توفي الشيخ زكريا الأنصاري يوم الأربعاء ثالث شهر ذي القعدة سنة ستُ وعشرين وتسعمئة عن مائة وثلاث سنوات، وغُسل في صبيحة يوم الخميس، ولما بلغ ملك الأمراء وفاته أرسل إليه ثوبًا بعلبكيًا وخمسين دينارًا على يد الأمير جالم الحمزاوي، وحضر غسله وتكفينه والصلاة عليه، وأخرجت جنازته من عند المدرسة السابقية، ومشى في جنازته قضاة القضاة وأعيان الناس، وصلوا عليه في سبيل المؤمنين، ونزل ملك الأمراء وصلى عليه بالجامع الأزهر مع العلماء والفضلاء وخلائق لا يُحصون (٤)، وحُمِل نعشه من سبيل المؤمنين أول ما طلعوا وكانت جنازته حافلة، فلما صلوا عليه توجهوا به إلى مقام الإمام الشافعي رحمة الله عليه بالقرافة الصغرى، ودفن عند الشيخ محمد الخبشاني تجاه قبر الإمام الشافعي.
_________________
(١) انظر: "تاريخ الأدب العربي" لبروكلمان ٦/ ٤٠٠.
(٢) انظر: "تاريخ الأدب العربي" لبروكلمان ٦/ ٣٩٩.
(٣) انظر: "تاريخ الأدب العربي" لبروكلمان ٦/ ٣٩٨.
(٤) انظر: "شذرات الذهب" ١٠/ ١٨٧، و"الكواكب السائرة" ١/ ٢٠٦ - ٢٠٧، و"الإعلام" ٣/ ٤٦.
[ ١ / ٤٠ ]
وقد قيل في رثائه (١):
لقد عَظمت رَزِيتُنا فنبه لها عمرًا ونم جنحَ الليالي
فلا زالت ذوو الأقدار تلقى من الأيامِ أنواعَ النكالِ
وكم جنت المنونُ على رجال وجندلت الكماة بلا قتال
ودائي ليس يشفيه داء وجُرْحي لا يئول إلى أندمال
به الأيام قد كانت قصارا فويلي مِنْ لياليها الطوال
وكان زخيرتي فيها وكنزي وكان هدايتي عند الضلال
ودق الناس أبواب الفتاوى وقد وصلوا إلى باب الصيال
بكى العلمُ حتى النحو أضحى مع التصريفِ بعدكَ في جدال
بكت أوراقُه بيض المواصي دمًا ويراعه سمر العوالي
وعينُ دواته عمشت وآلت يمينًا لا تداوي باكتحال
تنكرت المعارفُ في عياني وتمييزي غدا في سوء حال
وما عوضت من بدل وعطف سوى توكيد سقمي واعتلالي
فيا قبرًا ثوى فيه تهنى فقد حُزْتَ الجميلَ مع الجمال
سقاهُ الله عينًا سلسبيلًا وأسبغ ما عليه من الظلال
وبوأه من الفردوسِ فضلًا ورقاه إلى الغرفِ العوالي
_________________
(١) "بدائع الزهور" ٢/ ١٢١٠ - ١٢١١.
[ ١ / ٤١ ]