وأخيرًا نذكر شيئًا يسيرًا مما يهم من يدرس علم الحديث عامة، وكتاب صحيح مسلم خاصة، وقد ذكره النووي في مقدمة شرحه على صحيح مسلم ضمن قواعد أخرى كثيرة نذكر هذا القدر اليسير فيما يلي من كلامه. قال:
فصل: جرت العادة بالاقتصار على الرمز في حَدَّثَنَا وأخبرنا، واستمر الاصطلاح عليه من قديم الأعصار إلى زماننا، واشتهر ذلك بحيث لا يخفي، فيكتبون من حَدَّثَنَا (ثنا) وهي الثاء والنون والألف، وربما حذفوا الثاء. ويكتبون من أخبرنا (أنا) ولا يحسن زيادة الباء قبل نا.
وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد (ح) وهي حاء مهملة مفردة، والمختار أنَّها مأخوذة من التحول، لتحوله من الإسناد إلى إسناد، وأنه يقول القارىء إذا انتهى إليها (ح)، ويستمر في قراءة ما بعدها.
وقيل: إنها من حال بين الشيئين إذا حجز، لكونها حالت بين الإسنادين، وأنه لا يلفظ عند الانتهاء إليها بشيء، وليست من الرواية وقيل: إنها رمز إلى قوله الحديث، وأن أهل المغرب كلهم يقولون إذا وصلوا إليها الحديث. وقد كتب جماعة من الحفاظ موضعها "صح" فيشعر بأنها رمز "صح"، وحسنت ههنا كتابة "صح" لئلا يتوهم أنه سقط متن الإسناد الأول.
ثم هذه الحاء توجد في كتب المتأخرين كثيرًا، وهي كثيرة في صحيح مسلم، قليلة في صحيح البخاري، فتأكد احتياج صاحب هذا الكتاب إلى معرفتها، وقد أرشدناه إلى ذلك. ولله الحمد والنعمة والفضل والمنة.
فصل: ليس للراوي أن يزيد في نسب غير شيخه ولا صفته على ما سمعه من شيخه،
_________________
(١) تاريخ بغداد: ١٣/ ١٠٣، سير أعلام النبلاء: ١٢/ ٥٦٤.
[ ١ / ٢٠ ]
لئلا يكون كاذبًا على شيخه، فإن أراد تعريفه وإيضاحه، وزوال اللبس المتطرق إليه، لمشابهة غيره، فطريقه أن يقول: قال حدثني فلان يعني ابن فلان أو الفلاني، أو هو ابن فلان أو الفلاني، ونحو ذلك، فهذا جائز حسن، قد استعمله الأئمة، وقد أكثر البخاري ومسلم منه في الصحيحين غاية الإكثار، حتى إن كثيرًا من أسانيدهما يقع في الإسناد الواحد منها موضعان أو أكثر من هذا الضرب، كقوله في أول كتاب البخاري، في باب من سلم المسلمون من لسانه ويده: قال أبو معاوية: حَدَّثَنَا داود، هو ابن أبي هند، عن عامر قال سمعت عبد الله، هو ابن عمرو. وكقوله في كتاب مسلم، في باب منع النساء من الخروج إلى المساجد: حَدَّثَنَا عبد الله بن مسلمة: حَدَّثَنَا سليمان، يعني ابن بلال، عن يحيى، وهو ابن سعيد ونظائره كثيرة.
وإنما يقصدون بهذا الإيضاح، كما ذكرنا أولا، فإنه لو قال: حَدَّثَنَا داود أو عبد الله لَمْ يعرف من هو، لكثرة المشاركين في هذا الاسم، ولا يعرف ذلك في بعض المواطن إلَّا الخواص والعارفون بهذه الصنعة، وبمراتب الرجال، فأوضحوه لغيرهم، وخففوا عنهم مؤونة النظر والتفتيش.
وهذا الفصل نفيس يعظم الانتفاع به، فإن من لا يعاني هذا الفن قد يتوهم أن قوله "يعني" وقوله "هو" زيادة لا حاجة إليها، وأن الأولى حذفها، وهذا جهل قبيح والله أعلم.
فصل: في ضبط جملة من الأسماء المتكررة في صحيحي البخاري ومسلم المشتبهة، فمن ذلك "أُبَيّ" كله بضم الهمزة وفتح الباء وتشديد الياء إلَّا "آبي اللحم" فإنه بهمزة ممدودة مفتوحة، ثم باء مكسورة، ثم ياء مخففة؛ لأنه كان لا يأكل اللحم، وقيل: لا يأكل ما ذبح على الأصنام.
