٦٧ - عَن أبِي هُرَيْرَةَ ﵁:
عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: " يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِتَنُ، ويَكْثُرُ الْهَرْجُ، قيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْهَرْجُ؟ فقَالَ: هَكَذَا بِيَدِه فَحَرَّفَهَا، كأنَّهُ يُرِيدُ الْقَتْلَ.
ــ
عن شيء قدم ولا أخر إلاّ قال: افعل ولا حرج" أي لا إثم ولا دم عليك. ويستفاد منه يأتي: أولًا: جواز سؤال العالم راكبًا أو ماشيًا أو واقفًا، وهو ما ترجم له البخاري لأن النبي - ﷺ - سئل عن المناسك وهو راكب على بعيره. ثانيًا: أن الترتيب بين أعمال يوم النحر (١) سنة لا واجب، وسيأتي تفصيله في الحج. ثالثًا: أنه يستحب لمن يتصدى للفتوى أن يتحرى الأماكن العامة الحافلة بالناس، ليتمكن من أداء واجبه على الوجه الأكمل. الحديث: أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة. والمطابقة: في قوله " إن رسول الله - ﷺ - وقف في حجة الوداع للناس يسألونه ".
٥٣ - " باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس "
٦٧ - معنى الحديث: يقول النبي - ﷺ - " يقبض العلم " أي من علامات الساعة أن يرفع العلم بموت العلماء "ويظهر الجهل والفتن " التي تصيب الناس في دينهم حتى يصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر " ويكثر الهَرْج " بسكون الراء " قيل: يا رسول الله وما الهرج؟ فقال: هكذا يده فحرفها " أي حركها " كأنه يريد القتل " أي فلما سئل - ﷺ - عن معنى الهرْج حرك يده - ﷺ - كالضارب يشير بذلك إلى أن معناه القتل
_________________
(١) وهي رمي جمرة العقبة والنحر والحلق.
[ ١ / ١٨٥ ]
٦٨ - عَنْ أسْمَاءَ بنتِ أبِي بكْرٍ ﵄ قَالَتْ أتيتُ عَائِشَةَ وهِىَ تُصَلِّي فَقُلتُ: مَا شَأنُ النَّاس؟ فأشَارَتْ إلى السَّمَاءِ، فإذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ سُبْحَانَ اللهِ! قُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأشَارَتْ بِرَأسِهَا، أيْ نَعَمْ، فَقُمْتُ حتَّى عَلَانِيَ الغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أصُبُّ على رأسِي الْمَاءَ، فَحَمِدَ اللهَ
_________________
(١) وسفك الدماء. يعني ويكثر في الناس القتل وسفك الدماء وتنتشر الحروب والمعارك الدامية. الحديث: أخرجه الشيخان. والمطابقة: في قوله " فقال هكذا بيده فحركها ".
(٢) ترجمة راوية الحديث: هي أسماء بنت أبي بكر ﵄ أخت عائشة من أبيها، وأم عبد الله بن الزبير، ولدت قبل الهجرة بسبع وعشرين عامًا، وهاجرت إلى المدينة بعبد الله، روت عن النبي - ﷺ - (٥٦) حديثًا اتفقا على أربعة عشر، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بأربعة، وتوفيت بمكة سنة (٧٣) هـ بعد أن عاشت مائة عام. معنى الحديث: تقول أسماء ﵂ " أتيت عائشة وهي تصلي فقلت ما شأن الناس فأشارت إلى السماء " أي جئت إلى عائشة ﵂ وهي تصلي مع النبي - ﷺ - صلاة الجماعة في غير الأوقات المعتادة للصلوات الخمس، فأثار ذلك انتباهي، وأحسست أن شيئًا قد حدث، فقلت لعائشة: ما بال الناس يصلون جاعة في غير وقت الفريضة، فأشارت بيدها إلى السماء، إشارة معناها انظري إلى السماء تعرفين سبب هذه الصلاة، وهو كسوف الشمس. " فقالت سبحان الله " أي فلما أشارت بيدها إلى السماء، قالت: سبحان الله لتنبِّهني إلى ما حدث بالتسبيح والإِشارة معًا " قلت: آية؟ " أي هذا الكسوف آية من آيات الله يخوف الله بها عباده " فأشارت برأسها أي نعم " أي فأشارت إشارة تفسيرُها نعم " قمت حتى علاني الغشي "
[ ١ / ١٨٦ ]
النَّبِيُّ - ﷺ - وأثْنَى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: مَا مِنْ شَىءٍ لَمْ أكنْ أرِيتُهُ إلَّا رَأيْتُهُ في مَقَامِي هَذَا، حَتَّى الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فأوْحَى اللهُ إليَّ أنكُمْ تُفْتَنُونَ في قُبُورِكُمْ مِثْلَ أوْ قَرِيبًَا مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فأمَّا الْمُؤْمِنُ أو الْموْقِنُ لا أدْرِي بأيَّهُمَا قَالَتْ أسْمَاءُ فَيَقُولُ: هُو مُحمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، جَاءَنَا بالبَيِّناتِ والْهُدَى، فأجَبْنَاهُ واتَبّعْنَاهُ، هُوَ محمدٌ ثَلَاثًا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا (١)، قَدْ عَلِمْنَا إنْ كُنْتَ لَموقِنًَا بِهِ، وأمَّا الْمُنَافِقُ أو المُرْتَابُ لا أدْرِي أي ذلِكَ قَالَتْ أسْمَاءُ فَيقُولُ: لا أدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًَا فَقُلْتُهُ ".
ــ
بفتح الغين وسكون الشين أو بكسر الشين وتشديد الياء، أي فدخلت معهم في الصلاة فوقفت وقوفًا طويلًا حتى أصابتني غشاوة، وهي حالة مرضية تحدث عادةً بسبب طول في الوقوف في شدة الحر " فجعلت أصب على رأسي الماء " لتخفيف الحرارة " فحمد الله وأثنى عليه " أي فلما فرغ من صلاته خطب خطة بليغة بدأها بحمد الله والثناء عليه " ثم قال: ما من شيء لم أكن أريته إلاّ رأيته في مقامي هذا " أي ما هناك شيء لم يسبق لي رؤيته والاطلاع عليه إلاّ رأيته في مكاني وزماني هذا " حتى الجنة " بالرفع على أنه مبتدأ وخبرُه محذوف تقديره حتى الجنة مرئية مكشوفة أمامي " فأوحى الله إليّ أنكم تفتنون في قبوركم " بسؤال الملكين " مثل أو قرييًا من فتنة المسيح الدجال " أي فتكون فتنة القبر شديدة تشبه فتنة الدجال أو تقرب منها " يقال: ما علمك بهذا الرجل؟ " المشار إليه وهو النبي - ﷺ - أي ماذا تعرف عنه؟
" فأمّا المؤمن أو الموقن فيقول: هو محمد رسول الله " أي فأما من كان في دنياه مؤمنًا موقنًا حقًا، فإن الله يثبته بالقول الثابت، ويلهمه الجواب
_________________
(١) قوله ثم صالحًا أبي صالحًا للتكريم وإهلاله.
[ ١ / ١٨٧ ]