(باب) ساقطٌ في نسخةٍ. (قيام ليلة القدر من الإيمان) مبتدأٌ وخبرُه، سميت ليلةُ القدر، لِما تكتب فيها الملائكةُ مِن الأقدارِ والأرزاقِ والآجال في تلك السنةِ، وقيلِ؛ لعظم قدرِها، أو لأنَّ مَنْ أتى فيها بالطاعةِ قدرًا، ولأنَّ للطاعةِ فيها قدرًا زائدًا على غيرها، قال النوويُّ: واختلف في وقتها، فقيل: تنتقلُ في السنةِ، وبذلك يجمعُ بين الأحاديث الدالةِ على اختلافِ أوقاتِها (١)، وقيل: إنما تنتقلُ في العشرِ الأخير مْنِ رمضانَ، وقيل: في كلِّهِ، وقيل: معينةٌ لا تنتقلُ في السنةِ كلها، وقيل: في رمضانَ، وقيل: في العشر الأوسط والآخر، وقيل: في الآخرِ فقط، وقيل: في أوتارِه، وقيل: في أشفاعِه، وقيل غيرُ ذلك، ومال الشافعيُّ إلى أنها ليلةُ الحاديِّ أو الثالثِ والعشرين، وشذَّ قومٌ فقالوا: رُفعت؛ لقولهِ - ﷺ - حين تلاحا رجلانِ فيها: "رُفعت". هذا غلط؛ لأنَّه عقَّبه بقوله: "التمسوها في السبع، أو التسع" (٢)، فالمراد برفعها: رفع العلم بها. وأجمعَ من يعتدُّ به على وجودهِا، ودوامِها إلى آخرِ الدهرِ، يراها ويتحققها مَن شاءَه الله تعالى في رمضانَ كلَّ سنةٍ.
٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" [٣٧، ٣٨، ١٩٠١، ٢٠٠٨، ٢٠٠٩، ٢٠١٤ - مسلم: ٧٦٠ - فتح: ١/ ٩١]
_________________
(١) "مسلم بشرح النووي" ٨/ ٥٧.
(٢) سيأتي برقم (٢٥١٦) كتاب: فضل ليلة القدر، باب: التماس ليلة القدر في السبع الأواخر، و(٢٠١٧ - ٢٠٢٢) كتاب: فضل ليلة القدر، باب: تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر، و(٢٠٢٣) كتاب: فضل ليلة القدر، باب: رفع معرفة ليلة القدر لتلاهي الناس.
[ ١ / ١٩٣ ]
(مَنْ يُقِمْ ليلةَ القدرِ) أي: يطع الله تعالى فيها، قيل: ويكفي في ذلك ما يُسمى قيامًا، حتى أنَّ مَنْ أدَّ العشاءَ فقد قام، لكن الظاهرَ من الحديثِ عُرفًا كما قال الكرمانيُّ: أنَّه لا يقال: قام الليةَ إلَّا إذا قام جميعَها، أو أكثرها (١). ونصب (ليلةَ القدرِ) بأنَّه مفعولُ به، لا فيه، إذ المعنى: مَنْ يُحيي ليلةَ القدرِ، ويجوزُ نصبُه بأنَّه مفعولُ فيه بمعنى: مَنْ يطعِ الله فيها، وإنمَّا عبَّر بالمضارعِ في الشرطِ في قيامِها، وبالماضي في قيام رمضانَ وصيامِه في البابين الآتيين؛ لأنَّ قيام رمضانَ وصيامه متحققانِ، بخلاف قيام ليلة القدر.
(إيمانًا) أي: تصديقًا بأنَّه حقٌّ وطاعةٌ. (واحتسابًا) أي: لوجهه تعالى، لا رياءً، ونصبهما على المفعول له، أو التمييزِ، أو الحالِ بتأويل المصدر باسم المفعولِ. وعليه فهما: حالانِ متداخلانِ، أو مترادفانِ.
(غُفر له ما تقدَّم من ذنبهِ) أي: مِنْ صغائرِ ذنوبِه، كما في نظائِره مِنْ غفرانِ الذنوبِ بقرينة التقييدِ في بعضِ الأحاديثِ بما اجتنبت الكبائرُ، والنكتةُ في وقوعِ الجزاءِ ماضيًا مع أنَّه في المستقبل: أنَّه متيقنُ الوقوعِ فضلًا من الله على عباده.
وفي الحديث: دلالةٌ على جَعْلِ الأعمالِ إيمانًا؛ لأنَّه جعلَ القيامَ مِنْ الإيمانِ. (ومن ذنبهِ) بيانٌ لمِا تقدَّم.