كاد الأئمة والعلماء يتفقون على أنَّ صحيح البخاري أصح من صحيح مسلم. إلَّا أن جماعة من المغاربة وأبا علي النيسابوري من المشارقة خالفوا ذلك. قال أبو علي النيسابوري: ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم (٣). وقد قال عامة أهل العلم - بناء على قوله هذا -: إنه هو، وكذا المغاربة، يفضلون صحيح مسلم على صحيح البخاري، وقد ناقشهم الحافظ ابن حجر في كتابه "نزهة النظر شرح نخبة الفكر" في هذه المسألة فقال: "وقد صرح الجمهور بتقديم صحيح البخاري في الصحة، ولم يوجد عن أحد التصريح بنقيضه، وأما ما نقل عن أبي علي الفارسي أنه قال: "ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم" فلم يصرح بكونه أصح من صحيح البخاري؛ لأنه إنما نفى وجود كتاب أصح من كتاب مسلم، إذ المنفي إنما هو ما يقتضيه صيغة أفعل من زيادة صحة في كتاب شارك كتاب مسلم في الصحة، يمتاز بتلك الزيادة عليه. ولم ينف المساواة.
وكذلك ما نقل عن بعض المغاربة أنه فضل صحيح مسلم على صحيح البخاري، فذلك فيما يرجع إلى حسن السياق وجودة الوضع والترتيب، ولم يفصح أحد منهم بأن ذلك راجع إلى الأصحية، ولو أفصحوا لرده عليهم شاهد الوجود.
فالصفات التي تدور عليها الصحة في كتاب البخاري أتم منها في كتاب مسلم وأشد وشرطه فيها أقوى وأسد. أما رجحانه من حيث الاتصال فلاشتراطه أن يكون الراوي قد ثبت له لقاء من روى عنه ولو مرّة، واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة، وألزم البخاري بأنه يحتاج إلى أن لا يقبل العنعنة أصلًا، وما ألزمه به ليس بلازم، لأنَّ الراوي إذا ثبت له
_________________
(١) سير أعلام النبلاء: ١٢/ ٥٦٨.
(٢) سير أعلام النبلاء: ١٢/ ٥٧١.
(٣) سير أعلام النبلاء: ١٢/ ٥٦٦.
[ ١ / ١٧ ]
اللقاء مرّة لا يجري في رواياته احتمال أن لا يكون سمع منه؛ لأنه يلزم من جريانه أن يكون مدلسًا، والمسألة مفروضة في غير المدلس.
وأما رجحانه من حيث العدالة والضبط فلأن الرجال الذين تكلم فيهم من رجال مسلم أكثر عددًا من الرجال الذين تكلم فيهم من رجال البخاري، مع أن البخاري لَمْ يكثر من إخراج حديثهم، بل غالبهم من شيوخه الذين أخذ عنهم، ومارس حديثهم، بخلاف مسلم في الأمرين.
وأما رجحانه من حيث عدم الشذوذ والإعلال فلأن ما انتقد على البخاري من الأحاديث أقلّ عددًا مما انتقد على مسلم، هذا مع اتفاق العلماء على أنَّ البخاري كان أجل من مسلم في العلوم، وأعرف بصناعة الحديث منه، وأن مسلمًا تلميذه وخريجه، ولم يزل يستفيد منه، ويتتبع آثاره، حتى قال الدارقطني: لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء" (١).