١٥ - عن أنس ﵁:
عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "ثَلَاث مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ،
_________________
(١) لنبيه - ﷺ - على حبه لأي شيء في هذا الوجود، مهما يكن عزيزًا لديه، ولا غرابة لأن العاطفة الدينية إذا قويت تغلبت على الغريزة النفسية، وسادت عليها، فيحب المؤمن نبيه الذي هو سبب هدايته أقوى مما يحب والده وولده، بل أقوى مما يحب نفسه، وهُوَ ما يعرف عند علماء النفس بالعاطفة السائدة، وإذا كان هذا الحب صادقًاْ فإنّه لا بد أن يحمل صاحبه على متابعة النبي - ﷺ -، والعمل بسنته، لأنّ من البدهيات المعروفة نفسيًا، أن كل إنسان يتبع من يحبه، ويطيعه في كل شيء. فالحب الصادق. لا بد أن يؤدى بصاحبه إلى المتابعة كما قال الشاعر: تَعْصِي الإِلهَ وَأنتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ هذا لَعَمْرِي في القِيَاسِ بَدِيْعُ لَوْ كان حُبُّكَ صَادِقًا لأطَعْته إنّ المُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيْعُ ولهذا كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يجمعون بين الحب والعمل معًا. ثانيًا: أن من علامات الحب الصادق للنبي - ﷺ - التمسك بسنته، وكمال متابعته، لأنه لن يكون النبي - ﷺ - أحب إليه من كل شيء إلاّ إذا قدم أمره ونهيه على كل شيء ولهذا قال - ﷺ - في حديث آخر " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئتُ به ". مطابقة الحديثين للترجمة: في كونه علق الإيمان الكامل على محبته - ﷺ -.
(٢) باب حلاوة الإِيمان
(٣) الحديث: أخرجه الشيخان، والترمذي والنسائي أيضًا. الراوي: هو أنس بن مالك تقدمت ترجمته.
[ ١ / ٩٣ ]
أنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أحبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأنْ يُحبَّ الْمَرءَ لا يُحِبُّهُ
ــ
معنى الحديث: أن للإِيمان حلاوة روحية، ولذة قلبية، لا تعدلها لذة أخرى في هذا الوجود، ولكن لا يتذوق هذه الحلاوة إلاّ من وجدت فيه ثلاث صفات كما قال - ﷺ - " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ". الصفة الأولى: " أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما " أي أن يتغلب الحب الإِلهي على نفسه، ويسيطر على كل عواطفه ومشاعره، فيكون حبه لله ورسوله أقوى من حبه لوالده وولده وماله وجاهه، بل أقوى من حبه لنفسه ومن كل شهواته النفسية، وهذه هي حقيقة الإِيمان التي إذا بلغها العبد كان هواه تبعًا لما جاء به - ﷺ - كما جاء في الحديث، ومن علامات ذلك كمال الطاعة، وتمام المتابعة، ولهذا قال ابن قدامة (١) رحمه الله تعالى: " من أحب الله لا يعصيه " ومراده أن الحب الإلهي الكامل يحول دون المعصية، لأن حلاوة الإِيمان وحب الله تمنع عن كل ما يغضب الله. والصفة الثانية " وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله " أي أن يحب أخاه المسلم محبة خالصة ابتغاء مرضاة الله لمزية دينية موجودة فيه، أو فائدة شرعية يستفيدها منه، من علم نافع أو سلوك حسن، أو صلاح أو عبادة. والصفة الثالثة " أن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار " أي أن تخالط قلبه بشاشة الإِيمان، فيكره الرجوع إلى الكفر - بعد أن هداه الله إلى الإِسلام، كما يكره أن يلقى في النار لعلمه يقينًا أن الكفر سبب للخلود فيها. والمطابقة: في كون الترجمة جزءًا من الحديث.
ويستفاد منه ما يأتي: أولًا: أن الإِيمان الكامل يربي في النفس أسمى العواطف الدينية، وهي ثلاث عواطف. عاطفة الحب الإِلهي: وقد أشار إليها
_________________
(١) " مختصر منهاج القاصدين ".
[ ١ / ٩٤ ]
إلَّا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ إِلَى الْكفْرِ كمَا يَكْرَة أنْ يُقْذَفَ في النَّارِ".