فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
[٣٠٤]
(باب: كفرانِ العشيرةِ، وكفرٍ بعدَ كفر) بإضافةِ بابٍ وجرِّ كفرٍ عطفًا على كفرانِ، أو رفعِه، كما في نسخةٍ عطفًا على باب.
وفي نسخةٍ: "وكفرًا دون كفرِ"، أشار بذلك إلى تفاوت الكفر، بمعنى أنَّ كفرًا أدون من كفرٍ، والكفرُ المطلقُ هو الكفرُ بالله، وما بعْدَه أدون منه، كما أنَّ نحو أَخْذ أموالِ الناسِ بالباطلِ أدون من قتل النفسَ بغيرِ حقٍّ.
(والكفرانُ) من الكفر بالفتح: وهو الستر ومن ثمَّ سُمي ضد الإيمانِ كفرًا؛ لأنَّه يستُر الحقَّ، وقيل للزارعِ: كافرٌ لأنَّه يستُر البذرَ، وقد يطلقُ الكفرُ على البراءةِ، كقوله تعالى حكايةً على إبليس: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ﴾ [إبراهيم: ٢٢] أي: برئتُ منه، والكفرُ بالله، كما قال الأزهريُّ -أربعةُ أنواعٍ: كفرُ إنكارٍ: بأن يكفر بقلبه ولسانه، وكفرُ جحودٍ: بأنْ يعترفَ بقلبهِ ولا يقر بلسانهِ، ككفر إبليسِ وبلعام، وكفرُ عناد: بأنْ يعترف بقلبه ويقرُ بلسانهِ ولا يتلفظ بالتوحيد، ككفرِ أبي طالب، وكفرُ نفاقٍ: بأنْ يكفرَ بقلبهِ ويقر بلسانهِ ككفر المنافقِ (١).
و(العشيرُ) الزوج، سمي عشيرًا بمعنى معاشرٍ، والمعاشرةُ:
_________________
(١) "تهذيب اللغة" ١٠/ ١٩٣ - ١٩٤.
[ ١ / ١٨١ ]
المخالطةُ، وقيل الملازمةُ. (فيه) أي: في البابِ. (عن أبي سعيد) في نسخةٍ: "فيه: أبو سعيد"، والمرادُ: أنَّ في الباب روايةَ أبي سعيدٍ الخدريِّ، كما رواه البخاريُّ في الحيضِ، وغيره (١) كثيرًا ساقطٌ من نسخةٍ، وفائدة إثباته: بيان تعدد رواية أبي سعيد بذلك.
٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ" قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: "يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ".
[٤٣١، ٧٤٨، ١٠٥٢، ٣٢٠٢، ٥١٩٧ - مسلم: ٩٠٧ - فتح: ١/ ٨٣]
(زيدُ بن أَسْلَم) كنيته: أبو أسامةَ مولى عمرَ بنِ الخطَّاب. (قال: قال النبيُّ) في نسخةٍ: "عن النبيِّ". (أُريتُ) بالبناءِ للمفعولِ من الرؤية البصرية. (فإذا أكثرُ أهلها النساءُ) في نسخة: "فرأيتُ أكثر"، وفي أخرى: "ورأيتُ أكثر فأكثر" والنساء على النسخةِ الأولى: مرفوعان على الابتداءِ والخبرِ، وعلى الأخيرتين: منصوبان على أنهما مفعولان لرأيتُ. (يكفرنَ) جملة استئنافية أي: هنَّ يكفرنَ، وهي في الحقيقة جوابُ امرأةٍ قالت: يا رسولَ الله لِمَ كنَّا أكثرَ أهل النارِ (٢)، وفي نسخةٍ: "بكفرهن" بباء السببيةِ متعلقةٌ بأكثرَ.
(العشيرُ) أي: الزوج كما مرَّ، وخص كفْره من بين سائرِ الذنوب لخبر: "لو أمرتُ أحدًا أن يسجدَ لأحدٍ، لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ
_________________
(١) ستأتي برقم (٣٠٤) كتاب: الحيض، باب: ترك الحائض الصوم من رواية أبي سعيد، كما ذكره المصنف، وسيأتي أيضًا برقم (١٤٦٢) كتاب: الزكاة، باب: الزكاة على الأقارب.
