٤٠ - عن أبي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ:
ــ
كل واحد منهما يكون يوم القيامة مثل جبل أحد حجمًا ووزنًا. قال ابن دقيق العيد (١): وقد مثلهما في الحديث بأن أصغرهما مثل أحد والأعمال تجسم -يوم القيامة- وتوزن ويكون لها جرم كما يدل على ذلك حديث عدي حيث قال فيه " أخفهما في ميزان يوم القيامة أثقل من أحد " وبقية الحديث ظاهر.
ويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن اتباع الجنائز من الإِيمان كما ترجم له البخاري لقوله - ﷺ -: من اتبع جنازة مسلم إيمانًا، وغرضه من هذا الباب وأمثاله إثبات أن العمل جزء من الإيمان، قال ابن بطال (٢): هذا مذهب جماعة أهل السنة، وإنما أراد البخاري الرد على المرجئة في قولهم إن الإِيمان قول بلا عمل. ثانيًا: أن مشيّع الجنازة لا يثاب بقيراطين إلَّا إذا اتبعها حتى تدفن. والمطابقة: في قوله " من اتبع جنازة مسلم إيمانًا ". الحديث: أخرجه الستة.
٣٢ - " بَاب سؤال جبريل النبيَّ - ﷺ - عن الإِيمان والإِسلام والِإحسان "
٤٠ - الحديث: أخرجه مسلم في الإيمان، والترمذي في الإِيمان، وأبو داود، وابن ماجه في السنة، كما أخرجه الطبراني وأبو عوانة، وابن خزيمة، والبخاري في التفسير والزكاة وفي هذا الباب.
ترجمة راوي الحديث: تقدمت.
معنى الحديث: قال أبو هريرة ﵁: " كانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يومًا
_________________
(١) شرع عمدة الأحكام لابن دقيق العيد.
(٢) شرح النووى على مسلم، ج ١.
[ ١ / ١٣٦ ]
كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمًَا بَارِزًا للنَّاس، فَأتَاهُ رَجُلٌ، فقَالَ: ما الإِيمَانُ؟ قَالَ: أنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وتؤمِنَ بالبَعْثِ، قَالَ:
_________________
(١) بَارزًا" أي ظاهرًا لأصحابه، غير محتجب، ولا ملتبس بغيره كما أفاد الحافظ. وقد كان - ﷺ - في أول أمره يجلس بين أصحابه كواحد منهم لا يميزه شيء عنهم، فصار الغريب لا يعرفه، فبنوا له " دكانًا " أي دكة مرتفعة، ليعرفه السائل من بين أصحابه " فأتاه رجل " أي مَلَكٌ في صورة رجل، وهو جبريل ﵇، جاءه على صورة أحسن الناس وجهًا، وأطيبهم ريحًا، كما هو شأنُ الملائكة عند النزول بالوحي، كما تقدم توضيحه في باب كيف كان بدء الوحي " فقال: ما الإِيمان؟ " أي ما هي أركان الإِيمان وعقائده وقضاياه التي لا يصير الإنسان مؤمنًا إلَّا إذا صدق بها؟ " قال: أن تؤمن بالله " أي الركن الأول أن تصدق تصديقًا جازمًا لا شائبة فيه ولا شك بوجود الله وربوبيته وصفاته ووحدانيته وتعتقد ذلك اعتقادًا راسخًا، " وملائكته " والركن الثاني أن تصدق بوجود الملائكة وهم عالم من خلق الله يتميز بالعصمة الذاتية والطاعة الفطرية، خلقوا من أصل تكوينهم على الطاعة والخير والاستقامة، فلا يقترفون المعصية بطبيعتهم، كما قال تعالى (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) " وبلقائه " أي والركن الثالث من أركان الإِيمان أن تصدق بوجود حياة أخرى بعد الموت، وهي حياة روحية جسمية معًا، خلافًا للمسيحيين في زعمهم أنها روحية فقط، وأن نعيمها وعذابها للأرواح دون الأجسام. أما المؤمنون فيعتقدون أنهم يحيون حياة روحية جسميّة ليحاسبوا على أعمالهم، ويلقوا جزاءهم العادل حيث يثاب الطائع بالجنة، ويعاقب العاصي بالنار. " ورسله " أي والركن الرابع التصديق بجميع الرسل من آدم - ﷺ - إلى محمد - ﷺ -، وأنهم أرسلوا من عند الله لهداية البشر وأوحي إليهم بدين حق، " وتؤمن بالبعث " أي بإعادة الحياة إلى أجساد الأموات وإخراجهم
[ ١ / ١٣٧ ]
ما الإِسْلَامُ؟ قَالَ: الإِسْلامُ أنْ تَعْبُدَ اللهَ ولا تُشْرِكَ بِهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، قَالَ: ما الإِحْسَانُ؟ قَالَ: أن تَعْبُدَ اللهَ كَأنكَ تَرَاهُ، فإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فإِنَّهُ يَرَاكَ. قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بأعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا، إِذَا وَلَدَتِ الأمةُ رَبَّها، وِإذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ الْبُهْمِ في الْبُنْيَانِ.
