(بابٌ) بالتنوين، والسكون، وهو ساقطٌ من نسخة.
١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ﵁وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: "بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ" فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ.
[٣٨٩٢، ٣٨٩٣، ٣٩٩٩، ٤٨٩٤، ٦٧٨٤، ٦٨٠١، ٦٨٧٣، ٧٠٥٥، ٧١٩٩، ٧٢١٣، ٧٤٦٨ - مسلم: ١٧٠٩ - فتح ١/ ٦٤]
(عائذ الله) بذالٍ معجمةٍ أي: عائذٌ بالله وهو صحابي (ابن عبد الله) أي: إبراهيمُ الخولاني (عُبَادة) بضم العين. (ابن الصَّامت) أي: ابن قيسٍ الأنصاري الخزرجي، شَهِد بدرًا، خُصت بالذكِر لفضلِها على غيرِها، وإلا فقد شهد غيَرها أيضًا: وهي اسمُ موضعِ بئرٍ حفرها رجلٌ مِن بني النجارِ، اسمه: بدرُ (النقباءِ) جمعُ نقيبٍ، وهو الناظرُ على القوم وعريفُهم، وكانوا اثْنَيْ عشر رجلًا، والمرادُ: نقباءُ الأنْصَارِ الذين تقدموا لبيعةِ النبيِّ - ﷺ - ليلةَ العقبة بمنى، والواو في (وكان) وفي (وهو) هي: الداخلةُ على الجملة الموصوف بها لتأكيدِ لصوقِ الصفةِ بالموصوفِ (١)، وإفادةِ أنَّ اتصافَه بها أمرٌ ثابت، ولا ريبَ أنَّ شهودَ
_________________
(١) هذه الواو تسمى واو اللُّصوق. ولم يقل بها من النحاة إلا الزمخشري. وردَّها كثير من النحاة. وظاهر كلام المصنف موافقة الزمخشريّ.
[ ١ / ١٥٦ ]
عبادةَ بدرًا، وكونِه مِن النقباءِ صفتانِ من صفاتِه، وممن صرَّح بهذا المعنى الزمخشريُ في سورِة الحجر في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤)﴾ (١) [الحجر: ٤] (وكان شهد إلخ) اعتراض بين أَنّ وخبرها المقدَّرِ وهو أخبر، وقائلُ ذلك يُحتمَل أنْ يكونَ البخُاري، وأنْ يكونَ غيَره من الرواة. (وحوله) بالنصب بالظرفية، ومحلُّه: رُفِعَ خبرًا لما بَعْدَه، ويقالُ فيه أيضًا: حَوْلَيْه وحَوَالَيْه، بفتحِ اللَّام، أي: يحيطونَ بِه.
(عِصابة) بكسر العين: ما بين العشرة والأربعين، لا واحدَ لها من لفظهِا، جمعُها: عصائب، ومادتُها: العصب، وهو: الشدُّ؛ لأنَّهم يشدُّ بعضُهم بعضًا، أو العصبُ بمعنى: الإحاطةِ، يقالُ: عصبة، إذا أحاط به، وأشار الراويُّ بذكر ذلك إلى المبالغة في ضبطِ الحديثِ، وأنَّه عن تحقيق وإتقانِ، ولذا ذَكر أنَّ الرَّاوي شهِد بدرًا، وأنَّه أحدُ النقباءِ.
(بايعوني) المبايعة: المعاقدةُ والمعاهدةُ، شُبِّهت بعقودِ المالِ؛ لأنَّ كلًّا مِن المتعاقدينِ يُعطي ما عِنْده ما عِند الآخرِ، فمن عند النبيِّ - ﷺ - الثواب والخيرُ الكثير، ومن عندهم التزامُ الطاعة، وقد تُعرفُ بأنَّها عقدُ الامامِ العهدَ بما يأمرُ الناسَ به.
(على ألا تشركوا) أي: على التوحيد وقدَّمه؛ لأنَّه أصلُ الإيمانِ، وأساسُ الإسلام. (شيئًا) عمم به منع الإشراكِ؛ لأنَّه نكرةٌ في سياقِ النهي، والنهيُ كالنفي.
