٥٣ - عن أبي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: قَعَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى بَعِيرِهِ، وأمسكَ انْسَان بِخِطَامِهِ أو بِزِمَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: أيُّ يَوْم هذَا؟ فسكتنَا حتى ظَنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِّيْهِ سوى اسْمِهِ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: أليْس يَوْمَ النَّحْرِ، قُلْنَا بَلَى، قَالَ: فأيُّ شَهْرٍ هذَا؟ فَسَكَتنا حتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْر اسْمِهِ، فَقَالَ: أليْس بذي الْحِجَّةِ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وأمْوَالَكُمْ
_________________
(١) فإنهم هم القوم لا يشقى بهم جليسهم. " وأما الآخر " وهو الذي انصرف ولم يجلس " فأعرض فأعرض الله عنه " أي فإن كان قد انصرف كارهًا فقد باء بسخط الله وغضبه، وإن كان له عذره فقد حُرِمَ من شرف ذلك المجلس وثوابه. ويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن من آداب المجالس العلمية وغيرها أن يجلس القادم حيث ينتهي به المجلس، ويشمل ذلك النوادي الأدبية والمساجد والمجتمعات العامة أو الخاصة، كما ترجم له البخاري، لأن النبي - ﷺ - أثنى على من جلس خلف الحلقة ولم يزاحم غيره. ثانيًا: أن مجالس العلم هي مجالس الخير ورياض الجنة، من جلس إليها كان في كنف الله تعالى، وفاز برضوانه، وآواه الله إليه. ثالثًا: أنه يستحب لمن وجد فرجة في الحلقة أن يجلس فيها. والمطابقة: في قَوله وأما الآخر فجلس خلفهم.
(٢) باب قول النبي - ﷺ -: " ربَّ مبلغ أوعى من سامع "
(٣) الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي. معنى الحديث: يقول أبو بكرة ﵁ " قعد النبي - ﷺ - على بعيره " يوم النحر بمنى في حجة الوداع " وأمسك إنسان " وهو بلال رضي
[ ١ / ١٦٨ ]
وأعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرامٌ كحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا في شَهْرِكُمْ هَذَا في بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغَ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فإنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أوْعَى له مِنْهُ".
_________________
(١) الله عنه " بخطامه أو بزمامه، ثم قال: أي يوم هذا؟ فسكتنا " لأنَّه سأل عن شيءٍ لا يجهله أحد، فظنوا أنه أراد غيره، " فظننا أنه سيسميه سوى اسمه " المعروف لدينا " قال: أليس يوم النحر! قلنا: بلى " هو كما ذكرت " قال: فأي شهر هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال: أليس بذي الحجة؟ قلنا: بلى " هو كما ذكرت " قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام " أي فإن حقوق كل واحد منكم أيها الناس من دم أو مال أو عرض محرمة على أخيه في جميع الأديان السماوية " كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا " أي إن الله حرم هذه الحقوق الإِنسانية، كما حرم القتال في هذا اليوم من هذا الشهر في هذا البلد منذ خلق السموات والأرض، وإنما شبه تحريم حقوق الإنسان هذه بحرمة يوم النحر في شهر ذي الحجة في هذا البلد الأمين لأن تحريمه كان ثابتًا عند العرب راسخًا في قلوبهم، بخلاف حقوق الإنسان، فإنهم كانوا يجهلونها، ويتهاونون فيها في الجاهلية، فشبه لهم هذه بهذه لتأكيد حرمتها. ثم قال - ﷺ -: " ليبلغ الشاهد الغائب " فأمرهم أن لا يكتفوا بسماع حديثه هذا والعمل به فقط، بل عليهم أيضًا أن يقوموا بتبليغه وروايته إلى غيرهم، فليبلغ الحاضر منهم الغائب، ويروي له حديث النبي - ﷺ - هذا، ليبقى حديث رسول الله - ﷺ - موجودًا في أمته تتداوله الأجيال جيلًا بعد جيل إلى قيام الساعة ولتؤخذ منه المسائل، وتستنبط الأحكام الفقهية على مر الأزمان والعصور " فإن الشاهد عسى أن ييلغ من هو أوعى منه " أي فإنَّ راوي الحديث قد يبلغه إلى من هو أفقه وأقدر على استنباط الأحكام الشرعية منه.
[ ١ / ١٦٩ ]