٤١ - عن النُّعْمَانِ بْنِ بَشير ﵄ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيّنٌ، وَبَيْنَهُمَا
_________________
(١) بأعلم من السائل. سابعًا: الترغيب في السؤال عما ينفع في الدنيا والآخرة، وترك السؤال عما لا فائدة فيه. المطابقة: في قول جبريل " ما الإِيمان، ما الإِسلام، ما الإِحسان ".
(٢) " باب من استبرأ لدينه وعرضه "
(٣) الحديث: أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، والترمذي في البيوع وابن ماجه في الفتن، والبخاري في البيوع وفي هذا الباب. ترجمة راوي الحديث: هو النعمان بن بشير الأنصاري الخزرجي، ولد بعد أربعة عشر شهرًا من الهجرة، وهو أول أنصاري ولد بعد الهجرة، صحابي ابن صحابي، روى عن النبي - ﷺ - مائة وأربعة عشر حديثًا، وله في البخاري ستة أحاديث، كان عاملًا على حمص لابن الزبير، فلما تمرد أهل حمص خرج هاربًا فقتل في واسط بين دمشق وحمص (؟) سنة خمس وستين هجرية. معنى الحديث: يقول النعمان بن بشير ﵄: " سمعت رسول الله - ﷺ - الحلال بين والحرام بين " يعني أن الحلال ظاهر واضح وهو كل شيء لا يوجد دليل على تحريمه من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، وذلك لأنّ الأصل في الأشياء الإِباحة كما يقول علماء التشريع الإِسلامي لقوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا) وكذلك الحرام ظاهر واضح، وهو ما دل دليل على تحريمه، سواء كان هذا الدليل من الكتاب كالزنا فإنه حرام بنص القرآن حيث قال تعالى: (ولا تقربوا الزنا إنه كان
[ ١ / ١٤١ ]
مُشَبَّهَاتٌ، لا يَعْلمها كَثِير مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ فقَدِ اسْتَبْرَأ لِدِينهِ وعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في المُشَبَّهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أن يُواقِعَه، ألا وِإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمىً، ألا وِإنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، ألا
ــ
فاحشة وساء سبيل) أو كان من السنة كأكل الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، فهو محرم بالسنة، أو كان دليل التحريم من الإِجماع كحفر الآبار في طريق المسلمين وإلقاء السم في الطعام إذا علم أو ظهر أنهم يأكلونه فإنه حرام بالإجماع. أو كان الدليل من القياس كتحريم كل (١) إساءة للأبوين قياسًا على تحريم التأفف في قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) وكتحريم التغوط في الماء الراكد والاغتسال فيه، قياسًا على تحريم التبول. من قوله - ﷺ - " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه " وهذا القياس يسمى عند علماء الأصول بالقياس الأولوي. ثم قال - ﷺ - "وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس " أي وبين الحلال والحرام قسم ثالث وهو المشتبهات - أي الأمور التي تكون غير واضحة الحكم من حيث الحل والحرمة، فلا يعلم الكثيرون هل هي حلال أو حرام، ويدخل في ذلك جميع الأمور المشكوك فيها، مثل المال المشبوه أو المخلوط بالربا، أو غيره من الأموال المحرمة (٢) أما إنْ تأكد أن هذا من عين المال الربوي فإنه حرام صرف دون شك. وكذلك لو تأكد أنه من عين المال الحرام كالمغصوب مثلًا أو القمار فإنه حرام أيضًا، ولا يعد من المشتبهات. " فمن اتّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " أي من اجتنبها فقد طلب البراءة لنفسه دينًا وعرضًا، فيسلم له دينه من النقص، وعرضه من القدح والذم والسمعة السيئة "ومن وقع في الشبهات: كراع
_________________
(١) " أصول الفقه " لفضيلة العلامة التونسي الشيخ محمد الطاهر النيفر.
(٢) ومن المتشابه أيضًا ما تعارضت فيه الأدلة الشرعية كيمين الحرام كما أفاده ابن رجب.
[ ١ / ١٤٢ ]
وِإنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وَهِيَ الْقَلْبُ".
