وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ الْقَلْبِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥].
باب: ساقطٌ من نسخةِ. (قول النبيِّ - ﷺ -) بالجرِّ على ثبوت باب مضافًا، أو بالرفعِ على سقوطهِ، أو ثبوتهِ ساكنًا، خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هذا (قولُ النبيِّ) أي: ذكر قوله. (أنا أعلمكم بالله) مقول القول، وفي نسخةِ: بدل (أعلمُكمُ) "أعرفكُم"، والفرقُ بينهما عند كثيرٍ أن العلم: هو الإدراكُ الكليُّ، والمعرفةَ: هي الإدراكُ الجزئيُّ. (وأَنَّ المعرفةَ) بفتح الهمزةِ، عُطِفَ على قولِ النبيِّ. (فعل القلب) فيهِ: أنَّ
_________________
(١) أحدها: أن يكون المضاف بعضًا من المضاف إليه نحو: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾. الثالث: أن يكون المضاف عاملًا في الحال، أي إذا كان المضاف فيه معنى الفعل كاسم الفاعل والمصدر ونحوهما: نحو: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾. وظاهر كلام المصنف أنه مع الجمهور.
[ ١ / ١٦١ ]
محلَّ العلمِ الحادثِ القلبُ، وهو ما دلَّ عليه السمع، وإنْ جازَ عندَ أهلِ السنَّةِ أن يخلقَه الله تعالى في أيِّ جوهرٍ أراد. (﴿كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾) [البقرة: ٢٢٥] أي: عزمتْ عليه، ففيه: المؤاخذة بما يستقرُّ مِنْ فِعلِ القلبِ، بخلافِ ما لا يستقرُّ، وعليهِ حملَ خبر "إن الله تجاوزَ عنْ أمتي ما حدَّثتْ به أنفسُها ما لم تتكلَّمْ بهِ أو تعملْ".
٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَرَهُمْ، أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: "إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا".
[فتح: ١/ ٧٠]
(حدثنا محمد بن سَلام) بالتخفبفِ أكثرُ منَ التشديدِ، ابن الفرجِ السلميُّ. (قال: أخبرنَا) في نسخةِ: "حدثنا". (عبدة) بسكونِ الباءِ، هو لقبه، واسمهُ: عبدُ الرحمنِ بنُ سليمانَ الكوفيُّ.
(بما) في نسخةِ: "ما" (يطيقون) أي: الدوامَ عليهِ. (كهيئتك) أي: كحالتِكَ، وليسَ المرادُ نفيَ تشبيهِ ذواتِهِم - ﷺ - فلَا بدَّ من تأويل في أحدِ الطرفينِ أي: ليست ذواتنا كهيئتِكَ، أو لسنا كمثلِكَ، أَي: كذاتِكَ، وزيدَ لفظُ الهيئةِ للتأكيدِ، نحوَ: مثلُكَ لا يبخل.
ومرادهُمْ بهذا الكلامِ: طلبُ الإذنِ في الزيادة من العبادةِ، والرغبةُ في الخيرِ، كأنهم يقولونَ: أنتَ مغفورٌ لكَ لا تحتاجُ إلى عملٍ، ومعَ ذلكَ أنتَ مواظبٌ على الأعمالِ، فكيفَ بنا وذنوبُنا كثيرةٌ، فردَّ عليهم وقالَ: أنا أولى بالعملِ لأنِّي أعلمُكُمْ وأخشاكُم لله، كما ذكرَهُ بعدُ (قد غفرَ لكَ ما تقدَّمَ من ذنبكَ وما تأخرَ) قيلَ: معنى الغفرانِ له مع أنَّهُ معصومٌ غفرانُ الذنبِ الذي قبلَ النبوة، أو تركُ الأولى، أو نُسِبَ إليهِ
[ ١ / ١٦٢ ]
ذنبُ قومهِ، قالَ العلامةُ البرماويُّ (١): وكلها ضعيفة، والصواب: أن معنى الغفرانِ للأنبياءِ: الإحالةُ بينهم وبين الذنوبِ، فلا يصدرُ منهم ذنبٌ؛ لأن الغفرَ: السترُ، فالسترُ: إمَّا بيَن العبدِ والذنبِ، أو بينَ الذنبِ وعقوبتِه، فاللائقُ بالأنبياء الأوَّلُ، وبالأممِ الثاني.
