[ ٥١ ]
هذا الحديث قد أخرجه الإمام مسلم من حديث محمد بن بكر عن ابن جريج عن عمرو بن دينار قال: أكبر علمي والذي يخطر على بالي، أن أبا الشعثاء حدثني عن عبد الله بن عباس أن النبي - ﷺ - اغتسل بفضل ميمونة عليها رضوان الله تعالى.
وهذا الخبر صارف لما جاء عن النبي - ﷺ - من النهي أن يغتسل الرجل بفضل المرأة أو المرأة بفضل الرجل للتحريم، وقد صرفه من التحريم إلى كراهة التنزيه، وإلا لما فعل النبي - ﷺ - شيئا قد نهى عنه.
وفيه دلالة أيضًا على أن الماء باقٍ على طهوريته وتطهيره، وهو باق على أصله لا ينصرف إلى غيره، فإن النبي - ﷺ - حينما فعل ذلك وفعله أصحابه عليهم رضوان الله تعالى، دلّ ذلك على بقاء الماء على أصله، وأن النبي - ﷺ - حينما نهى عن اغتسال الرجل بفضل المرأة أو المرأة بفضل الرجل أنه على كراهة التنزيه، وأن الأولى أن يغتسل الرجل بعد المرأة من غير فضلها، وأن المرأة تغتسل بعد الرجل من غير فضله، أو يغترفا من إناء واحد جميعا، وذلك مما نبه النبي - ﷺ - عليه بنهيه عن ذلك، نهي كراهة وليس نهيًا تحريميا.
[ ٥٢ ]
وفي إسناد هذا الخبر من المسائل ما يذكره أهل الحديث عليهم رحمة الله من قول عمرو بن دينار عليه رحمة الله: أكبر علمي، والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء حدثني ، فقد وقع في الشك عليه رحمة الله، مع ذلك أخرج هذا الخبر الإمام مسلم عليه رحمة الله في صحيحه، مع أن عمرو بن دينار قد وقع في شيء من الشك في تحديث أبي الشعثاء له عن عبد الله بن عباس عليهما رضوان الله تعالى، وهذا الجواب عنه أن شك الثقات الحفاظ كعمرو بن دينار أنه كيقين غيرهم خاصة إذا غلب ظنهم على شيء، ولذا قال شعبة بن الحجاج شك مسعر أحب إلي من يقين غيره. وقال ذلك ايضا في ابن عون. وروي ان شعبه سأل أيوب عن حديث فقال أشك فيه فقال له شكك أحب إلي من يقين غيرك.، فإن الثقة إذا شك في أمر ومال إلى أحدهما كما في رواية عمرو بن دينار هنا يدل على شدة تحرزه وضبطه، بخلاف خفيف الضبط أو الصدوق أو من الثقات الذين ليسوا معروفين بالحفظ، وكذلك الضبط فإنه إذا شك يتوقف فيه، بل إن أهل العلم عليهم رحمة الله قد قالوا: أن الحافظ إذا حدّث بحديث عن شيخه ونفى شيخه أن يكون قد حدّثه بذلك الخبر أن حديثه صحيحا، وإن نفي الشيخ أن يكون حدثه بذلك الخبر إما أن يكون قد طرى على شيخه من النسيان أو شيء من الغفلة ونحو ذلك، وقد جاءت في ذلك روايات عن النبي - ﷺ - بأسانيد فيها مثل هذا، فقد نفى بعض الشيوخ أن يكون قد حدّثوا التلاميذ مع أن التلاميذ هم من الحفاظ، وقد قبل الحفاظ رواياتهم، وقد أخرج البخاري ومسلم مثل هذا في صحيحهما، كما أخرج الإمام مسلم في مثل هذا الشك هنا في حديث عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن أبي الشعثاء عن عبد الله بن عباس عليهما رضوان الله تعالى.
***************************************
[ ٥٣ ]