_________________
(١) يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه" أي ومن اجترأ على الشبهات فقد عرض نفسه للخطر، وأوشك على الوقوع في الحرام، مثله في ذلك مثل راع يرعى حول الأرض التي حماها الملك لنفسه، وجعلها خاصة له، فإن هذا الراعي قد تدخل ماشيته في الحمى، فيستحق عقوبة السلطان، كذلك من يتهاون بالشبهات، فإنه على خطر لأنّها ربما كانت حرامًا فيقع فيه، وهناك معنى آخر، وهو أنه ربما تساهل في الشبهات فأدى به ذلك إلى الاستهتار واللامبالاة، فيقع في الحرام عمدًا، فإن الشبهة تجر إلى الصغيرة. والصغيرة تجر إلى الكبيرة نسأل الله السلامة. " ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمي الله محارمه " أي وإن حمى الله هي المعاصي التي حرمها على عباده، فمن دخل حماه بارتكاب شيء من المعاصي هلك، ومن قاربه بفعل الشبهات كان على خطر، وقد قال الشاعر: إنَّ السلامَةَ مِن لَيْلى وَجَارَتِهَا أن لَا تَمُرَّ بِنَا مِنْ حَوْلِ نَادِيْهَا " ألا وإن في الجسد مضغة " أي قطعة لحم صغيرة بقدر ما يمضغ " إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب " فكما أن القلب من الناحية الجسمية هو العضو الرئيس في الجسد، ومصدر الحياة فيه لارتباط حركة الدم به، فكذلك هو في نظر الإِسلام مصدر صلاح الإنسان وفساده من الناحية الروحية والدينية، وهو الموجه لسلوك الإِنسان وَأعماله من الأقوال والأفعال فمتى كان القلب سليمًا من العقائد الخبيثة كالكفر والنفاق. والإِلحاد، ومن الأمراض النفسية كالكبر والاستعلاء والحقد والحسد والكراهية وغيرها، عامرًا بالإِيمان والخوف من الله والحب في الله، صلحت
[ ١ / ١٤٣ ]
أعمال الجوارح واستقام سلوك الإِنسان دينيا واجتماعيًا، والعكس بالعكس، وهو معنى قوله: "إذا صلحت صلح الجسد كله" أي صلحت أعْمال الجسد وسلوكه الظاهري ولهذا جاء في الحديث "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه".
ويستفاد منه: ما يأتي: أولًا: أن أحكام الشريعة الإسلامية من حلال وحرام، وواجب ومندوب ومكروه، كلها واضحة جلية لا عذر لأحد في الجهل بها، لأنها ميسورة العلم سهلة المنال ومن جهل منها شيئًا فعليه أن يسأل أهل العلم فذلك واجب. ثانيًا: الترغيب في الورع واتقاء الشبهات لكي يسلم للمؤمن دينه وعرضه، وقد قسم ابن المنذر الشبهات إلى ثلاثة أقسام: الأول: شيء يعلمه المرء حرامًا، ثم يشك فيه هل هو باق على حرمته أم لا فلا يحل الإِقدام عليه إلاّ بيقين كشاتين ذبح إحداهما كافرٌ، وشككنا في تعيينها. الثاني: أن يكون الشيء حلالًا فيشك في تحريمه كالزوجة، يشك في طلاقها، فلا يعتبر ذلك، ولا أثر له. الثالث: شيء يشك في حرمته وحله على السواء فالأوْلى التنزه عنه، كما فعل رسول الله في التمرة الساقطة، حيث تركها خشية أن تكون من تمور الصدقة اهـ واتقاء هذا النوع الأخير مستحب على أرجح الأقوال، وفعله مكروه، وقد قال سفيان: لا يصيب عبد حقيقة الإِيمان حتى يدع الإِثم وما تشابه منه. ثالثًا: أن من أتى شيئًا يظنه الناس شبهة ويخشى طعن الناس عليه بسببه، وهو يعلم أنه حلال، فإنه يحسن له تركه، لسلامة عرضه، وأن من وقع في أمرٍ يدعو الناس إلى الوقيعة فيه، أن يتخذ ما يصونه عن سوء الظن به، كمن أحدث في صلاته مثلًا، فإنه يستحب له أن يأخذ بأنفه موهمًا أنه رعف. رابعًا: أنه يجب على الإنسان أن لا يعرِّض نفسه لمواقف التهم، محافظة على سلامة عرضه، لقوله - ﷺ - " من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " ولهذا قال بعض السلف: من عرّض نفسه للتهم فلا يلومن من أساء الظن به، وقد قال الشاعر:
[ ١ / ١٤٤ ]