في خَمْس لَا يعْلَمُهُنَّ إلَّا اللهُ، ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ - ﷺ - (إنَّ الله عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) الآية ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: رُدُّوهُ، فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاس دِينَهُمْ ".
_________________
(١) من قبورهم للحشر والحساب، وما بعد ذلك من الميزان والصراط والجنة والنار، وهو تأكيد لقوله " وبلقائه ". " قال: ما الإِسلام؟ " أي ما أركان الإسلام؟ " قال أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان " وقد تقدم شرح هذه الأركان في حديث بني الإِسلام على خمس. " قال ما الإِحسان "؟ أي ثم سأل عن المرتبة الثالثة من مراتب هذا الدين فقال: ما الإِحسان؟ أي ما هي الصفة التي إذا تحلى بها المسلم يكون محسنًا في عبادته متقنًا لها، مؤديًا لها على الوجه الأتم الأكمل. " قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " أي للإِحسان مرتبتان، مرتبة عليا، وهي مشاهدة الحق بالقلب أثناء العبادة، كأنما يشاهده العبد ببصره ومرتبة أدنى من ذلك، ولكنها من الإِحسان أيضًا، وهي مراقبة الله تعالى أثناء العبادة واستحضار كونه مطلعًا عليك اهـ كما أفاده الحافظ. " قال: متى الساعة؟ قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل " أي لست أنا بأعلم بها منك، بل نحن في الجهل بها سيان " وسأخبرك عن أشراطها " أي عن علاماتها الصغرى " إذا ولدت الأمة ربها " أي فمن علاماتها الصغرى
[ ١ / ١٣٨ ]
كثرة السراري فيتسرى الرجل جارية تلد له ولدًا، فيصبح ذلك الولد سيدَ الأمةِ، وقيل هو كناية عن كثرة العقوق، حتى يعامل الولد أمه معاملة السيد لجاريته. " وإذا تطاول رعاة الإِبل البهم في البنيان " أي ومن علاماتها الصغرى أيضًا أن يتنافس رعاة الإِبل السود في تشييد القصور والمباني العالية. " في خمس لا يعلمهن إلاّ الله " أي وأما العلم بالساعة ووقت قيامها على وجه التحديد فذلك أمر غَيْبي يدخل ضمن الغيبيات الخمسة التي لا يعلمها أحد إلاّ الله " ثم تلا النبي - ﷺ - (إن الله عنده علم الساعة) " أي ثم قرأ النبي - ﷺ - هذه الآية الكريمة مستدلًا بها على أن الله وحده هو الذي عنده علم الساعة، كما نصت عليه الآية " ثم أدبر " أي ثم ذهب ذلك الرجل " فقال: ردوه، فلم يروا شيئًا " لأنه كان قد اختفى عن أبصارهم " قال: هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم " أي هذا السائل هو جبريل مَلَك الوحي، جاء ليعلم الناس أركان دينهم، وفي رواية أنّه - ﷺ - قال " والذي نفسي بيده ما جاءني قط إلّا وأنا أعرفه إلاّ هذه المرة " وهكذا سلك جبريل في تعليمه طريق السؤال والجواب لأنه أوقع في النفس اهـ.
ويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن الإِيمان هو التصديق بجميع القضايا الاعتقادية التي جاء بها النبي - ﷺ - من وجود الله وربوبيته ووحدانيته وصفاته، والتصديق بالملائكة، والبعث والرسل والكتب السماوية والقدر وجميع الشؤون الغيبية. ثانيًا: أن أركان الإِسلام خمسة بعضها لساني قلبي كالشهادتين، وبعضها بدني كالصلاة، وبعضها مالي كالزكاة والحج. ثالثًا: أن الإِحسان وهو مقام المراقبة أغلى مقامات الدين، وهو منهاج النبيين والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. رابعًا: ظاهر الحديث أن الإِسلام والإِيمان حقيقتان متباينتان، وأن الإِسلام يطلق على الأعمال الظاهرة. والإِيمان على الأعمال الباطنة. قال الحافظ ابن حجر: "وعن الإِمام أحمد الجزم بتغايرهما، وعن
[ ١ / ١٣٩ ]
المزني (١) صاحب الشافعي أنهما عبارة عن معنى واحد" قال الحافظ: ولكل من القولين أدلة متعارضة، والذي عليه البخاري أن الإِسلام والإِيمان والدين عبارات مختلفة (٢) عن معنى واحد، والناظر في النصوص، يرى أنهما إذا اجتمعا افترقا كما في حديث جبريل هذا، وإذا افترقا اجتمعا فإذا ذكر الإِسلام وحده كان جامعًا لمعنى الإِسلام والإِيمان معًا، وإذا ذكر الإِيمان وحده كان جامعًا لمعنى الإِيمان والإِسلام معًا وهذا يدل على أنهما في الأصل اسمان لحقيقة واحدة كما ذهب إليه البخاري ويرى ابن حجر في ذلك رأيًا وسطًا حيث يقول (٣): والذي يظهر من مجموع الأدلة أن لكل منهما حقيقة شرعية، لكن كل منهما مستلزم للآخر، بمعنى التكميل له، فكما أن العامل لا يكون مسلمًا إلّا إذا اعتقد، فكذلك المعتقد لا يكون مؤمنًا كاملًا إلاّ إذا عمل، وحيث يطلق الإيمان في موضع الإِسلام، أو الإِسلام في موضع الإيمان، أو يطلق أحدهما على إرادتهما معًا، فهو على سبيل المجاز ويتبين المراد بالسياق، فإن وردا معًا في مقام السؤال حملا على الحقيقة، وكان لكل منهما معنى خاصًا، وإن لم يردا معًا أو لم يكن في مقام سؤال أمكن الحمل على الحقيقة أو المجاز، بحسب ما يظهر من القرائن، قال: وقد حكي ذلك الإِسماعيلي عن أهل السنة والجماعة. خامسًا: أن وقت قيام الساعة أمر غيْبي اختص الله بعلمه دون سواه، أما أمارات الساعة فإنها قسمان صغرى، وقد ذكر بعضها في هذا الحديث، وكبرى كالمهدي، والدجال، ونزول عيسى، وقد ذكرت في أحاديث أخرى. سادسًا: من آداب العلماء أن لا يجيبَ العالم عما لا يعرفه، وأن يقول لا أدري، لأن العلم أمانة ومسؤولية، وليس التوقف عن الإِجابة نقيصة للعالم، بل هو فضيلة فيه اقتداءً بسيد المرسلين حيث قال: ما المسؤول عنها
_________________
(١) فتح الباري، ج ١.
(٢) شرح العيني، ج ١.
(٣) فتح الباري، ج ١.
[ ١ / ١٤٠ ]