٩٤ - عن أنسٍ ﵁:
أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ علَى الرَّحْلِ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ قَالَ: لَبَّيكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: يَا مُعَاذُ، قَالَ: لَبَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلاثًا. قَالَ: مَا مِنْ أحَدٍ يَشْهَدُ أنْ لا إِلَه إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا
ــ
أَمْرِ رَبِّي) " أي قل لهم يا محمد إن الروح أمر رباني استأثر الله بعلمه دون سواه (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) أي وإن العلم الذي لديكم ليس إلّا شيئًا قليلًا وجزءًا يسيرًا لأن علم الإنسان بالغًا ما بلغ، فهو محدود، وعقله أيضًا محدود، وأسرار هذا الوجود أوسع من أن يحيط بها العقل البشري المحدود. الحديث: أخرجه الشيخان والنسائي والترمذي. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.
ويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن الروح غيب، وسر من أسرار الله القدسية استأثر الله بعلمه، وأودعه بعض مخلوقاته نعرف آثاره، ونجهل حقيقته، وقد وقف هذا الإنسان حسيرًا أمام (١) ذلك السر اللطيف لا يدري ما هو: ولا يعرف عنه إلا ما جاء في بعض الأخبار الصحيحة. ثانيًا: قلة علم الإنسان وضالته، وأن العقل البشري لا يحيط بكل شيء.
٧٤ - " باب من خص بالعلم قومًا دون قوم "
٩٤ - معنى الحديث: يقول أنس ﵁ " كان معاذ رديف رسول الله - ﷺ - " أي كان راكبًا خلفه " على الرحل " وهو كل شيء أعِدَّ
_________________
(١) في ظلال القرآن المجلد الرابع.
[ ١ / ٢٢٧ ]
رَسُولُ اللهِ صِدْقًَا من قَلْبِهِ، إلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أفلَا أخْبِرُ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: إِذًَا يَتَّكِلُوا (١).
ــ
للرحيل من وعاء للمتاع ومركب للبعير، وجمعه أرحل ورحال، كما أفاده في المصباح " قال: يا معاذ بن جبل قال: لبيك يا رسول الله وسعديك قال: يا معاذ، قال لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثًا " أي ها أنا حاضر بين يديك أجيبك إجابة بعد إجابة وأسعدك إسعادًا بعد إسعاد " قال: ما من أحد يشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه " أي لا ينطق أحدٌ بالشهادتين نطقًا مطابقًا لما في قلبه " إلاّ حرمه الله على النار " أي حرم عليه الخلود فيها. الحديث: أخرجه الشيخان.
ويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن مرتكب الكبيرة لا يخلد في النار خلافًا للخوارج لقوله - ﷺ -: " إلاّ حرمه الله على النار ". فإن أقل ما يدل عليه أن الفاسق لا يخلد في النار. ثانيًا: أن من العلم ما يعطى لعامة الناس، ومنه ما يعطى للخاصة فقط كما ترجم له البخاري، لأن النبي - ﷺ - خصّ بهذا الحديث معاذًا، فدل ذلك على أن من العلم ما لا يقال إلاّ لأهله ممن يتوفر فيهم الذكاء والفهم الصحيح، ولا يُحدِّث به من لا يفهمه، وقد قال علي ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذَّب الله ورسوله.
مطابقة الحديث للترجمة: في كونه - ﷺ - خص معاذًا بهذا الحديث.
_________________
(١) أي يعتمدون على مجرد الشهادتين، ويتركون العمل وهو جزء من الإيمان.
[ ١ / ٢٢٨ ]