(٢) رواه مسلم (٨٨٥) أول كتاب: صلاة العيدين.
[ ١ / ١٨٢ ]
لزوجها"، فَقَرَنَ حقَّ الزوج على الزوجة بحق الله، فإذا كفرتْ المرأةُ حقَّ زوجها وقدْ بلَغ حقُّه عليها هذه الغايةَ كان ذلك دليلًا على تهاونها بحق الله، فلذلك أطلق عليه الكفرُ، لكنه كفرٌ لا يخرج عن الملةِ، وعُدِّيَ الكفرُ بالله بالباء ولم يُعد كفْرُ العشير بها؛ لأنَّ كفرَ العشير لا يتضمنُ معنى الاعترافِ قاله الكرمانيُّ وغيره (١).
(ويكفرن الإحسان) أي: ولو مع غير العشير، فهذه الجملة أعمُّ مما قبلها، وقيل: ليس كفرانُ العشير لذاته بل لإحسانِه، فالجملةُ كالبيان لِمَا قبلها. (لو أحسنتَ) في نسخةٍ: "إنْ أحسنتَ" فـ (لو) بمعنى: إن في مجرد الشرطية فقط لا بمعناها الأصلي مِنْ أنَّها حرفُ امتناع لامتناع، أو هي من قبيل: "نعم العبدُ صهيبُ لو لم يخفِ الله، لمَ يعصه" (٢) حتى يكونَ الحكمُ ثابتًا على النقيضين، والطرفُ المسكوتُ عنه أولى من المذكور، والخطابُ في (أحسنتَ) عامٌّ لكلِّ مَنْ يَتَأتَّى أَنْ يكون مخاطبًا فهو مجازٌ، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ [السجدة: ١٢]. (الدهرَ) نصب على الظرفية، ومعناه: الأبد، والمراد هنا: دهر الرجل أي: عُمرُه، أو الدهرُ مطلقًا على سبيلِ الفرضِ، مبالغةَ في كفرهنَّ. (شيئًا) تنوينه للتحقيرِ، أو للتقليلِ، أَوْلهما.
(قط) بفتح القافِ، وتشديد الطاءِ مضمومةً على الأشهرِ: ظرفُ زمانٍ لاستغراق ما مضى (٣).
_________________
(١) "البخاري بشرح الكرماني" ١/ ١٣٦.
(٢) (كشف الخفاء ومزيل الألباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس" ٢/ ٣٢٣ (٢٨٣١)، و"تدريب الراوي" ٢/ ٢٥٣، وقال العراقي وغيره: لا أصل له ولا يوجد بهذا اللفظ في شيء من كتب الحديث، و"المقاصد الحسنة" ص ٥٢٦ (١٢٥٩).
(٣) ونقيضتها (أبدًا) تقول: ما رأيته قط، للماضي. ولن آراه قط، للمستقبل.
[ ١ / ١٨٣ ]
وفي الحديث: وعظ الرئيس والمرءوسَ، وتحريضُه على الطاعةِ، ومراجعةِ المتعلِّم العالمَ فيما قاله إذا لمْ يظهر له معناه، وجواز إطلاق الكفرِ على كفرِ النعمة وجحد الحقِّ، وأنَّه كبيرةٌ عند مَنْ يعرفها بما تُوُعِّدَ عليه، وأنَّ المعاصي تنقص الإيمانَ، ولا تخرج إلى الكفرِ الموجب للخلودِ في النارِ، وأنَّ النارَ مخلوقةٌ الآن، وأنَّ الإيمانَ يزيد بشكرِ نعمةِ العشير فثبت أنَّ الأعمالَ مِن الإيمانِ، ووجه مناسبة هذا الحديثِ للأبواب قبلَه المتعلقُة بالإيمان: أنَّ الكفَر ضدُّ الإيمانِ فالمناسبة بينهما من جهةِ التضادِ.