لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]. فَإِذَا كَانَ عَلَى الحَقِيقَةِ، فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩].
[وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ] [آل عمران: ٨٥]
_________________
(١) سيأتي برقم (٢٧٨٢) كتاب: الجهاد والسير، باب: فضل الجهاد والسير.
[ ١ / ١٧٥ ]
٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلانٍ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: "أَوْ مُسْلِمًا" فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: "أَوْ مُسْلِمًا". ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: "يَا سَعْدُ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ" وَرَوَاهُ يُونُسُ، وَصَالِحٌ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
[١٤٧٨ - مسلم: ١٥٠ - فتح: ١/ ٧٩]
(باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل)
(إذا) لمجردِ الوقت لا للاستقبالِ؛ ليوافق قلب المضارع ماضيًا في قولهِ: (لم يكن). و(الاستسلام) الانقيادُ ظاهرًا، وجوابُ (إذا) محذوف، وتقديره: لا ينتفع به في الآخرة.
(تعالى) في نسخةٍ: "-﷿-". (الأعراب) أهل البدو، ولا واحد له من لفظه. (قل لم تؤمنوا) أي: الإيمان الشرعيُّ، لأنه التصديق بما جاء به النبي - ﷺ - مع التلفظ بالشهادتين ركنًا، كما عليه البخاريُّ، وشرطًا، كما عليه غيره.
(ولكن قولوا أسلمنا) أي: دخلنا في السلم، وانقدنا، لا بالحقيقة؛ لكونهم كانوا كذلك، وكان نظم الكلام أن يقولوا: لا تقولوا آمنا، ولكن قولوا أسلمنا، لكن عدل إلى ما قاله؛ ليفيد التصريح بتكذيب دعواهم أنهم آمنوا، وفي الآية حجة على الكرامية، ومن وافقهم من المرجئة، في قولهم: إن الإيمان إقرارٌ باللسان فقط، ويكفي
[ ١ / ١٧٦ ]
في الردِّ عليهم الإجماع على كفر المنافقين مع إظهارهم الشهادتين.
(فإذا كان) أي: الإسلام. (على الحقيقة فهو على) أي: واردٌ على [(قوله جل ذكره)] (١) إلى آخر الآيتين، فالمرادُ بالإسلام فيهما: الإسلام الحقيقيُّ المشتمل على التصديق والتلفظ بالشهادتين، لا الانقياد ظاهرًا، واحتجَّ البخاريُّ بهما، على أن الإسلام الحقيقي هو الدين، وأن الإسلام الحقيقي والإيمان: ما صدقهما واحدٌ؛ لأن الإيمان لو كان غير الإسلام لكان مقبولًا للآية الثانية، فتعين أن يكون صادقًا به، لأن الإيمان هو الدين، والدين هو الإسلام فينتج أن الإيمان هو الإسلام بمعنى: أنه صادق به.
(أبي وقَّاص) بتشديد القاف، من الوقص: وهو الكسر، واسم أبي وقاص: مالك. (عن سعد) هو ابن أبي وقاص.
(رهطًا) هو من الرجال ما دون العشرة، وقيل: ما دون الأربعين، وجمعه أرهط، وأرهاط. (رجلًا) اسمه: جميل، بالتصغير: ابن سراقة. (هو أعجبهم) أي: أفضلهم وأصلحهم.
(إليَّ) أي: عندي. (ما لَكَ عن فلان) أي: أيُّ شيءٍ حصلَ لك حتَّى أعرضت به عنه، فلا تعطيه، وفلان: كناية عن اسم يسمى به المحدث عنه الخاصُّ، ويقال في غير الناسِ: الفلان، والفلانة، بالألف واللام.
(لأَراه) بفتح الهمزة أي: أعلمه، وبضمها أي: أظنه، وإن عبر بالعلم في قوله: (ما أعلم منه) إذ العلم يأتي بمعنى الظنِّ، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] (أوْ مسلمًا) بإسكان
_________________
(١) من (م).
[ ١ / ١٧٧ ]
الواو، على الإضراب عن جزم سعد بأنه مؤمن؛ إذ الإيمان يتعلق بالباطن وهو القلب، والباطن لا يعلمه إلا الله تعالى، وليس فيه الحكم بأنه غير مؤمن، على ما زعمه بعضهم إذ ليس فيه إيجاب أنه مؤمن، بل النهي عن القطع بإيمانه لعدم مقتضى القطع، بل فيه إشارة إلى كونه مؤمنًا بقوله. (لأعطي الرجل، وغيره أحبُّ إليه منه) وعليه فمطابقة الحديث للترجمة: إنما هو بإطلاق لفظ الإسلام في مقابلة الحقيقيِّ، من غيرِ تعرض لحال الشخص، والإنكار على سعد إنما على جزمه كما مرَّ، فسقط ما قيل: إن الحديث ليس مطابقًا للترجمة، وإنَّ ردَّه - ﷺ - على سعد لا فائدة له. (فعدت لمقالتي) أي: رجعت لقولي. (وغيره أحب) جملة حالية. (خشية) مفعول له؛ لقوله أُعطي.
(يَكُبَّه) بضم الكاف أي: يلقيه منكوسًا وهو من النوادر أن يكون الرباعي بهمزة لازمًا، والثلاثي بدونها متعديًا، والمعنى: أني أتألف قلب الرجل بالإعطاءِ؛ لضعف إيمانه مخافة كفره، إذا لم يعط، بخلاف من قَويَ إيمانه، وهذا كناية؛ لأن الكبَّ في النار للكفر لازمٌ للكفر مساو له، لا مجاز من إطلاق اللازم على الملزوم لأن المشروط فيه امتناع اجتماع معنى الحقيقة والمجاز بخلاف الكناية، وهنا ليس كذلك؛ إذ لا امتناع في اجتماع الكفرِ والكبِّ كما علم.
وفي الحديث -كما قال النوويُّ (١) -: جواز الشفاعة إلى ولاة الأمور وغيرهم، ومرادة الشفيع إذا لم يؤدِّ إلا مفسدة، والأمر التثبت، وترك القطع بما لم يعلم القطع به، وأن الإمام يصرف الأمور في مصالحِ المسلمين، الأهمَ فالأهمَ، وأنَّ المشفوعَ إليه لا عتب عليه إذا ردَّ
_________________
(١) "مسلم بشرح النووي" ١٠/ ١٤٣.
[ ١ / ١٧٨ ]
الشفاعةَ بالمصلحةِ، وأنَّه ينبغي له أنْ يعتذرَ للشافعِ، ويبين له العذرَ في ردِّ شفاعتِه، وأنَّه لا يقطع بالجنةِ لأحدٍ على التعيينِ إلَّا من ثبتتْ فيه كالعشرِة، وأنَّ الإقرارَ باللِّسانِ لا ينفع إلَّا باعتقادِ القلبِ.
(ورواه) في نسخةٍ: "رواه"، والمعنى: أنَّ هؤلاء الأربعةُ تابعوا شعيبًا في رواية الحديث. (عن الزهريِّ) ولقول البخاريِّ مثل هذا، كما قال النوويُّ ثلاث فوائدٍ: بيان كثرةِ طرقِه، ومعرفةِ رواتهِ يتبع روايتَه مَنْ يريدُ جمعَ الطرقِ، ونحو ذلك، ودفعُ توهمِ أنَّه لم يروهِ غيرُ المذكورِ في الإسنادِ، (وابن أخي الزهريِّ) اسمه: محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ مسلمِ.