(باب) بالتنوينُ، والسكونُ، والإضافةُ، إِلى جملةِ (منَ الدينِ الفرارُ منَ الفتنِ) لمْ يقلْ منَ الإيمان مِراعاةً للفظِ الحديثِ، والمرادُ: أنَّ الفرار شعبةٌ منْ شعب الإيمان المعبَّرِ عنهُ بالدينِ إذْ الفرارُ ليسَ بدينٍ.
١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ" [٣٣٠٠، ٣٦٠٠، ٦٤٩٥، ٧٠٨٨ - فتح ١/ ٦٩]
(حدثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميمِ واللامِ، ابن قعنب الحارثيُّ. (أبي صَعْصَعَةَ) اسمهُ: عمروُ بنُ زيدٍ بن عوفٍ بنِ مبذولٍ بن
_________________
(١) "المستدرك على الصحيحين" ٢/ ٤٥٠ كتاب: التفسير، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي.
[ ١ / ١٥٩ ]
عمروٍ الأنصاريُّ. (عن أبي سعيد) اسمه: سعدُ بنُ مالكِ بنِ سنان الخزرجيُّ. (الخُدْريُّ) بضمِّ المعجمةِ وسكونِ المهملةِ، نسبةً إلى خُدْرةَ جدِّه الأعلى، أو بطن مِنَ الأنصار.
(يوشك) (١) بضمِّ الياءِ، وكسرِ المعجمةِ، وحُكِيَ فتحُها في لغةٍ، أي: يقربُ. (خير مال المسلم غنمًا) برفع خير اسم يكون، ونصب غنمًا خبرًا لها، وفي نسخةٍ: بالعكسِ (٢)، وجوَّزَ ابن مالكٍ رفعَهما على الابتداء، والخبر، بجعل اسم يكون ضميرَ الشأنِ (٣).
(يتبع) بتشديد الفوقية منِ اتَّبَعَ، ويجوزُ تخفيفُها مسكنةً من تَبع بكسرِ الموحدةِ. (شَعَفَ الجبالِ) بمعجمةٍ فمهملةٍ مفتوحتين جمع شعفة بالفتح، أي: رؤسها. (ومواقع القطر) أي: مواضعَ المطرِ، والمرادُ: بطونُ الأوديةِ والصحاري، وخصَّ المواضعَ المذكورة؛ لما فيهَا من الخلوةِ والسلامةِ من الكدرِ، وخصَّ الغنم؛ لما فيها السكينةِ والبركة، وقد رعاها الأنبياءُ.
(يفرُّ بدينهِ) أي: يهربُ بسببه ومعهُ، وجملةُ: (يفرُّ) حالٌ منْ فاعل (يتبع)، أو مَن المسلمِ، في قولهِ: (مالُ المسلم) وجازَ من المضافِ إليه (٤)؛ لأنَّ المالَ لشدةِ ملابستِهِ لصاحبهِ، كأنه هو؛ أو جزء منه. (من
_________________
(١) وهو فعل من أفعال المقاربة التي تعمل عمل (كان) إلا أن خبرها يجب أن يكون جملةً وأفعال المقاربة هي: كادَ، أَوْشَكَ، كَرَبَ.
(٢) الذي هنا نصب (خير) ورفع (غنم)، والذي في النسخة الأخرى هو العكس، وهو الذي وجَّهه المصنف.
(٣) انظر: "شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح" ص ٢٠٣.
(٤) مجيء الحال من المضاف إليه اختلف فيه النحاة على قولين: أحدهما: أنه جائز مطلقًا. وهو مذهب سيبويه والفارسي. الثاني: أنه جائز بثلاثة شروط:
[ ١ / ١٦٠ ]
الفتن) أي: منْ أجلها، لا منْ أجلِ غرضِ دنيويٍّ فالعزلةُ عنَد الفتنةِ ممدوحةٌ، إلا لقادرِ على إزالتها، فتجب الخلطةُ عينًا، أو كفايةً بحسب الإِمكان، واختُلِفَ فيها عند عدمها، فمذهبُ الشافعي: تفضيلُ الخلطةِ؛ لتعلمهِ وتعليمهِ وعبادتهِ وأدبهِ وغير ذلك، فاختار آخرون العزلةَ للسلامةِ المحققةِ فبالخلطة والعزلةِ كمالُ المرءِ، نعم تجب العزلةُ على فقيهٍ لا يسلم دينُه بالخلطةِ، وتجبُ الخلطة على منْ عرفَ الحق فاتَّبَعَهُ والباطلَ فاجتنبهُ، وعلى من جهلَ الحقَّ ليتعَلمهُ.