا أو قليلًا وهذا قول ليس بصحيح من جهة اخذه من هذه الرواية وإن كان من جهة الغاية له وجه من الصحة فإن النبي - ﷺحينما قال «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا»، قول النبي - ﷺ - «فليغسله سبعًا» يدل على نجاسة الإناء فالإناء من أي شئ تنجس؟
تنجس من ذلك الماء الذي هو فيه فمعلوم أن الكلب ولغ في الماء وربما لم يمس الإناء بلسانه فالماء قد نقل النجاسة إلى الإناء فأصبح نجسًا وأوجب الشارع غسله سبعًا ولكن هذه الزيادة تضمنت معنيين عن النبي - ﷺ -:
المعنى الأول: هو نجاسة هذا الماء مطلقًا سواء كان قليلًا أو كثيرًا، وهذا لا يسلم إلا إذا كان الماء قليلًا قلة لا تدفع النجاسه، أما إذا كان كثيرًا من الأواني الكبيرة ونحو ذلك التي يصعب أن ينتشر فيها لعاب الكلب فإنه حينئذ لا تنجس لأن النبي - ﷺقد أطلق كما تقدم معنا طهورية الماء إلا أن يتغير طعمه أو لونه أو ريحه، أما إذا كان قليلًا كالأواني الصغيرة فإنها تنجس وإن لم يتغير شئ منها بنص النبي - ﷺوأمره بغسل الإناء سبعًا.
وتتضمن هذه الزيادة أمرًا ثانيًا: وهي أمر النبي - ﷺبإراقة الماء وألا يستفاد منه بشيء وهذا لا يسلم لأن هذه الزيادة لا تصح عن النبي - ﷺبل يشرع الاستفادة من الماء وعدم الإسراف فيه بإضافته إلى غيره فيتكاثر فتزول النجاسة بمكاثرة الماء، ولو قلنا بصحة هذه الزيادة لوجب وجوبًا عدم الاستفادة من هذه الماء وأنه يجب إراقة الماء الذي ولغ فيه الكلب وهذه الزيادة لا تصح فالعمل بهذا الأمر لا يصح.
قال المؤلف ﵀: وللترمذي: (أولاهن أو أخراهن بالتراب):
[ ٦٤ ]