(فيغضبُ حتى يُعرفَ) بلفظِ المضارع فِيهما، حكاية عنِ الحالِ الواقعةِ واستحضار تلكَ الصورةِ الواقعةِ للحاضرينَ، وفي نسخةٍ: "فغضبَ حتى عُرِفَ"، بلفظِ الماضي فيهما، و(يعرف)؛ على الأوَّلِ منصوبٌ بأن مضمرةٍ بعد حتى، ويجوز رفعُهُ (٢) عطفًا على يغضب، ومعنى الغضبِ: السخطُ.
(ثم يقولُ) يجوز رفعهُ ونصبُهُ أيضًا، إن عُطِفَ على يعرف، فإن عُطِفَ على يغضب تعيَّنَ رفعُهُ (٣).
(إنَّ أتقاكم وأعلمكم بالله أنا) وأشارَ بالأوَّلِ: إلى كمالِهِ - ﷺ - في القوةِ العمليةِ، وبالثاني: إلى كمالِهِ - ﷺ - في القوةِ العلميةِ، والتقوى ثلاثُ مراتبَ: وقاية النفس عن الكفر وهو للعامةِ، وعن المعاصي: وهو للخاصةِ، وعمَّا سوى الله: وهو لخواصِّ الخاصةِ، والعلمُ بالله إما بصفاتهِ: وهو المسمَّى بأصولِ الدِّينِ، أو بأحكامهِ: وهو فروعُ الدينِ، أو بكلامهِ: وهو علم القرآنِ وما يتعلقُ بهِ، أو بأفعالِهِ: وهو العلم بحقائقِ أشياءِ العالمِ، ولمَّا جمع - ﷺ - أنواع التقوى، وأقسامَ
_________________
(١) سبقت ترجمته، انظر الحديث الأول.
(٢) على إهمال (حتى) ورفع الفعل بعدها. ومما جاء على ذَلِكَ قراءة ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ بالرفع. وفيه أيضًا قول الشاعر: أحبُّ لحُبِّها السُّودانَ حَتَّى أُحِبُّ لحُبِّها سُودَ الكِلَابِ
(٣) لأن (يغضب) لا يجوز فيه إلا الرفع بخلاف (يُعرف) فيجوز فيه النصب والرفع.
[ ١ / ١٦٣ ]
العلومِ، كان أتقى وأعلمَ على الإطلاقِ، والحديث دليلٌ على الشقِّ الأَولِ من الترجمةِ، والآية دليل على الشقّ الثاني منها، مع أنها لو لم تدلّ، فكثيرًا ما يذكر البخاريُّ ترجمةً، ولم يذكر حديثًا، أو يذكرُ حديثًا لا يطابقها؛ لما قيلَ: إنه ذكر تراجم ليذكر فيها أحاديثَ، فكانَ يذكرُ شيئًا فشيئًا، فماتَ قبلَ أنْ يذكرَ الكلَّ، أو أنَّهُ قصدَ بذلكَ بيان أنهُ لم يثبتْ عنَده حديثٌ يدلُّ عليهِ بشرطهِ.
قالَ النوويُّ (١): وفي الحديثِ: أنَّ الأَوْلى في العبادةِ القصدُ وملازمةُ ما يمكنُ الدوامُ عليه، وأن الصالحَ لا ينبغي له أن يتركَ الاجتهاد؛ اعتمادًا على صلاحهِ، وأنَّهُ يذكرُ فضلَهُ إذا دعتِ الحاجةُ إلى ذكرِه، لكن ينبغي أن يحرصَ على كتمانها؛ خوفًا من إشاعتها وزوالها، وجوازُ الغضبِ عند ردِّ أمرِ الشارعِ، وأنَّ الصحابةَ كانوا على غايةٍ من الرغبةِ في طاعةِ الله تعالى، والازديادِ من أنواعِ الخير.