ومنه "البراء" كله مخفف الراء إلَّا أبا معشر البرّاء، وأبا العالية البرّاء، فبالتشديد وكله ممدود.
ومنه "يزيد" كله بالمثناة من تحت والزاي إلَّا ثلاثة، أحدهم بريد بن عبد الله بن أبي بردة، بضم الموحّدة وبالراء والثاني محمد بن عرعرة بن البرند بالموحدة والراء المكسورتين، وقيل: بفتحهما، ثم نون، والثالث علي بن هاشم بن البريد، بفتح الموحّدة وكسر الراء ثم مثناة من تحت.
ومنه "يسار" كله بالمثناة والسين المهملة، إلَّا محمد بن بشار شيخهما، فإنه بالموحدة ثم المعجمة. وفيهما سيار بن سلامة وابن أبي سيار بتقديم السين.
[ ١ / ٢١ ]
ومنه "بشر" كله بكسر الموحّدة، وبالشين المعجمة، إلَّا أربعة، فبالضم والمهملة، عبد الله بن بسر الصحابي، وبسر بن سعيد، وبسر بن عبيد الله، وبسر بن محجن، وقيل: هذا بالمعجمة.
ومنه "بشير" كله بفتح الموحّدة وكسر الشين المعجمة، إلَّا اثنين، فبالضم وفتح الشين، وهما بشير بن كعب، وبشير بن يسار، وإلا ثالثًا، فبضم المثناة وفتح السين المهملة، وهو يسير بن عمرو، ويقال: أسير، ورابعًا بضم النون وفتح المهملة، وهو قطن بن نسير.
ومنه "حارثة" كله بالحاء والمثلثة، إلَّا جارية بن قدامة. ويزيد بن جارية. فبالجيم والمثناة.
ومنه "جرير" كله بالجيم والراء المكررة، إلَّا حريز بن عثمان، وأبا حريز عبد الله بن الحسين الراوي عن عكرمة، فبالحاء والزاي آخرًا، ويقاربه حدير، بالحاء والدال، والد عمران بن حدير، ووالد زيد وزياد.
ومنه "حازم" كله بالحاء المهملة، إلَّا أبا معاوية محمد بن خازم فبالمعجمة.
ومنه "حبيب" كله بالحاء المهملة، إلَّا خبيب بن محمدي، وخبيب بن عبد الرَّحمن، وخبيبًا غير منسوب، عن حفص بن عاصم، وخبيبا كنية ابن الزبير، فبضم المعجمة.
ومنه "حيان" كله بفتح الحاء وبالمثناة، إلَّا خباب بن منقذ والد واسع بن خباب، وجد محمد بن يحيى بن خباب، وجد خباب بن واسع بن خباب. وإلا خباب بن هلال، منسوبًا وغير منسوب، عن شعبة ووهيب وهمام وغيرهم، فبالموحدة وفتح الخاء وإلا حبان بن العرقة، وحبان بن عطية، وحبان بن موسى، منسوبًا وغير منسوب، عن عبد الله - هو ابن المبارك - فبالموحدة وكسر الحاء.
ومنه "خراش" كله بالخاء المعجمة، إلَّا والد ربعي، فبالمهملة.
ومنه "حزام" في قريش بالزاي، وفي الأنصار بالراء.
ومنه "حصين" كله بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين، إلَّا أبا حصين عثمان بن عاصم، فبالفتح، وإلا أبا ساسان حضين بن المنذر، فبالضم، والضاد معجمة فيه.
ومنه "حكيم" كله بفتح الحاء وكسر الكاف، إلَّا حكيم بن عبد الله، وزريق بن حكيم، فبالضم وفتح الكاف.
ومنه "رباح" كله بالموحدة، إلَّا زياد بن رياح عن أبي هريرة في أشراط الساعة، فبالمثناة عند الأكثرين، وقاله البخاري بالوجهين: المثناة والموحدة.
[ ١ / ٢٢ ]
ومنه "زبيد" بضم الزاي وفتح الموحّدة، ثم مثناة، هو زبيد بن الحارث، ليس فيهما غيره، وأما زييد، بضم الزاي وكسرها وبمثناة مكررة، فهو ابن الصلت في الموطأ، وليس له ذكر فيهما.
ومنه "الزبير" كله بضم الزاي، إلَّا عبد الرَّحمن بن الزبير الذي تزوج امرأة رفاعة، فبالفتح.
