ظهر البخاري في القرن الثالث الهجري الذي ازدهرت فيه العلوم الإِسلامية، وأصبح لها مراكز متعددة بالمدينة ومكة (١) والبصرة والكوفة وبغداد عاصمة الخلافة ومركز العلوم والحضارة، في ذلك العصر الذي نمت فيه المذاهب الفقهية وتطورت علوم القرآن من تفسير وغيره، وأُلفت الكتب المتعددة في السيرة والتاريخ والطبقات، ووضعت علوم العربية لخدمة القرآن الكريم.
أما علوم الحديث: فقد بلغت في هذا العصر قِمَّة مجدها، وظهر فيه أعلام السنة وكبار المحدثين، منهم أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ومُسْلم بن الحجاج والترمذي وابن ماجة وأبو داود، كل هؤلاء ظهروا في هذا العصر الذهبي للعلوم الإِسلامية وألفوا المسانيد والمجاميع وتركوا تراثًا إسلاميًا ضخمًا في الحديث وعلومه.
ولم يكن هذا العصر عصر بداية الحديث وتدوينه وإنما كان عصر تطوره وازدهاره، أما بداية تدوينه فقد كانت في القرن الثاني الهجري، عندما أمر عمر بن عبد العزيز بجمع الحديث خشية ضياعه، وكتب إلى واليه أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم كتابًا يأمره فيه أن ينظر ما كان من حديث رسول الله - ﷺ - وسنته فيكتبه خوفًا من أن يندرس هذا العلم بذهاب العلماء (٢) فكان
_________________
(١) الإمام البخاري للدكتور تقي الدين الندوي.
(٢) ضحى الإسلام للأستاذ أحمد أمين ج ٢.
[ ١ / ١٢ ]
أوَّل من استجاب لهذه الدعوة إمام المحدثين في ذلك العصر محمد بن مسلم بن شهاب الزُّهري، فكتب فرائد في علم الحديث، حتى عدّه بعضهم واضع مصطلح الحديث. وكان أوَّل من جمع الأحاديث والآثار.
ثم اقتفى المحدثون أثره ونهجوا نهجه، واقتصروا في أوَّلِ الأمرِ على مجرد تدوين الحديث وجمعه، ثم خطوا خطوة جديدة انتقلوا فيها من مرحلة التدوين إلى مرحلة التنسيق والترتيب الفقهي، فوزعوا الأحاديث على أبواب الفقه الإسلامي، فهذا كتاب الصلاة وأبوابها، وهذا كتاب الزكاة وأبوابها، وهذا كتاب الصوم وأبوابه، وهكذا إلى آخره.
وكان من الروّاد الأوائِل في تنسيق الأحاديث وترتيبها ابن جريج ومالك وعبد الله بن المبارك وعبد الرزّاق (١)، ثم جاء من بعدهم النسائي وابن ماجة وغيرهم، وفي مقدمتهم الإمامان الجليلان محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم ابن الحجاج القشيري.