(ولا تقتلوا أولادكم) خصَّهُم بالذكرِ نظرًا للغالب مِن أنَّهم كانوا يَقْتُلون أولادَهُم خشيةَ الإملاقِ؛ ولأن قتلهم فيه قطيعةُ رحمٍ،
_________________
(١) انظر: "الكشاف" ٢/ ٥٥٢.
[ ١ / ١٥٧ ]
والحاصلُ: أنَّ لفظَ الأولادِ لا مفهومَ لهُ؛ لكونه جرى مُجرى الغالبِ، ولكونِه لَقبًا.
(ولا تأتون) في نسخةِ: "ولا تأتُوا" (ببهتان) البهتانُ: هو الكذب الذي يُبهِتُ سامعَهُ أي: يدهشُه لفظاعتِه. (تفترونه) أي: تختلقونه.
(بين أيديكم، وأرجلِكم) ذُكرتْ مَعَ أنَّها لا مدخَل لها في البهتِ؛ لأنَّ الجناياتِ تضافُ إليها غالبًا، ولأنه يُكنى بها عن الذاتِ، والمعنى: لا تأتوا ببهتانِ مِن قبل أنفسكم؛ ولأنَّ البهتانَ ناشئٌ عن القلب الذي هو بين الأيدي، والأرْجلِ، ثمَّ يبرزُهُ بلسانهِ (في معروفِ) هو ما يُحسن، وهو ما لم يَنْهَ الشارعُ عنه ويقالُ: هُوَ ما عُرِفَ مِن الشارع حسنه نهيًا وأمْرًا، وقُيِّدَ بالمعروفِ تطيبًا لقلوبهمِ، وإلَّا فهو - ﷺ - لا يأمرُ إلا به، وفيه: التنبيهُ على أنَّه لا يجوزُ طاعةُ مخلوقٍ في معصيةِ، وخص ما ذكر مِن المناهي بالذكرِ بالاهتمام به (فمن وَفى) بالتخفيف، وفي نسخةٍ: "وَفَّى" بالتشديد، ويقالُ فيه أيضًا: أَوفَى، والمعنى: فمَن ثبت منكم على ما بايع عليه.
(فأجره على الله) فضلًا وَوَعْدًا بالجنةِ لا وجوبًا، فتعبيرهُ بعلى وبالأجر؛ للمبالغة في تحقق وتوهمِ (من ذلك شيئًا) أي: غير الشرك، و(مِن) للتبعيض (فعوقب) أي: لسبب ما أصاب، والحكمةُ في عطفِ جملةِ (عُوقِبَ في الدنيا) بالفاءَ وجملة (ستره الله) بثمَّ: التنفيرُ عن مواقعة المعصيةِ، فإنَّ السامع إذا عَلِم أن العقوبةَ مفاجئة لإصابةِ السيئةِ وأنَّ الستَر متراخِ، بعثَهُ ذلك على اجتنابِ المعصيةِ وتوقِّيها (١).
_________________
(١) ذلك أن (ثم) تفيد الترتيب والتراخي، والفاء تفيد الترتيب والتعقيب.
[ ١ / ١٥٨ ]
(فهو كفَّارةُ له) استُشكل بأنَّ قتل المرتدِّ على ارتدادِه لا يكون كفارةً، وأجيب: بأن الحديث مخصوصٌ بقولهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦]، وحاصل ما ذهبَ إليه أكثرُ الفقهاءِ: أنَّ الحدودَ في غير الشركِ كفارات، وقال قومٌ بالوقفِ لخبر الحاكم: أنَّه - ﷺ - "قال: لا أدري الحدودُ كفارةٌ لأهلِها، أمْ لَا" (١) وأُجيبُ: بأن خبر الباب أصحُّ إسنادًا، وبأن خبر الحاكم ورد قبل أَنْ يُعلمَ - ﷺ - بذلك، ثم أعلَمهُ الله أخيرًا به. (فهو إلى الله) أي: مفوَّضٌ إليه. (إن شاء عفا عنه) بفضلهِ، (وإنْ شاء عاقبه) بعدلهِ، ثم أدخلَهُ الجنَّةَ، وفي ذلك ردٌّ على المعتزلةِ في قولهم: إنَّ صاحبَ الكبيرة إذا ماتَ بغيرِ توبةٍ لا يعُفى عنه، وأنه إذا تاب يجب أنْ يُعفا عنه.