ومنه "زياد" كله بالياء، إلَّا أبا الزناد، فبالنون.
ومنه "سالم" كله بالألف، ويقاربه سلم بن زرير، بفتح الزاي، وسلم بن قتيبة، وسلم بن أبي الذيال، وسلم بن عبد الرَّحمن، فبحذفها.
ومنه "سريج" بالمهملة والجيم، ابن يونس، وابن النعمان، وأحمد بن أبي سريج، ومن عداهم فبالمعجمة والحاء.
ومنه "سلمة" كله بفتح اللام، إلَّا عمرو بن سلمة إمام قومه، وبني سلمة القبيلة من الأنصار، فبكسرها، وفي عبد الخالق بن سلمة الوجهان.
ومنه "سليمان" كله بالياء إلَّا سلمان الفارسي، وابن عامر، والأغر، وعبد الرَّحمن بن سلمان، فبحذفها.
ومنه "سلّام" كله بالتشديد، إلَّا عبد الله بن سلام الصحابي، ومحمد بن سلام شيخ البخاري، وشدد جماعة شيخ البخاري، ونقله صاحب المطالع عن الأكثرين والمختار الذي قاله المحققون التخفيف.
ومنه "سليم" كله بضم السين، إلَّا سليم بن حيان، فبفتحها.
ومنه "شيبان" كله بالشين المعجمة، وبعدها ياء ثم باء، ويقاربه سنان بن أبي سنان، وسنان بن ربيعة، وسنان بن سلمة، وأحمد بن سنان، وأبو سنان ضرار، وأم سنان، وكلهم بالمهملة بعدها نون.
ومنه "عباد" كله بالفتح وبالتشديد، إلَّا قيس بن عباد، فبالضم والتخفيف.
ومنه "عبادة" كله بالضم، إلَّا محمد بن عبادة شيخ البخاري، فبالفتح.
ومنه "عبدة" كله بإسكان الباء، إلَّا عامر بن عبدة، وبجالة بن عبدة، ففيهما الفتح والإسكان، والفتح أشهر.
ومنه "عبيد" كله بضم العين.
ومنه "عبيدة" كله بالضم، إلَّا السلماني، وابن السفيان، وابن حميد، وعامر بن عبيدة،
[ ١ / ٢٣ ]
فبالفتح.
ومنه "عقيل" كله بفتح العين، إلَّا عقيل بن خالد، ويأتي كثيرًا عن الزهري غير منسوب، وإلا يحيى بن عقيل، وبني عقيل، فبالضم.
ومنه "عمارة" كله بضم العين.
ومنه "واقد" كله بالقاف.
وأما الأنساب فمنها الأيلي، كله بفتح الهمزة وإسكان المثناة، ولا يرد علينا شيبان بن فروخ الأبلي، بضم الهمزة وبالموحدة، شيخ مسلم، فإنه لَمْ يقع في صحيح مسلم منسوبًا.
ومنها "البصري" كله بالموحدة مفتوحة ومكسورة، نسبة إلى البصرة، إلَّا مالك بن أوس بن الحدثان النصري، وعبد الواحد النصري، وسالمًا مولى النصريين، فبالنون.
ومنها "الثوري" كله بالمثلثة إلَّا أبا يعلى محمد بن الصلت التوزي، فبالمثناة فوق، وتشديد الواو المفتوحة، وبالزاي.
ومنها "الجريري" كله بضم الجيم وفتح الراء، إلَّا يحيى بن بشر شيخهما، فبالحاء المفتوحة.
ومنها "الحارثي" بالمهملة والمثلثة، ويقاربه سعيد الجاري، بالجيم، وبعد الراء ياء مشددة.
ومنها "الحزامي" كله بالزاي، وقوله في صحيح مسلم في حديث أبي اليسر: كان لي على فلان الحزامي، قيل: بالزاي، وقيل: بالراء، وقيل: الجذامي، بالجيم والذال المعجمة.
ومنها "السلمي" في الأنصار بفتح السين، وفي بني سليم بضمها.
ومنها "الهمداني" كله بإسكان الميم، وبالدال المهملة.
فهذه ألفاظ نافعة في المؤتلف والمختلف. وأما المفردات فلا تنحصر. انتهى كلام النووي - ﵀ -.
وصلى الله على خير خلقه وأفضل أنبيائه محمد وعلى آله وصحبه وبارك وسلم.
[ ١ / ٢٤ ]